شرق اليمن على حافة الانفجار… من معسكرات حضرموت إلى المهرة: اليمن فوق برميل بارود

قوات «درع الوطن» التابعة للرئاسة اليمنية خلال تأمين إحدى النقاط العسكرية بحضرموت (حساب درع الوطن)

 

نيويورك – زينة بلقاسم –

حين تتكلم الجغرافيا في اليمن، فهي لا تتكلم عن خرائط فقط، بل عن شرايين دولة كاملة تتمثل في النفط والطرق الدولية والمنافذ الحدودية والممرات البحرية والبرية التي تُدار عليها التجارة والتهريب معًا. ومع كل منعطف كبير في الحرب، تظهر حقيقة ثابتة: معسكرات الشرق ليست ثكنات عادية، بل “مفاتيح قرار”، ومن يضع يده عليها يقترب خطوة من التحكم بالحدود والإمداد والموارد. لذلك لم تكن تطورات حضرموت والمهرة في ديسمبر من عام ألفين وخمسة وعشرين مجرد تبدّل ميداني محدود، بل فصلًا مكثفًا من صراع أكبر على “من يملك الشرق اليمني”، وكيف تُدار العلاقة بين مجلس القيادة الرئاسي والقوى المحلية، وبين التحالف العربي وميدان القتال إن انفجر، وبين مشروع الدولة ومشاريع يفرضها الأمر الواقع ضمن لحظة إقليمية شديدة التبدّل. وفي قلب هذه اللحظة برز اسم “قوات درع الوطن” بوصفها عنوان المرحلة، لا لأنها قوة جديدة فقط، بل لأنها وُضعت عمليًا على خطوط حساسة: مطار الغيضة في المهرة، وخطي العبر/الخشعة والعبر/الوديعة في حضرموت، أي مفاصل حركة المسافرين والبضائع وعمق المعابر. هذا المسار رصدته قناة الجزيرة مبكرًا عندما تحدثت عن خطة انتشار تتضمن تثبيت السيطرة الأمنية وتوحيد إجراءات المراقبة، بالتوازي مع توتر قبلي وميداني صريح في حضرموت بعد إعلان حلف قبائل حضرموت مقتل ستة من قواته في اشتباكات مع قوات مرتبطة بالمجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة عيدروس الزبيدي. 

لكن ما جعل الملف قابلًا للاشتعال ليس “الانتشار” وحده، بل “معنى الانتشار” في بيئة لا تفصل الأمن عن النفوذ. فعندما تتحرك قوة إلى مطار أو معسكر أو خط دولي، فإنها لا تعيد ترتيب نقاط التفتيش فقط، بل تعيد ترتيب موازين محلية شديدة الحساسية: قبائل، مصالح، طرق إمداد، وحسابات سياسية تتجاوز المحافظة إلى خارطة الجنوب بأكملها. لذلك ظهر سريعًا أن أي إعادة تموضع في الشرق لا تمر كإجراء إداري، بل كصدام محتمل مع شبكات قوة قائمة، وهو ما بدا واضحًا في تغطيات متتابعة تناولت توتر حضرموت بوصفها محافظة “لا تحتمل صراعًا جديدًا” وأن هشاشة الخدمات والأوضاع المعيشية تضاعف قابلية الانفجار عند أول شرارة. 

سياسيًا، حاولت المملكة العربية السعودية وضع إطار يوقف الانزلاق، حين صدر بيان وزارة خارجيتها في الخامس والعشرين من ديسمبر من عام ألفين وخمسة وعشرين، مؤكدًا أن التحركات العسكرية في حضرموت والمهرة التي قام بها المجلس الانتقالي الجنوبي تمت بشكل أحادي ودون موافقة مجلس القيادة الرئاسي أو التنسيق مع قيادة التحالف، وأنها أدت إلى “تصعيد غير مبرر”. الأهم في البيان أنه تحدث عن مسار عملي: عودة قوات المجلس الانتقالي إلى مواقعها السابقة خارج المحافظتين، وتسليم المعسكرات لقوات “درع الوطن” والسلطة المحلية وفق إجراءات منظمة وتحت إشراف التحالف. هذا الإطار نقلته العربية بوصفه “محددات” للتهدئة، ونقلته كذلك سكاي نيوز عربية في سياق الدعوة إلى الانسحاب وإنهاء التصعيد. 

لكن اليمن—خصوصًا في الشرق—لا يُدار بالبيانات وحدها. ما تلا ذلك كان “ترتيبات استلام” على الأرض تُروى كمواقع لا كشعارات. في المهرة، تكررت روايات حول تسلم مواقع ومعسكرات ومقار أمنية وإدارية ضمن ترتيبات قُدمت باعتبارها رسمية لتعزيز الأمن وتثبيت مؤسسات الدولة، بينما انتقلت الترتيبات إلى حضرموت باتجاه نقاط ومسارات شديدة الرمزية مثل محيط العبر وخط الوديعة، حيث يصبح كل موقع مُسلَّم رسالة سياسية بقدر ما هو إجراء أمني. الجزيرة حين عادت لمناقشة الملف لاحقًا، وضعت سؤال “عودة درع الوطن لاستلام المعسكرات” في مركز المشهد، بالتزامن مع حديث عن توجيهات رئاسية بتحرك القوات لاستلام “كل المعسكرات” في حضرموت والمهرة، ما يعكس أن المسار صار جزءًا من معركة القرار لا مجرد دورية أمن. 

وعند النقطة التي كان يُفترض أن يثبت فيها “الاستلام السلمي”، ظهرت مؤشرات أشد خطورة: انتقال التوتر من البر إلى قرار التحالف نفسه حول “خفض التصعيد”. قناة “روسيا اليوم” نقلت عن قيادة القوات المشتركة للتحالف تأكيدها أنها ستتعامل مباشرة مع أي تحركات عسكرية مخالفة لجهود خفض التصعيد في حضرموت حفاظًا على أرواح المدنيين ودعمًا للاستقرار، وهو خطاب يعني أن الملف تجاوز كونه خلافًا محليًا إلى كونه اختبارًا لمنع انفلات السلاح داخل منطقة شديدة الحساسية. كما نقلت “روسيا اليوم” أيضًا ردود فعل سياسية من المجلس الانتقالي بشأن غارات وضربات في محيط المكلا، بما يوضح أن الاشتباك لم يعد “افتراضيًا” في الإعلام، بل صار مادة بيانات ومواقف متبادلة. 

وفي موازاة ذلك، جاءت تغطيات “الميادين” لتُبرز زاوية أخرى من المشهد: البعد القبلي وحساسية “القوات القادمة من خارج المحافظة” وتأثير ذلك على الاستقطاب المحلي، مع تصريحات تُحذر من فرض واقع جديد بالقوة وتربط الصراع بمسألة الثروة والتمثيل المحلي. هذه الزاوية تشرح لماذا يبدو الشرق دائمًا كبرميل بارود: لأن أي خطوة عسكرية تُترجم فورًا إلى سؤال هوية وسيطرة وحصص قبل أن تُترجم إلى سؤال أمن. 

بهذا المعنى، دخل شرق اليمن مع مطلع يناير من عام ألفين وستة وعشرين مرحلة “إعادة تنظيم تحت الضغط”: بيانات تدعو للتهدئة والعودة إلى ما قبل التصعيد، تقابلها محاولات استلام فعلية لمواقع ومعسكرات ومرافق، وتحتها أرض تتداخل فيها القبيلة والممر الحدودي والطريق الدولي والمنشأة النفطية، بحيث يصبح كل تحرك اختبارًا للحدود بين “ضبط الدولة” و”تغيير النفوذ”. والنتيجة التي لا يخطئها السكان هي الأشد قسوة: توتر يتكرر، اقتصاد محلي مرتبك، وخشية من أن يتحول صراع النفوذ داخل المعسكر المناهض للحوثيين إلى شرارة تشعل الشرق كله.

وخلاصة المشهد حتى الثاني من يناير من عام ألفين وستة وعشرين أن السؤال الفاصل لم يعد: من سيطر اليوم؟ بل: ما الضمانات التي تمنع الغد من إعادة إنتاج الاشتباك؟ لأن حضرموت والمهرة ليستا هامشًا؛ هما بوابة حدود، ومسارات إمداد، ومفاتيح أمن. والشرق اليمني، كما تقول الجغرافيا بصمت، إذا اشتعل، فلن يحترق وحده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى