الحرب الروسية الاوكرانية- عودة الدبلوماسية وتحريك الجبهات والناتو يترنح:

 

أ د / دحان النجار

الحرب الروسية الاوكرانية كما اكدنا من البداية بانها سوف تغير العالم ، وهذا ليس تنبؤًا بل قراءة واقعية لأسبابها واهداف الأطراف المشاركة فيها وثقل هذه الأطراف على المسرح الدولي سياسيا واقتصاديا وعسكريا، وبالفعل الاصطفافات و الانعكاسات التي حصلت نتيجة لهذه الحرب احدثت تغييرات كبيرة في السلوك الدولي وبالذات الأوروبي والأمريكي ومن اهم نتائجهااضعاف الناتو الذي بداء يترنح وحتى وان تمت بعض المعالجات إلا ان التناقضات داخله لا يمكن ان تختفي بل سوف تنمو حتى تعصف به في الاخير نهائيا، انتهاء التوازن الدولي الذي كان قائما ًتحت مسمى احترام القانون الدولي سقط سقوطا شبه نهائيا ولا اعتقد انه سوف يستعيد عافيته بل سيزداد الحال سوءًا وستُخلق بدائل يتم إملائها من قبل الاقوياء تبعا للمصالح وليس للأخلاق.

التناقض القائم بين اعضاء حلف الناتو حول الحرب الروسية الاوكرانية وعدم توحيد الموقف الأوروبي والأمريكي تجاههاوتجاه الحل ليس إلا بداية لتناقض اعمق يتجلى في الموقف من التدخل الأمريكي في فنزويلا ومطالبة أمريكا بضم جرينلاند التابعة للدينمارك وبضم كندا وهي دول عضو في الناتو والقادم اكثر .
الأوروبيون حاولوا فرملة اندفاع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في وضع نهاية سريعة للحرب الروسية الاوكرانية لصالح روسيا وتمكنوا من إبطاء هذه العملية مؤقتاً إلا ان الدبلوماسية الأمريكية عادت تنشط من جديد وما وصول الوفد الأمريكي إلى الكرملين ممثلا بكوشنر وويتكوف كمبعوثين خاصين للرئيس ترامب إلا دليلا واضحا على اصرار الادارة الأمريكية على غلق ملف هذه الحرب بحسب الرؤية الأمريكية التي تخدم روسيا من وجهة نظر أوكرانيا والأوروبيين او ترك أوروبا واوكرانيا تواجهان مصيرهما وقد تخسر أوكرانيا الحرب نهائيا وتكون قد جنت على نفسها ” براقش” .
القوات الروسية تسجل تفوقا واضحا في الجبهات ولو ان التقدم بطيء واذا استمر بهذه الوتيرة فسوف تكون كلفته مرتفعة جدا لكنه يسير لصالحها وقد ربما تنهار القوات الاوكرانية في الجبهات وهنا تتغير شروط التفاوض لصالح روسيا، حيث ان القوات الروسية مؤخرا وجّهت ضربات صاروخية وجويه مسيرة إنتحارية دقيقة وغير مسبوقة للبنية التحتية الاوكرانية ولخطوط الامداد ومراكز التصنيع والتحشيد ومراكز القيادة والتحكم ومخازن المسيرات حتى تلك البعيدة في أقصى الغرب الاوكراني من اجل إنهاك القوات الاوكرانية وكسر عزيمتها الدفاعية والأمنية ودفع القيادة السياسية لقبول شروط مذلة لوقف الحرب.
في المعارك التي دارت في اقليم دونتسك تم تدمير الدبابة الألمانية ” ليوبارد” والرادارات الأمريكية المتطورة(TPQ-50)
في رسالة واضحة للناتو بأن تكنولوجياته تحت النيران الروسية وان الاستمرار بدعم أوكرانيا بالعتاد المتطور لن يغير من معادلة الحرب.
امتداد العمليات الروسية الى المناطق الغربية الاوكرانية يدل على ان روسيا تعمل على تحطيم الاحتياطي الاستراتيجي الاوكراني قبل وصوله إلى خطوط المواجهة في عملية قطع الراس والذيل في آن واحد في الغرب والشرق، وهو تصعيد روسي خطير من اجل فرض شروط تفاوضية اكثر أريحية .
أوكرانيا تراهن على دعم حلفائها الاوروبيين لكنّ هاؤلاء الحلفاء المنضويين تحت مظلة الناتو بدأوا يشعرون بنزع الحماية الامريكية عنهم التي تسبب بها الرئيس ترامب من خلال توجهه لمعاقبتهم اقتصاديا إن لم يخضعوا لشروطه فيما يخص استحواذه على ” جرينلاند”.
الرئيس ترامب لوح بفرض رسوم جمركية خانقة على أوروبا من اجل الضغط عليها في ملف ” جرينلاند” الأمر الذي اعتبرته المانيا على سبيل المثال استفزازا لا يمكن القبول به وان معادلة ” الرسوم مقابل الارض” قد تقود إلى الطلب من اجل مغادرة القواعد الأمريكية باسلحتها النووية الارض الألمانية التي اصبحت عبئا نوويا وليس مصدرا للأمان ، حيث صرحت السياسية الألمانية ” داغديلين”ان وجود الصواريخ الامريكية المتوسطة المدى يحوًل ألمانيا الى هدف عسكري مباشر في صراعات لا ناقة لها فيها ولا جمل ، ولم تعد القواعد الأمريكية رمزا للأمان ، بل اصبحت عبئاً يهدد وجود الشعب الألماني دفاعا عن مصالح واشنطن التوسعية.
من تصريح “داغديلين”نستدل باننا امام بداية تمرد أوروبي ونقطة تحول تاريخية وانتهاء عصر التبعية في السياسة الألمانية التي تقارن بين اطماع ترامب في “جرينفيلد” والقاعدة الاستراتيجية النووية في ” بوشل” ، والموقف الالماني مؤشر أوروبي مهم تجاه السياسة الأمريكية وحلف الناتو.
أما الرئيس الفرنسي ماكرون فهوا يرى بان أوروبا سوف تختفي من خريطة الدول العظمى اذ لم تحافظ على الاتحاد الأوروبي وتمتلك قوة عسكرية ضاربة وحديثة خاصة بها تمكنها من البقاء بين الدول العظمى والتي حددها بالولايات المتحدة الأميركية والصين وروسيا، وان أوروبا الان على طاولة التقاسم وتقع بين فكي كماشة الولايات المتحدة الأميركية وروسيا ، فكل منهما تريد وتطمع في اراضي أوروبية .
هذه المواقف الصادرة عن سياسين ألمان وفرنسيين تؤكد بما لايدع مجالا للشك بان حلف شمال الاطلنطي ” الناتو” يترنح وهذه هي احدى نتائج الحرب الروسية الاوكرانية وما يترتب عليها من خلق وضع عالمي جديد مختلف تماما عما قبلها.
تصرفات الرئيس ترامب مع القادة الأوروبيين عبر كسر الخصوصية وصفت بالزلزال الاخلاقي الذي أنهى عقودا من الأعراف الدبلوماسية وفقدان الثقة بين الحلفاء في أوروبا وواشنطن في اطار الناتو ، وموقف أوكرانيا سيزداد ضعفا في ظل هذه التطورات بينما روسيا ترفع سقف شروطها لوقف اطلاق النار الذي حددته ب” الارض مقابل السلام” .
اللقاء الذي عُقد في الكرملين بين بوتين وكوشنر وويتكوف واستمر اكثر من ثلاث ساعات ونصف من اجل وضع نهاية للصراع كان الموقف الروسي واضحا وصارماً ” الانسحاب من الدونباس” وان روسيا لا تطلب هدنة بل انسحابا كاملا، وهناك توافق روسي أمريكي تقريبا في هذا السياق حيث خرج المجتمعون باتفاق حول عقد لقاءً ثلاثياً لمجموعة عمل أمريكية و روسية وأوكرانية في دبي من اجل التوصل الى الصيغة النهائية للحل.
موسكو تشدد موقفها الارض مقابل السلام دون تراجع والمندوبين الأمريكيين يفرون بصعوبة الوضع يضع أوكرانيا امام خيارين لا ثالث لهما فاما الانسحاب بكرامة او مواجهة الجيش الروسي المتفوق والذي لن يتوقف حتى اكتمال تحرير اقليم الدونباس، وعلى ضؤ هذا الموقف الروسي من المتوقع ان تعمل واشنطن في ابو ظبي على اقناع الجانب الاوكراني بالقبول في التنازل عن الـدونباس لكن باب المفاجأت يظل مفتوحا على كل الاحتمالات لاننا امام ازمة اقليمية بطابع دولي، والتحالف الأمريكي الأوروبي على المحك ولن يستمر في حالته الراهنة بل يتجه الى التدهور.
د/ دحان النجار ميشجان ٢٤ يناير ٢٠٢٦م.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى