صفقة للسلام في أوروبا الشرقية : بين تنازلات كييف وضغوط موسكو

الرئيس الأميركي ترامب يتوسط بوتين (يمين) وزيلينسكي (الجزيرة)

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة

فيما يقترب العدّاد من أربعة أعوام على اندلاع الحرب الروسية /الأوكرانية، تتحول برلين هذه الأيام إلى ما يشبه غرفة عمليات دبلوماسية مفتوحة، تُعلَّق عليها آمال كبيرة في أن تضع حدّاً لما صنف أكثر الحروب دموية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. فهناك، وفي ظل إجراءات أمنية مشددة، جلس الأحد الرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي” قبالة مبعوثي البيت الأبيض، يتقدمهم المبعوث الخاص “ستيف ويتكوف” ومستشار الرئيس الأمريكي “جاريد كوشنر”، في مفاوضات ماراثونية استمرت أكثر من خمس ساعات، ثم استؤنفت اليوم الاثنين، في محاولة لصياغة إطار سلام تدعمه العواصم الأوروبية ويمكن إذا نضج أن يُعرَض في مرحلة لاحقة على موسكو باعتباره الطريق الأقصر لوقف نزيف الدم.

التطور الأبرز الذي التقطته وكالات الأنباء من هذه الجولة هو إعلان “زيلينسكي” الاستعداد للتخلي عن الهدف الاستراتيجي الذي شغل السياسة الأوكرانية منذ أكثر من عقد وهو الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي. ففي تصريحات سبقت الدخول إلى إحدى الجلسات، قال الرئيس الأوكراني إن بلاده “لن تتمسك بعضوية الناتو إذا حصلت في المقابل على ضمانات أمنية ملزِمة من الولايات المتحدة ودول أوروبية وحلفاء مثل كندا واليابان”، معتبراً أن هذا التحول “بحد ذاته تنازل كبير” في سعيه لإنهاء الحرب. هذه الخطوة تعني عملياً مراجعة بند دستوري ينص صراحة على هدف الانضمام إلى الحلف، ما يعكس حجم الضغوط والرهانات المطروحة على طاولة برلين.
لكن التنازل عن طموح الناتو لا يعني، من وجهة نظر كييف، الاستعداد للتنازل عن الأرض؛ فالرئيس الأوكراني أوضح بلهجة حازمة أنه قد يقبل وقفاً لإطلاق النار على خطوط التماس الحالية إذا ترافَق مع ضمانات أمنية قوية، لكنه لن يوقّع على اتفاق يشرعن التخلي عن مناطق لا تزال تحت سيطرة أوكرانية في دونيتسك ولوغانسك، أو يفرض منطقة منزوعة القوات الأوكرانية في الشرق تُعرَض تحت مسمى “منطقة اقتصادية حرة”. وعبّر في مقابلات صحفية مؤخراً عن شعور بالمرارة إزاء ما يصفه بـ”غياب العدالة” في بعض المقترحات، معتبراً أن كثيراً من الشروط “يعكس ميزان القوى أكثر مما يعكس القانون أو القيم.”
في قلب هذه المفاوضات تقبع “خطة سلام” أميركية متعددة النقاط، تسرّبت منها في الأسابيع الماضية نسخة من ٢٨ بنداً قيل إنها صيغت في البيت الأبيض بإشراف مباشر من الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، عبر عمل مشترك بين وزير الخارجية “ماركو روبيو” والمبعوث الخاص “ويتكوف” وفريق من المستشارين، مع مساهمات من الطرفين الأوكراني والروسي. هذه الخطة الأصلية تعرّضت لانتقادات حادة في أوساط أوروبية وأكاديمية بوصفها منحازة أكثر من اللازم لمطالب موسكو، خصوصاً في بنود تتعلق بحجم الجيش الأوكراني في زمن السلم، وبالحديث عن ترتيبات طويلة الأمد تعترف ضمناً بوقائع الاحتلال على الأرض.

أمام هذا الجدل، تحرك القادة الأوروبيون لصياغة مقترَح مضاد لا يطيح بالمبادرة الأميركية لكنه يعيد وزنها على الميزان. ففي قمة لندن حول أوكرانيا مطلع آذار الماضي، ثم في اجتماع جنيف أواخر تشرين الثاني، عملت عواصم كبار مثل باريس وبرلين ولندن، إلى جانب كييف، على إعادة ترتيب النقاط المثيرة للجدل: أولاً جعل وقف إطلاق النار على خطوط التماس الحالية أولوية قبل الدخول في أي نقاش تفصيلي حول وضع الأراضي؛ ثانياً إدراج ضمانات أمنية ثنائية متعددة الأطراف تُشبه في روحها المادة الخامسة من ميثاق الناتو، ولو من خارج الحلف؛ ثالثاً إزالة أي لغة توحي باعتراف دائم بسيطرة روسيا على أراض أوكرانية؛ ورابعاً توسيع سقف ما يُسمح لأوكرانيا به من قدرات عسكرية في زمن السلم. هذه الصيغة الأوروبية/ الأوكرانية، التي وُصفت بأنها خطة منقحة، قُدِّمت إلى واشنطن بوصفها قاعدة لتعديل المسوّدة الأميركية.
وتصرّ الإدارة الأمريكية من جهتها على أن ما يجري ليس صراع مسودات بقدر ما هو عملية ديناميكية تقودها واشنطن للوصول إلى اتفاق سلام واقعي ينهي الحرب قبل نهاية العام. وقد تحقق تصريح المبعوث “ويتكوف” بعد اجتماع برلين الأخير بأن الكثير من التقدم، وأن المفاوضات ستستمر قبيل قمة أوروبية جديدة هذا الأسبوع، يعكس رغبة واضحة في الحفاظ على زخم دبلوماسي مرتفع، وتقديم الصورة الحقيقية للرئيس الأميركي ” دونالد ترامب” الذي لايخفي بأنه يضع ثقله الشخصي لإنجاز صفقة سلام تعيد ترتيب الأمن الأوروبي. فترامب، الذي ألغى في تشرين الأول قمة كانت مقررة في بودابست مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بسبب إصرار موسكو على مطالبها القصوى، يحاول أن يُظهِر أنه لا يساوم على الثوابت، لكنه في الوقت نفسه لا يتخلى عن فكرة أن اللحظة لم تفت بعد للتوصل إلى اتفاق إذا توفرت إرادة سياسية من كل الأطراف.
لكن بالنسبة للأوروبيين، تبدو المعادلة أكثر تعقيداً؛ فهم من جهة يدعمون الجهود الأميركية لإطلاق مسار سلام، كما عبّرت عن ذلك بيانات صادرة عن المجلس الأوروبي وقمم متعاقبة أكدت ضرورة السعي إلى سلام شامل وعادل ودائم في أوكرانيا، ومن جهة أخرى يتحفظون على أي صيغة يُفهَم منها أن القارة مستعدة لمكافأة العدوان باقتطاع أراض بالقوة. مقالات تحليلية صادرة عن مراكز فكر أوروبية تحذّر صراحة من أن ضغوطا من الولايات المتحدة الأميركية تتم حاليا على كييف لتقديم تنازلات أحادية قد تخلق شرخاً في الجبهة الغربية، وتُضعف الردع على المدى الطويل. لهذا تكرر العواصم الأوروبية، من باريس إلى برلين، أن دعمها لـجهود السلام مشروط بأن لا تكون التسوية على حساب المبادئ الأساسية منها سيادة أوكرانيا، ورفض الاعتراف بضم الأراضي بالقوة، وحق الأوكرانيين في تقرير تحالفاتهم المستقبلية.
أما روسيا، الطرف الغائب الحاضر في برلين، فتواصل إرسال إشارات متعددة. فعلى الصعيد الميداني، أعلنت موسكو مؤخراً سيطرتها على قرية فارفاريڤكا في الشرق، وواصلت ضرب البنية التحتية الأوكرانية بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة، فيما اندلع حريق قرب أحد مصافي النفط الروسية نتيجة حطام طائرة من دون طيار فيما يفهم بأنه زيادة ضغط للقبول بشروطها للسلام. وعلى الصعيد السياسي، يرفض الكرملين حتى الآن القبول بالصيغة الأوروبية المنقحة، ويتمسك بمطالب أوسع تشمل السيطرة الكاملة على دونباس واعترافاً عملياً بوضع روسيا في شبه جزيرة القرم، ولا تعطي اهتماما في الوقت نفسه لتحذيرات الأمين العام لحلف الناتو ورؤساء أجهزة الاستخبارات الغربية مما تسميه “نزعة توسعية” روسية قد لا تتوقف عند حدود أوكرانيا.
