الحرب على إيران وإعادة توزيع القوة الاقتصادية: اختبار جديد لعقيدة

 

نيويورك – زينة بلقاسم –

«أمريكا أولًا»في الأيام الأولى للحرب على إيران بدا المشهد وكأنه ضربة مباشرة لأجندة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاقتصادية. فالرجل الذي عاد إلى البيت الأبيض وهو يرفع شعار خفض الأسعار وكبح التضخم وجد نفسه أمام صدمة طاقة عالمية رفعت أسعار النفط إلى ما فوق 111 دولارًا للبرميل في بعض التداولات، مع قفزات لحظية قاربت 119 دولارًا، بينما ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بشكل حاد. هذا الارتفاع السريع في الطاقة يعني عمليًا زيادة في أسعار البنزين والنقل والغذاء والكهرباء، وهي العناصر نفسها التي كانت محور الانتقادات التي وجهها ترامب لسياسات الإدارة السابقة بقيادة جو بايدن. ولهذا بدا في الأيام الأولى أن الحرب قد تعيد التضخم إلى الواجهة وتضعف الرسالة الاقتصادية التي حملت ترامب إلى السلطة.
لكن قراءة أعمق لما يحدث تظهر أن الصورة قد تكون أكثر تعقيدًا من مجرد ارتفاع مؤقت في الأسعار. فالحروب الكبرى كثيرًا ما تبدو في بدايتها مكلفة اقتصاديًا، لكنها تعيد تشكيل موازين الاقتصاد العالمي على المدى البعيد. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى الحرب على إيران ليس فقط كأزمة طاقة، بل كجزء من إعادة ترتيب أوسع للنظام الاقتصادي الدولي قد تصب في نهاية المطاف في مصلحة استراتيجية «أمريكا أولًا» التي يتبناها ترامب.
أول هذه التحولات يتعلق بمكانة الولايات المتحدة في سوق الطاقة العالمي. فخلال العقدين الماضيين تحولت الولايات المتحدة إلى واحدة من أكبر منتجي النفط والغاز في العالم بفضل طفرة الإنتاج المحلي. وفي الوقت الذي تعتمد فيه الاقتصادات الآسيوية بدرجة كبيرة على نفط الخليج، أصبحت واشنطن أقل اعتمادًا على واردات الشرق الأوسط مما كانت عليه في السابق. هذا يعني أن اضطراب الإمدادات في الخليج يضغط على منافسي الولايات المتحدة الصناعيين أكثر مما يضغط عليها.
وفي المقابل، فإن أوروبا التي قطعت جزءًا كبيرًا من علاقاتها الطاقية مع روسيا بعد الحرب الأوكرانية تجد نفسها أكثر اعتمادًا على مصادر بديلة للطاقة. وقد أصبحت الولايات المتحدة بالفعل أحد أهم موردي الغاز الطبيعي لأوروبا خلال السنوات الأخيرة. ومع استمرار التوتر في الشرق الأوسط وارتفاع المخاطر الجيوسياسية، قد يزداد اعتماد أوروبا على الطاقة الأمريكية سواء في النفط أو الغاز، وهو ما يعزز موقع الولايات المتحدة كمركز رئيسي لإمدادات الطاقة في العالم الغربي.
إلى جانب ذلك، فإن الضربات التي تستهدف إيران لا تؤثر فقط على توازنات الشرق الأوسط، بل تمس أيضًا شبكة العلاقات الاقتصادية التي بنتها الصين خلال السنوات الماضية. فالصين كانت المشتري الأكبر للنفط الإيراني، وكانت تعتمد على هذا النفط المخفض السعر لتغذية جزء من صناعاتها. وبالتالي فإن إضعاف صادرات إيران أو تعقيد حركة الملاحة في الخليج يرفع كلفة الطاقة على الاقتصاد الصيني ويضغط على قطاعه الصناعي.
ومن هنا يمكن فهم الحرب أيضًا كجزء من المنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين. فالصراع لم يعد يدور فقط حول الرسوم الجمركية أو التكنولوجيا، بل حول السيطرة على الطاقة والممرات البحرية وسلاسل الإمداد العالمية. وكلما زادت المخاطر في طرق التجارة التقليدية، ازدادت أهمية القوة البحرية والقدرة على حماية هذه الممرات، وهي مجالات لا تزال الولايات المتحدة تتفوق فيها بشكل واضح.
كما أن الحرب قد تسرّع تحولًا آخر يتماشى مع رؤية ترامب الاقتصادية، وهو إعادة توطين الصناعات في الولايات المتحدة. فالتوترات الجيوسياسية واضطراب سلاسل الإمداد العالمية يدفعان الشركات الغربية إلى التفكير في تقليل اعتمادها على المصانع البعيدة، خصوصًا في آسيا، وإعادة جزء من الإنتاج إلى أمريكا الشمالية. وإذا تسارعت هذه العملية، فقد يؤدي ذلك إلى تعزيز الصناعة الأمريكية وتقليل الاعتماد على المنافسين الخارجيين.
وفي الوقت نفسه، فإن توسع النفوذ الأمريكي في مناطق الطاقة قد يعيد تشكيل شبكة التحالفات الاقتصادية. فاستقرار صادرات النفط من دول مثل فنزويلا أو دول أخرى في نصف الكرة الغربي يمكن أن يمنح الولايات المتحدة نفوذًا أكبر في سوق الطاقة العالمية. ومع تزايد اعتماد الحلفاء على الطاقة الأمريكية، قد تجد العديد من الدول نفسها مضطرة إلى تعزيز علاقاتها الاقتصادية والاستراتيجية مع واشنطن.
لكن العامل الأهم في هذه المعادلة يبقى السيطرة على الممرات البحرية. فالتجارة العالمية لا تعتمد فقط على الإنتاج، بل على القدرة على نقل السلع والطاقة عبر البحار. والولايات المتحدة ما زالت تمتلك أقوى قوة بحرية في العالم، وهو ما يمنحها قدرة كبيرة على حماية طرق التجارة أو التأثير فيها. ومع تزايد التوترات في مناطق مثل الخليج والبحر الأحمر والمحيط الهندي، قد يصبح تأمين هذه الممرات عنصرًا أساسيًا في إعادة رسم النظام الاقتصادي العالمي.
لهذا السبب يمكن القول إن الحرب على إيران قد تبدو في لحظتها الأولى وكأنها تعرقل أجندة ترامب الاقتصادية، لأنها ترفع الأسعار وتزيد الضغوط التضخمية. لكن إذا استمرت ضمن حدود يمكن التحكم فيها، فقد تتحول على المدى البعيد إلى عامل يعزز بعض أهداف تلك الأجندة: إعادة توطين الصناعة في الولايات المتحدة، زيادة اعتماد الحلفاء على الطاقة الأمريكية، إضعاف المنافسين الاستراتيجيين مثل الصين، وتعزيز السيطرة على الممرات البحرية الحيوية.
وبينما لا يمكن الجزم بنتائج حرب لم تتضح نهايتها بعد، فإن التاريخ الاقتصادي يظهر أن التحولات الكبرى في النظام الدولي غالبًا ما تولد من أزمات وصراعات. وقد تكون الحرب على إيران واحدة من تلك اللحظات التي تعيد تشكيل خريطة القوة الاقتصادية في العالم، حيث يبدو الارتفاع الحالي في الأسعار كلفة فورية، لكنه قد يكون أيضًا جزءًا من عملية أوسع لإعادة بناء موقع الولايات المتحدة في قلب الاقتصاد العالمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى