هل تُقسِّم اليمن الخليج العربي ، أم تفرض تحالفات غير مسبوقة؟

نيويورك – زينة بلقاسم –
عاد اليمن في الأيام القليلة الماضية ليخطف العناوين، لا بوصفه ساحة حرب بعيدة، بل بوصفه “مفصلًا” يضغط على خرائط النفوذ في الخليج والبحر الأحمر والقرن الإفريقي. ففي ٢١ يناير ٢٠٢٦، هزّ تفجير سيارة في عدن موكبًا عسكريًا استهدف قائدًا بارزًا في ألوية العمالقة المقرّبة من السعودية، ما أسفر عن مقتل ثلاثة وإصابة آخرين، في لحظة تزامنت مع إعادة ترتيب موازين القوة جنوبًا بعد أسابيع من صدامات بين قوات مدعومة من الرياض وأخرى مرتبطة بالمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا. وعلى الخط السياسي، تزامن ذلك مع تحركاتٍ وضغوطٍ سعودية لإعادة توحيد الجبهة الجنوبية عبر مسار تفاوضي في الرياض بعد ما قيل إنه تفكك رسمي لهيكل المجلس الانتقالي أو انقسام داخله، في تطورٍ وصفته تقارير متعددة بأنه كشف هشاشة التحالف الذي قاد الحرب ضد الحوثيين منذ سنوات. 
لفهم ما يجري اليوم، لا يكفي النظر إلى اشتباكاتٍ طارئة أو بياناتٍ متبادلة، بل يجب العودة طبقةً إلى الوراء: فاليمن منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء في سنة٢٠١٤ تحوّل إلى ساحة تداخل إقليمي ودولي، ثم إلى “عقدة ممرات” بعد تصاعد التوترات في البحر الأحمر وامتداد الصراع إلى خطوط الملاحة والتجارة. غير أن التطور الأبرز مع نهاية سنة ٢٠٢٥ وبدايات ألفين وستة وعشرين هو أن الجبهة المناهضة للحوثيين نفسها بدأت تتشقق علنًا في الجنوب: و نقلًا عن منصات نشر متعددة و تقارير لوكالة “رويترز” وصفت صراعًا على السيطرة في محافظات جنوبية وشرقية، حيث اندفعت قوات انفصالية مدعومة من أبوظبي للتمدد، قبل أن تُطلق قوات موالية للرياض هجومًا مضادًا لاستعادة مناطق، ما حوّل الخلاف من تنافس نفوذ “مكتوم” إلى مواجهة سياسية وعسكرية ذات تداعيات إقليمية. وفي السابع من يناير، بلغ التصعيد ذروته سياسيًا عندما اتُّهم زعيم المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزُبيدي بالخيانة وأُقيل من موقعه داخل مجلس القيادة الرئاسي بعد تعثر مشاركته في محادثات الرياض، وهو ما أضاف بعدًا خطيرًا: أزمة شرعية داخل معسكر “الدولة” ذاته، وليست فقط أزمة جبهات ضد الحوثيين. 
هنا تظهر “الفكرة الكبيرة” التي تجعل السؤال مشروعًا: هل اليمن يُقسّم الخليج والشرق الأوسط؟ لأن ما يحدث لم يعد يقتصر على اليمن. ربطت صحيفة “واشنطن بوست” صراحةً بين الصدام في جنوب اليمن وبين ارتدادات أوسع في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وتحدثت عن سعي سعودي لاحتواء نفوذ إماراتي متنامٍ عبر بناء أحزمة نفوذ مضادة وعلاقات أوثق مع دول مثل مصر والصومال، في وقتٍ تُفضّل فيه الرياض التعامل مع حكومات رسمية، بينما تراهن أبوظبي، بحسب التحليلات، على شبكات نفوذ أوسع تشمل موانئ واستثمارات وتحالفات محلية متعددة.  وفي هذه البيئة، يصبح اليمن مثل ميزان حرارة يكشف ما تحت السطح حيث: تنافسٌ على الموانئ وخطوط الإمداد، وعلى مستقبل باب المندب والبحر العربي، وعلى شكل النظام الإقليمي نفسه؛ هل يبقى قائمًا على تفاهمات خليجية صلبة، أم يتحول إلى توازنات متحركة تُدار بصفقات قصيرة ومناطق نفوذ مرنة؟
والأخطر أن هذا التنافس يأتي بينما البلد نفسه يقف على حافة انكشاف إنساني جديد. فالأمم المتحدة حذرت، عبر ما نقلته وكالة “رويترز”، من أن الأزمة الإنسانية مرشحة للتفاقم في سنة ٢٠٢٦ بسبب تراجع التمويل: نحو ٢١ مليون شخص قد يحتاجون إلى مساعدات هذا العام، مقارنةً بنحو ١٩ مليونًا ونصف في العام السابق، فيما لم يتجاوز ما تم توفيره من تمويل في سنة ٢٠٢٥ قرابة ٦٨٠ مليون دولار، أي حوالي ٢٨٪ من المستهدف. وهذا الرقم لا يضيف بُعدًا إنسانيًا فقط، بل يضيف بُعدًا جيوسياسيًا حاسمًا: عندما يضعف التمويل ويزيد الضغط المعيشي، ترتفع قابلية الانفجار المحلي، وتُصبح أي مواجهة بين القوى المحلية أو الإقليمية أكثر قابلية للتمدد، ويُصبح “استقرار الموانئ والحقول والطرق” أهم من أي خطاب سياسي.
أما سؤال التحالفات “غير المسبوقة”، فهو يتغذى من ثلاثة مسارات تتشكل الآن بالتوازي. المسار الأول: إعادة هندسة الجنوب؛ السعودية، بحسب تغطيات تحليلية دولية, تحاول تثبيت بنية أمنية موحدة عبر قوات موالية لها ومسار سياسي يضمن عدم تحول الجنوب إلى كيان مستقل فعليًا يُدار بعيدًا عن سلطة الحكومة المعترف بها، لأن ذلك يعيد إنتاج دولة منقسمة ويعقّد أي تسوية شاملة.  المسار الثاني: توسيع رقعة التنافس إلى خارج اليمن؛ فحين يمتد الخلاف إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقي، تصبح التحالفات قابلة للتبدل حسب ملف الموانئ والطرق البحرية، لا حسب العناوين التقليدية فقط.  المسار الثالث: الضغط الدولي؛ إذ تتعامل عواصم غربية مع اليمن بوصفه جزءًا من أمن الملاحة ومكافحة التهريب وتوازنات الطاقة، ما يعني أن أي تصعيد كبير قد يستدعي حضورًا سياسيًا وأمنيًا أكبر من أطرافٍ دولية—ولو بالوساطة والضغط—لا بالضرورة بالتدخل المباشر.
وبهذا المعنى، اليمن لا “يقسم” الخليج وحده، لكنه يختبره: يضع الرياض وأبوظبي أمام سؤال حدود النفوذ، ويضع القوى الإقليمية أمام سؤال البحر الأحمر وباب المندب، ويضع المجتمع الدولي أمام سؤال الاستقرار الإنساني والاقتصادي. الخلاصة التي تُفرض من الوقائع الأخيرة ليست أن اليمن ينتج تحالفات جديدة بالضرورة، بل أنه يجبر الجميع على إعادة تعريف تحالفاتهم القديمة: من يتحمل كلفة الاستقرار؟ من يضمن وحدة القرار في المناطق المحررة؟ وكيف يُدار التنافس دون أن يتحول إلى صدامٍ يفتح الباب أمام أطرافٍ أخرى للاستفادة؟ وفي بلدٍ منهك أصلًا، قد تكون الإجابة الأهم أن أي تحالف لا يملك خطة “دولة” واقتصادًا وخدمات وتمويلًا إنسانيًا، سيظل تحالفًا هشًا حت لو ربح جولةً عسكرية.




