جنوب اليمن بين احتواء التصعيد وإعادة ترتيب الشرعية

نيويورك – خاص – زينة بلقاسم
في اليومين الأولين من الأزمة الأخيرة في جنوب اليمن، تفجّر التوتر بشكل مفاجئ بعد تحركات ميدانية لقوات جنوبية في عدن ومحيطها، ترافقت مع قرارات سياسية متسارعة داخل مؤسسات الدولة، أبرزها إقالات وتغييرات أمنية، ما أدى إلى اشتباكات محدودة وحالة استنفار واسعة. أعاد هذا التطور إلى الواجهة هشاشة الترتيبات الأمنية في الجنوب، وكشف عمق الخلافات داخل المعسكر الداعم للشرعية، في وقت أكدت فيه الحكومة المعترف بها دولياً تمسكها بالحفاظ على مؤسسات الدولة ووحدة القرار الأمني، ورفضها أي إجراءات أحادية تخرج عن إطارها.
بعد ذلك، اتجه المشهد خلال الأيام اللاحقة نحو محاولة احتواء التصعيد، حيث قادت المملكة العربية السعودية تحركات سياسية عاجلة استضافت من خلالها مشاورات مع أطراف يمنية جنوبية، في مسعى لإعادة ضبط الإيقاع ومنع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة مفتوحة تُضعف الحكومة وتصب في مصلحة الحوثيين. ترافقت هذه الجهود مع رسائل واضحة من مجلس القيادة الرئاسي تؤكد أن معالجة الخلافات يجب أن تتم بالحوار، وتحت سقف الدولة والمرجعيات المتفق عليها.
أما ميدانياً، فقد هدأت وتيرة الاشتباكات مقارنة بالأيام الأولى، لكن التوتر ظل قائماً مع استمرار الحشود والتحركات المسلحة في بعض المناطق، ما يعكس أن الأزمة لم تُحل جذرياً بعد، بل جرى تجميدها بانتظار مخرجات سياسية. أشارت مصادر إعلامية إلى أن الحكومة الشرعية تعمل على إعادة ترتيب المؤسسة العسكرية والأمنية في الجنوب، لضمان عدم تكرار الانفلات، وللحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية في مواجهة الحوثيين.
وفي البعد الإقليمي، برزت مؤشرات على تباين في مقاربات الداعمين الإقليميين للشرعية تجاه مستقبل الجنوب، إلا أن الخطاب الرسمي شدد على أولوية استقرار المناطق المحررة، وعدم السماح بتحويلها إلى ساحة صراع جانبي. يعكس هذا التباين، وإن ظل ضمن الإطار السياسي، حساسية المرحلة وخطورة أي تصدع داخل التحالف الداعم للدولة اليمنية.
و على صعيد البحر الأحمر، شهدت الأيام الأخيرة تطوراً لافتاً مع إعلان بعض شركات الشحن العالمية إعادة تسيير رحلات محدودة عبر الممرات القريبة من اليمن، مستندة إلى تقييمات أمنية تشير إلى تراجع نسبي في مستوى التهديد. ورغم أن هذه العودة وُصفت بالحذرة والمؤقتة، فإنها تحمل دلالة اقتصادية مهمة، خاصة للحكومة الشرعية التي ترى في تأمين الملاحة الدولية جزءاً من معركتها السياسية والعسكرية لإثبات قدرتها على الإسهام في الاستقرار الإقليمي.
أما إنسانياً، فقد حذّرت تقارير أممية من أن الأزمة السياسية والأمنية الأخيرة تأتي في وقت يعاني فيه اليمن أصلاً من تدهور خطير في الوضع المعيشي، مع نقص حاد في التمويل المخصص للبرامج الإنسانية. وأكدت الأمم المتحدة أن أي تصعيد جديد في الجنوب سيؤدي إلى تعقيد جهود الإغاثة، ويزيد من معاناة المدنيين، داعية جميع الأطراف إلى تغليب المصلحة العامة ودعم مؤسسات الدولة الشرعية باعتبارها الإطار الوحيد القادر على التنسيق مع المجتمع الدولي.
للمتطلع من بعيد يرى ان التطورات الأخيرة ، تكشف أن جنوب اليمن يقف عند مفترق حساس، فإما أن تنجح الجهود السياسية في تثبيت التهدئة وتعزيز سلطة الحكومة الشرعية، أو أن تعود الخلافات للانفجار بما يفتح الباب أمام مزيد من الفوضى ويضعف موقف الدولة في مواجهة التحديات الكبرى، وعلى رأسها استعادة الاستقرار وإنهاء الانقلاب الحوثي.




