بين التاريخ والقانون: معركة الرواية الأممية الاسرائيلية في مجلس الأمن

FYE- HN – UN

 

نيويورك – رشادالخضر – الأمم المتحدة

في قاعة مجلس الأمن الدولي، لا تُقال الكلمات عبثًا، ولا تُطلق العبارات من دون حسابات سياسية وتاريخية دقيقة. وعندما يقف وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر ليقول إن خمسًا وثمانين دولة أنكرت حق الشعب اليهودي في العيش في الأماكن المعترف بها كأرضه التاريخية، فإنه لا يخاطب فقط أعضاء المجلس، بل يعيد فتح أحد أكثر الملفات حساسية في النظام الدولي: سؤال الشرعية، وسؤال التاريخ، وسؤال من يملك تعريف الحق على الأرض.

تصريح ساعر جاء في سياق جلسة مشحونة تتكرر فيها المواجهات الدبلوماسية حول الحرب في غزة، والاستيطان، ومستقبل الأراضي الفلسطينية. إسرائيل ترى في قرارات وتصويتات عدد كبير من الدول داخل الأمم المتحدة انحيازًا سياسيًا يتجاهل، بحسب الرواية العبرية، الارتباط التاريخي والديني للشعب اليهودي بأرض الكتاب المقدس. في المقابل، تعتبر غالبية الدول المنتقدة للسياسات الإسرائيلية أن المسألة لا تتعلق بنفي حق ديني أو تاريخي، بل بتطبيق قواعد القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة التي تؤكد حل الدولتين، وترفض شرعية الاستيطان في الأراضي المحتلة منذ عام 1967.

المفارقة أن الصراع لم يعد يدور فقط حول الجغرافيا، بل حول السردية ذاتها. إسرائيل تستند إلى تاريخ موثق ونصوص دينية، وإلى قرار التقسيم الصادر عام 1947، بينما يستند الفلسطينيون إلى حق تقرير المصير وإلى قرارات مجلس الأمن، منها القرار 242 والقرار 338، اللذان يؤكدان مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة. بين هذين المسارين تتصادم قراءتان للشرعية: شرعية تاريخية دينية، وشرعية قانونية دولية حديثة.

هذه اللغة الجديدة في الخطاب الإسرائيلي داخل المنابر الدولية تعكس تحولًا ملحوظًا. فبدل الاكتفاء بالدفاع الأمني، بات التركيز أكبر على البعد التاريخي والهوية والحق “الأقوى” في الأرض. خطاب يجد صداه لدى حلفاء إسرائيل، لكنه يثير في المقابل مخاوف دول ترى أن تكريس مفهوم الحق التاريخي المطلق قد يقوّض أي أساس تفاوضي مستقبلي قائم على تقاسم الأرض أو إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

ما جرى في مجلس الأمن ليس سجالًا عابرًا، بل مؤشر على عمق الهوة بين الروايات، وعلى أن المعركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل على تعريف الأرض نفسها: هل تُحسم بالتاريخ؟ أم بالقانون الدولي؟ أم بتوازنات القوة؟ وفي ظل استمرار الحرب وتعثر المسار السياسي، يبقى السؤال مفتوحًا، تتجدد حوله الكلمات في نيويورك، بينما تستمر الوقائع على الأرض بلا حسم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى