هل تتحول الحرب على ايران إلى حرب عالمية لم يستعد العالم لها؟

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة
في لحظات التوتر الكبرى، لا يكون الخوف الحقيقي من الصاروخ الأول، بل من اللحظة التي يكتشف فيها العالم أن موازين الردع القديمة لم تعد تعمل كما كانت، وأن القيادة الدولية لم تعد واثقة كما كانت تبدو. هذا هو الإحساس الذي يخيّم اليوم على المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى: ليس فقط لأنها حرب تتسع عسكرياً، بل لأنها تطرح سؤالاً أثقل بكثير من حجم المعركة نفسها، وهو ما إذا كان العالم يدخل طوراً جديداً من الفوضى بينما لم تتهيأ مؤسساته ولا اقتصاده ولا تحالفاته لهذه النقلة. 
الولايات المتحدة لم تدخل هذه الأزمة بدافع عبثي أو لمجرد توسيع نفوذها. في القراءة الأمريكية، كان هناك نظام إيراني بنى نفوذاً عسكرياً وصاروخياً وإقليمياً على مدى سنوات، وتدخل في شؤون دول عدة، وهدد أمن شركاء واشنطن وممرات الطاقة ومصالحها الاستراتيجية. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الحرب بوصفها محاولة أمريكية إسرائيلية لوقف مشروع إقليمي اعتُبر، في واشنطن وتل أبيب وعواصم عربية أخرى، خطراً متزايداً لا يمكن احتواؤه بالتصريحات وحدها. لكن المشكلة ليست في منطق الرد نفسه، بل في السؤال الأكبر: ماذا لو كانت كلفة هذا الرد أعلى من قدرة النظام الدولي على الاحتمال؟ 
ما يثير القلق أن هذه الحرب لا تُقرأ فقط كاختبار لقدرة إيران على الصمود، بل أيضاً كاختبار لقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على موقعها كقوة تقود النظام العالمي. فحين ترتفع أسعار النفط فوق 90 دولاراً للبرميل، ويصبح الحديث عن 150 دولاراً احتمالاً مطروحاً إذا استمر التعطل في الخليج، ويتحول مضيق هرمز إلى عقدة تهدد الطاقة والتأمين والشحن، فإن الأزمة لم تعد شرق أوسطية فقط، بل دولية بامتياز. أي اهتزاز طويل هنا لا يضرب المنطقة وحدها، بل يضرب الاقتصاد العالمي كله، من آسيا إلى أوروبا إلى الولايات المتحدة نفسها. 
والهول الحقيقي في هذه اللحظة ليس فقط في احتمال اتساع الحرب، بل في احتمال أن تُفقد الولايات المتحدة دفة القيادة العالمية بالتدرج. فالقوة الأمريكية لا تزال الأكبر عسكرياً، لكنها تواجه الآن بيئة دولية أكثر قسوة وتعقيداً. الصين تراقب، تتعلم، وتجمع الدروس من كل ضربة وكل ثغرة وكل ارتباك في القرار الغربي. والتقديرات الغربية نفسها تشير إلى أن بكين تنظر بعين استراتيجية إلى أي استنزاف أمريكي خارج آسيا، لأنها تعرف أن كل انشغال أمريكي طويل في الشرق الأوسط يمنحها مساحة زمنية ونفسية وعسكرية أوسع في آسيا والمحيط الهادئ. هذا لا يعني أن الصين ستدخل الحرب مباشرة، لكنه يعني أنها ترى في أي تراجع أمريكي فرصة تاريخية لإعادة توزيع القوة الدولية لصالحها. 
والأمر أخطر لأن الصين لا تُنظر إليها، في أجزاء واسعة من العالم، بالطريقة التقليدية نفسها التي تُنظر بها القوى الغربية. فبكين تقدم نفسها، في خطابها الخارجي، باعتبارها شريكاً اقتصادياً لا يربط حضوره دائماً بشروط سياسية علنية كتلك التي ارتبطت تاريخياً بالقوة الأمريكية. وبغض النظر عن مدى دقة هذه الصورة أو حدودها، فإنها صورة تجد آذاناً صاغية في دول كثيرة، خصوصاً إذا ضعفت الولايات المتحدة عسكرياً أو بدا أنها عاجزة عن حماية حلفائها بعد كل ما أنفقته على شبكات التحالف والدفاع. في تلك اللحظة، لا يكون الرهان فقط على تايوان أو شرق آسيا، بل على شكل القيادة العالمية نفسها. 
أما روسيا، فهي تنظر إلى المشهد من زاوية مختلفة ولكنها لا تقل خطورة. مصلحتها ليست بالضرورة في حرب عالمية مفتوحة، بل في استنزاف طويل للولايات المتحدة، وفي أي نتيجة تُضعف التماسك الغربي وتخفف الضغط على موسكو في أوروبا. تقارير وتحليلات غربية متواصلة تظهر كيف تستفيد روسيا من تشتيت الموارد والانتباه الغربيين، كما أن أي اهتزاز طويل في الثقة الأمريكية داخل الشرق الأوسط يفتح لموسكو باباً إضافياً لتوسيع حضورها السياسي والأمني في محيط تعتبره واشنطن تاريخياً جزءاً من مجال نفوذها. وبالنسبة إلى الكرملين، يكفي أحياناً أن لا تربح أمريكا بسرعة حتى يبدو المشهد، استراتيجياً، أقرب إلى خسارة أمريكية بطيئة. 
هنا تحديداً يظهر البعد الخليجي بوصفه أحد أخطر دلالات الأزمة. فالعلاقة بين الولايات المتحدة ودول الخليج لم تُبنَ فقط على الشراكة السياسية، بل على معادلة واضحة: حماية واستقرار في مقابل استثمارات ضخمة، وصفقات تسليح، وشراكات اقتصادية واستراتيجية عابرة للعقود. والرئيس ترامب، سواء في ولايته الأولى أو في عودته، راهن كثيراً على هذه المعادلة، ونسج شبكة علاقات واتفاقات وصفقات يعتبرها أنصاره جزءاً من نجاحه الدولي. لكن تقارير حديثة من أسوشيتد برس أظهرت بوضوح أن مسؤولين خليجيين شعروا بإحباط عميق لأن واشنطن لم تُخطرهم كما يجب، ولأنهم رأوا أن الأولوية في الدفاع ذهبت إلى إسرائيل والقوات الأمريكية قبل أن تذهب إلى أمن الدول الخليجية نفسها التي طالما قيل لها إن المظلة الأمريكية قائمة من أجلها أيضاً. 
هذا التململ الخليجي لا يعني قطيعة مع واشنطن، ولا يعني أن دول الخليج ستدير ظهرها فوراً للولايات المتحدة، لكنه يعني أن الثقة لم تعد تلقائية كما كانت. حين تبدأ نخب سياسية واقتصادية وإعلامية في الخليج بالتساؤل بصوت أعلى: أين كانت الحماية؟ ولماذا بدا أن كل ما هو متاح من دفاع جرى توجيهه أولاً إلى إسرائيل؟ فإننا نكون أمام تصدع نفسي واستراتيجي يجب عدم التقليل من أهميته. لأن الحلفاء لا يقيسون الشراكة بالخطابات، بل بلحظة الخطر. وإذا شعروا أن الخطر وصل إليهم وأن الاستجابة لم تكن بمستوى الوعود، فإنهم سيبدؤون، ولو ببطء، في تنويع رهاناتهم. 
والأخطر أن هذه اللحظة تأتي فيما الاقتصاد الخليجي نفسه جزء أساسي من التوازنات المالية والاستثمارية التي تستفيد منها الولايات المتحدة. المسألة ليست أمنية فقط؛ إنها أيضاً مالية وتجارية واستراتيجية. أي اهتزاز طويل في ثقة الخليج بواشنطن قد لا يترجم فوراً في العناوين، لكنه قد يظهر لاحقاً في أولويات التسليح، وفي شكل الشراكات، وفي توزع الاستثمارات، وفي من يُنظر إليه بوصفه الشريك الأكثر موثوقية في أوقات الأزمات. وهذه ليست خسارة عابرة لدولة عظمى، بل شرخ في أحد أعمدة نفوذها العالمي. 
من هنا يصبح سؤال الحرب العالمية أكثر واقعية مما يظن البعض. ليس لأن العالم قرر فعلاً الذهاب إلى حرب عالمية ثالثة وفق النموذج الكلاسيكي، بل لأن عناصرها تتجمع بطريقة مقلقة: قوة عظمى تقود حرباً مفتوحة الأفق، قوة إقليمية مستهدفة ترفض الانهيار السريع، أسواق طاقة مضطربة، حلفاء قلقون، وخصوم كبار يراقبون ويستفيدون ويتحركون في الظل. الحرب العالمية في القرن الحادي والعشرين قد لا تبدأ بإعلان رسمي بين معسكرين، بل بانهيار تدريجي في قدرة القوة المهيمنة على إدارة أكثر من جبهة، وباقتناع منافسيها أن لحظة الانتقال قد اقتربت. 
ولعل أكثر ما يبرر هذا القلق هو المشهد الذي يتكرر في المؤسسات الدولية: لغة حذرة، دعوات إلى التهدئة، وارتباك واضح أمام سؤال أكبر من القاموس الدبلوماسي المعتاد. حين سألتِ ستيفان دوجاريك في الإحاطة اليومية عمّا إذا كانت الأمم المتحدة مستعدة لحرب عالمية ثالثة، وجدتِ جواباً غامضاً وإيماءات أقرب إلى الاستغراب من صراحة السؤال. لكن في الحقيقة، هذا ليس سؤالاً مبالغاً فيه، بل سؤال اللحظة. لأن العالم يتوجس فعلاً، إلا أنه لا يريد أن ينطق بالمخاوف كاملة. هناك خوف من الاعتراف بحجم الخطر بقدر ما هناك خوف من الخطر نفسه.
لهذا كله، فإن القراءة الأكثر توازناً ليست أن الولايات المتحدة هي سبب الفوضى، ولا أن تدخلها بلا منطق، بل أن واشنطن دخلت معركة كانت ترى فيها ضرورة استراتيجية، ثم وجدت نفسها أمام اختبار أعقد: هل تستطيع مع حلفائها تحقيق نتيجة حاسمة من دون أن تفتح الباب لتحول تاريخي أكبر، تكون فيه الخسارة النهائية هي خسارة القيادة نفسها؟ هذا هو السؤال الذي يجعل هذه المواجهة أخطر من مجرد حرب. وإذا لم تُضبط سريعاً سياسياً واستراتيجياً، فقد يسجلها التاريخ لا فقط كحرب على إيران، بل كواحدة من اللحظات التي بدأ فيها العالم يلمح بوضوح احتمال انتقال مركز الثقل من واشنطن إلى منافسين ينتظرون، ويتعلمون، ويستعدون. 
وفي النهاية، قد لا يكون أخطر ما في هذه الأزمة عدد الصواريخ أو حجم الدمار، بل الدلالة التي تتركها. فإذا خرجت الولايات المتحدة من هذه المواجهة منتصرة عسكرياً لكنها أضعف سياسياً، وإذا خرج الخليج أكثر شكاً، والصين أكثر ثقة، وروسيا أكثر ارتياحاً إلى استنزاف الخصم الأمريكي، فإن العالم سيكون قد دخل فعلاً مرحلة جديدة لم يستعد لها كما يجب. وعندها لن يكون السؤال: من ربح هذه الحرب؟ بل: من ورث ارتباك النظام الدولي بعدها؟ 