وفي خلفية هذه الجهود، تتحرك فكرة قوة متعددة الجنسيات للاستقرار في أوكرانيا، مطروحة ضمن مبادرة تحالف الراغبين التي أعلنتها بريطانيا وفرنسا في قمة لندن، والتي تضم اليوم أكثر من ثلاثين دولة أبدت استعدادها للمشاركة في قوة حفظ سلام محتملة تُنشَر فقط بعد توقيع اتفاق شامل بين كييف وموسكو. وتُقدَّم هذه القوة، التي نوقشت هياكلها القيادية ومقرّها المحتمل قرب باريس، كجزء من حزمة ضمانات أمنية لأوكرانيا، وكإشارة لروسيا بأن أي خرق لاتفاق وقف النار لن يمرّ بلا رد دولي منظم.
وسط كل هذه الطبقات من المقترحات والمسودات والتحركات، يبرز سؤال بسيط لكنه حاسم: هل نحن أمام مسار سلام حقيقي، أم مجرد محاولة لتجميل واقع ميداني قاسٍ بعبارات دبلوماسية؟ يرى أنصار الرئيس ترامب في واشنطن وعواصم أخرى أن ما يفعله هو أقصى ما يمكن فعله في لحظة اختلال موازين القوى؛ إذ لا يمكن إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل شباط ٢٠٢٢، لكن يمكن وقف الحرب على خطوط التماس الحالية، وتأمين أوكرانيا بضمانات قوية، ومنع توسع النزاع. و يدعمون ذلك بالقول بأن من وجهة نظرهم، استمرار القتال يعني مزيداً من القتلى الأوكرانيين والروس، ومزيداً من الاستنزاف الاقتصادي لأوروبا والعالم، بينما صفقة سلام “مؤلمة لكنها واقعية” قد تنقذ عشرات الآلاف من الأرواح في السنوات المقبلة.
في المقابل، يحذّر منتقدو الخطة الأميركية، من داخل أوروبا ومن أوكرانيا نفسها، من أن أي اتفاق لا يتضمن انسحاباً روسياً واضحاً من الأراضي المحتلة، وآليةً ملزِمةً لمحاسبة جرائم الحرب، قد يتحول إلى استراحة محارب أكثر منه سلاماً دائماً، وأن تجميد النزاع على الوضع الحالي من دون حسم لمسألة الأراضي والسيادة يترك الباب مفتوحاً لجولات جديدة من العنف متى ما تغيّرت موازين القوى. ويرى بعضهم أن الدفع بقوة نحو اتفاق قبل نهاية العام، كما ترغب الإدارة الأميركية، يرتبط أيضاً بحسابات سياسية داخلية في واشنطن، حيث يراهن البيت الأبيض على تقديم إنجاز دبلوماسي كبير للناخب الأميركي والعالم.
ورغم عمق هذه الخلافات في الرؤى، يتفق معظم الفاعلين على أن لحظة برلين تمثل نافذة نادرة لا ينبغي الاستهانة بها؛ فأوكرانيا دخلت مرحلة إنهاك بشري واقتصادي واضح، وروسيا بدورها تدفع كلفة عالية من الجنود والعقوبات والعزلة، وأوروبا أمام تحدٍّ أمني وتاريخي لا سابقة له منذ عقود، والولايات المتحدة تحاول إعادة ترتيب أولوياتها بين أوروبا وآسيا. في مثل هذه البيئات، غالباً ما تنضج التسويات الكبرى، إذا ما قُدِّر لها أن ترى النور. لذلك تبدو الجولات المغلقة بين “زيلينسكي” ومبعوثي الرئيس “ترامب”، واللقاءات المتوازية مع القادة الأوروبيين، جزءاً من سباق مع الزمن لصياغة اتفاق يحاول أن يوازن بين العدالة والواقعية، وبين حماية أرواح يعيش أصحابها الآن تحت القصف، وحقوق أجيال مقبلة لن تغفر بسهولة لمن يفرّط بمستقبل بلادها.
ويظل سؤال: ما إذا كانت هذه الجهود ستُفضي إلى سلام فعلي أم إلى هدنة هشة، لا قدرة لبيانات الصحافة على الاجابة عنه فوراً. لكن الأكيد أن الصورة التي تخرج من برلين اليوم مختلفة عما كانت عليه قبل أشهر فقط: رئيس أوكراني يعلن استعداداً لتنازلات موجعة شرط ألا تكون مذلّة، وإدارة أميركية تضع وزنها خلف خطة مكتوبة تحمل بصمة رئيسها شخصياً، وقادة أوروبيون يحاولون تعديل المسار من دون كسره، وروسيا تراقب وتضغط في الميدان بانتظار أن ترى إن كان ما سيُعرَض عليها يستحق تغيير حساباتها. وبين كل هذه العواصم، تبقى القرى والمدن الأوكرانية التي تقصف ليلاً ونهاراً هي المقياس الحقيقي لأي سلام قادم: هل هو سلام يوقف الصواريخ فوق رؤوس الناس ويعيد الأطفال إلى مدارسهم، أو تسوية ستُكتب على الورق فيما يبقى صوت المدافع هو اللغة الأوضح على خطوط الجبهات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى