الإطاحة بمادورو… فنزويلا تستيقظ بلا رئيس فهل تدخل منعطفًا أخطر من كل ما عرفته؟

رئيس فنزويلا معصوب العينين على متن السفينة الأميركية أيو جيما (الرئيس الأميركي دونالد ترمب عبر منصة «تروث سوشيال»)

 

نيويورك – زينة بلقاسم – عين اليمن الحر

لم يكن فجر الثالث من يناير من عام ألفين وستة وعشرين في كاراكاس فجرًا عابرًا، ولن يكون بعد اليوم مجرد تاريخ في ذاكرة مدينة اعتادت الصدمات. استيقظت فنزويلا على غياب رأس الدولة نفسه، وعلى إحساس ثقيل بأن الأزمة التي طالما وُصفت بالاقتصادية والسياسية دخلت طورًا جديدًا، صار فيه سؤال السلطة سابقًا على سؤال الخبز، وصار الفراغ أخطر من أي خطاب أو مواجهة في الشارع. لم يعد الأمر متعلقًا بشخص الرئيس فقط، بل بمعنى الدولة حين يُنتزع مركز القرار من الداخل ويُرحّل إلى الخارج، وبقدرة المؤسسات على البقاء متماسكة في لحظة غير مسبوقة.

رئيس فنزويلا معصوب العينين على متن السفينة الأميركية أيو جيما (الرئيس الأميركي دونالد ترمب عبر منصة «تروث سوشيال»)
رئيس فنزويلا معصوب العينين على متن السفينة الأميركية أيو جيما (الرئيس الأميركي دونالد ترمب عبر منصة «تروث سوشيال»)

ولفهم كيف وصلت فنزويلا إلى هذه اللحظة، لا بد من العودة إلى المسار الطويل الذي بدأ قبل سنوات، حين كانت البلاد تُعد من أغنى دول أميركا اللاتينية. ففي أواخر تسعينيات القرن الماضي، وقبيل وصول هوغو شافيز إلى السلطة، كان متوسط دخل الفرد السنوي يناهز ثمانية آلاف دولار، وكان الحد الأدنى للأجور يكفي لتغطية السكن والغذاء والخدمات الأساسية، وكانت العملة المحلية مستقرة نسبيًا، فيما بلغ إنتاج النفط أكثر من ثلاثة ملايين برميل يوميًا، وشكّلت العائدات النفطية العمود الفقري لاقتصاد قادر على تمويل التعليم والصحة والدعم الاجتماعي.

مع وصول شافيز إلى الحكم، تغيّر النموذج الاقتصادي جذريًا. توسّع الإنفاق الاجتماعي بشكل كبير، وجرى تأميم قطاعات واسعة من النفط والطاقة والصناعة، وتحولت الدولة إلى الممول الأول لكل تفاصيل الحياة الاقتصادية. في السنوات الأولى، انعكس ارتفاع أسعار النفط إيجابًا على مستوى المعيشة، وانخفضت معدلات الفقر وفق أرقام رسمية إلى ما دون ثلاثين في المئة، وارتفعت الأجور الاسمية، لكن هذا التحسن كان هشًا، قائمًا على الريع لا على الإنتاج، وعلى توزيع الثروة لا على تنويع مصادرها.

بعد وفاة شافيز وتولي نيكولاس مادورو، دخل الاقتصاد مرحلة التآكل السريع. فبين عامي ألفين وثلاثة عشر وألفين وعشرين، انكمش الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من خمسة وسبعين في المئة، وهو من أسوأ الانكماشات في تاريخ الاقتصاد الحديث خارج الحروب. التضخم خرج عن السيطرة، ووصل في ذروته إلى ملايين في المئة سنويًا، ما جعل العملة المحلية شبه بلا قيمة. وبحلول عام ألفين وواحد وعشرين، لم يكن متوسط دخل الموظف الحكومي الشهري يتجاوز بضعة دولارات، فيما أصبح الحد الأدنى للأجور لا يكفي لشراء كيلوغرام واحد من اللحم. تقارير أممية أشارت إلى أن أكثر من تسعين في المئة من السكان باتوا تحت خط الفقر، وأن نحو سبعة ملايين فنزويلي غادروا البلاد بحثًا عن حياة أفضل.

في موازاة الانهيار الاقتصادي، تغيّرت علاقات فنزويلا مع العالم. فبعد أن كانت شريكًا نفطيًا رئيسيًا للولايات المتحدة لعقود، دخلت العلاقة مرحلة قطيعة تدريجية. العقوبات الأميركية، التي فُرضت وتوسّعت خلال سنوات مادورو، شملت قطاع النفط والبنوك وشخصيات في السلطة، ما قيّد قدرة البلاد على بيع نفطها وتحويل عائداته. في المقابل، اتجهت كاراكاس شرقًا، فعزّزت تحالفاتها مع روسيا والصين وإيران، وحصلت على قروض واستثمارات مقابل النفط، لكن هذه الشراكات لم تعوّض خسارة الأسواق الغربية ولا التدهور الداخلي في الإدارة والإنتاج.

إنتاج النفط نفسه، وهو الثروة الأساسية للبلاد التي تمتلك أكبر احتياطي مؤكد في العالم يتجاوز ثلاثمئة مليار برميل، تراجع من أكثر من ثلاثة ملايين برميل يوميًا إلى أقل من سبعمئة ألف برميل في بعض الفترات، بسبب نقص الاستثمارات وسوء الإدارة والعقوبات. وهكذا، وجدت فنزويلا نفسها دولة غنية بالثروة، فقيرة بالقدرة على استخراجها والاستفادة منها.

في هذا السياق، تصاعد دور المعارضة الداخلية، مدعومة بضغوط دولية، في محاولة لإدارة مرحلة ما بعد مادورو أو فرض تغيير سياسي. لكن الانقسام الحاد، وفشل محاولات سابقة للانتقال، جعلا البلاد تعيش حالة شلل سياسي طويل. الولايات المتحدة ودول غربية أخرى أعلنت مرارًا أنها لا تعارض الشعب الفنزويلي بل تعارض “النظام”، ودعت إلى انتخابات وانتقال ديمقراطي، بينما رأت الحكومة الفنزويلية في هذه المواقف تدخلًا مباشرًا في شؤونها ومحاولة لإعادة تشكيل السلطة من الخارج.

ومع مرور الوقت، انتقل الضغط من السياسة إلى القضاء. ملفات اتهام تتعلق بتهريب المخدرات وغسل الأموال طالت القيادة الفنزويلية، وتحوّلت من أوراق ضغط إلى عناوين يومية. هذا التصعيد مهّد نفسيًا وسياسيًا للحظة الثالث من يناير، حين خرج الحدث من دائرة التوقع إلى دائرة الواقع.

بعد إخراج مادورو من البلاد، حاولت المؤسسات الفنزويلية احتواء الصدمة. نائبة الرئيس السابقة، التي تسلمت مهام الرئاسة مؤقتًا، قدّمت نفسها كحارسة للاستمرارية لا كبديل سياسي، وأكدت أن الدولة ما زالت قائمة وأن غياب الرئيس لا يعني سقوط النظام. في الوقت نفسه، طالبت بالإفراج عنه، معتبرة ما جرى اعتداءً على السيادة ومخالفة لكل الأعراف الدولية.

لكن انتقال مادورو إلى نيويورك، كما نقلت شبكة سي إن إن، غيّر قواعد اللعبة. لم يعد الرجل مجرد رئيس غائب أو مخلوع بحكم الأمر الواقع، بل صار متهمًا محتجزًا داخل منظومة قضائية أميركية، ما جعل أي سيناريو عودة أو تسوية سياسية سريعة شديد التعقيد. هنا تداخل المساران السياسي والقضائي، وصار مستقبل فنزويلا معلقًا بين محكمة في الخارج وشارع منقسم في الداخل.

دوليًا، كشفت ردود الفعل حجم الانقسام. دول مثل روسيا والصين وإيران وكوبا رأت في ما جرى سابقة خطيرة وهددت بتداعيات على النظام الدولي، بينما رأت دول أخرى أن اللحظة قد تفتح باب تغيير طال انتظاره. أما الأمم المتحدة وأطراف دينية وسياسية عالمية، فدعت إلى التهدئة واحترام القانون الدولي وتجنب دفع البلاد نحو الفوضى.

وسط كل ذلك، يبقى السؤال الأعمق اقتصاديًا واجتماعيًا: هل يمكن لفنزويلا أن تتعافى، بغض النظر عن مصير مادورو؟ الأرقام تقول إن إعادة بناء الاقتصاد تحتاج سنوات من الاستقرار، واستثمارات بمئات المليارات، وإعادة دمج البلاد في النظام المالي العالمي، وإصلاح عميق لمؤسسات الدولة. دون ذلك، سيبقى متوسط دخل المواطن هشًا، وستبقى الهجرة خيارًا قاسيًا لكنه منطقي لملايين الناس.

وهكذا، لا تبدو الإطاحة بمادورو أو إخراجه من البلاد نهاية قصة، بل بداية فصل أكثر تعقيدًا. فنزويلا اليوم بلا رئيس في الداخل، لكنها أيضًا بلا يقين في الخارج، عالقة بين إرث اقتصادي منهار، وصراع سياسي مفتوح، ورهانات دولية متشابكة. والسؤال لم يعد من يحكم اليوم، بل كيف يمكن منع الغد من أن يكون نسخة أشد قسوة من كل ما مضى، في بلد يملك الثروة ولا يملك بعد الطريق إلى استعادتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى