من نفط الصحراء إلى اقتصاد المستقبل.. أبو ظبي تقود طفرة جديدة

نيويورك – زينة بلقاسم –
في الأيام الأخيرة امتلأت منصّات الأخبار ووسائل التواصل بتحليلات وتقارير تتحدث عن “طفرة اقتصادية جديدة” في دولة الإمارات العربية المتحدة، وعن أن أبو ظبي تحديداً التي تدخل مرحلة مختلفة من النمو تجعلها أقرب إلى نموذج اقتصادي متكامل منه إلى عاصمة نفطية تقليدية. لم يعد الحديث مجرد إشادة انطباعية، بل تقارير صادرة عن مؤسسات دولية مرموقة، وبيانات رسمية عن أرقام نمو حقيقية في الناتج المحلي غير النفطي، والتجارة، والسياحة، والاستثمار الأجنبي، تتكامل لترسم صورة اقتصاد يتحرك بوتيرة أعلى من المتوسط العالمي، ويعيد تموضعه في خريطة الاقتصادات الصاعدة.
خلصت بعثة صندوق النقد الدولي التي أنهت مشاورات “المادة الرابعة” مع الإمارات هذا الخريف، إلى أن الدولة أظهرت “قدرة قوية على الصمود في وجه عدم اليقين العالمي وتقلبات أسواق الطاقة”، وأن النمو الكلي بلغ قرابة ٤٪ في ٢٠٢٤، مع توقعات بالارتفاع إلى نحو ٤٫٨٪ في ٢٠٢٥ و٥٪ في ٢٠٢٦، وهي نسب تفوق بوضوح متوسط النمو العالمي المتوقع. لكن والأهم من ذلك هو أن محرك هذا النمو لم يعد النفط وحده؛ فالقطاع غير النفطي هو الذي يقود الوتيرة، مدعوماً بتوسع في الصادرات، وتحسن في الخدمات، واستمرار الإنفاق على البنية التحتية والمشاريع الإنتاجية.
وتدعم بيانات المصرف المركزي الإماراتي هذه الصورة؛ ففي الربع الأول من ٢٠٢٥ نما الناتج المحلي الحقيقي بنحو ٣٫٩٪ مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، لكن الناتج غير النفطي سجل نمواً أعلى بلغ ٥٫٣٪، ليرتفع إلى نحو ٣٥٢ مليار درهم، فيما شكّلت الأنشطة المرتبطة بالنفط حوالي ٢٢٫٧٪ فقط من الاقتصاد، ما يعني أن أكثر من ثلاثة أرباع الناتج باتت تأتي من قطاعات غير نفطية. وعلى هذا الأساس، رفع المصرف توقعاته لنمو الاقتصاد الإماراتي في ٢٠٢٥ إلى نحو ٤٫٩٪، مع توقع استمرار الارتفاع إلى ٥٫٣٪ في ٢٠٢٦، مدعوماً بزيادة الإنتاج النفطي من جهة، وبزخم القطاعات الصناعية والخدمية والعقارية من جهة أخرى.
ولا تعني هذه الأرقام فقط نمواً في الداخل، بل تكشف أيضاً عن توسع في الحضور الإماراتي ضمن التجارة العالمية. حيث تقارير اقتصادية رسمية تشير إلى أن التجارة غير النفطية لدولة الإمارات العربية المتحدة، قد ارتفعت في ٢٠٢٣ بنسبة ١٢٫٦٪ لتصل إلى نحو ٣٫٥ تريليون درهم، حوالي ٢٫٥٧٤ تريليون درهم منها في تجارة السلع غير النفطية، بدعم من نمو قوي في الصادرات وإعادة التصدير والواردات، إضافة إلى ما يقرب من ٩٦٧ مليار درهم في تجارة الخدمات. وبالتالي تجعل هذه الأرقام البلاد ضمن أهم المراكز التجارية عالمياً، وتدعم طموحها في أن تكون حلقة وصل رئيسية بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.
في موازاة ذلك، تتقدم السياسة الاستثمارية بخطوات واضحة؛ فالحكومة الاتحادية أقرت “إستراتيجية الاستثمار الوطني” بهدف مضاعفة حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة بحلول ٢٠٣١، مع التركيز على القطاعات المستقبلية مثل التقنيات المتقدمة، والطاقة النظيفة، والخدمات المالية، والاقتصاد الرقمي. لا ينعكس هذا التوجه فقط في قوانين أكثر جاذبية للمستثمر الأجنبي، بل أيضاً في توسع دور الصناديق السيادية الإماراتية كلاعب عالمي في الأسواق المالية والعقارية والصناعية، وهو ما يؤكد عليه أكثر من تقرير دولي يصف الإمارات بأنها من أكبر مراكز جذب وتصدير للاستثمار في المنطقة.
كما أبرزت قنوات إخبارية تقدّم المفاوضات بين دولة الإمارات والاتحاد الأوروبي نحو اتفاق تجارة حرة، تصف فيها مصادر رسمية في الجانبين جولات التفاوض الأخيرة بأنها “مثمرة وسريعة التقدم”، مع التركيز على التجارة في السلع والخدمات والاستثمار والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والمواد الخام الحيوية. يعتبر الاتحاد الأوروبي ثاني أكبر شريك تجاري غير نفطي للإمارات، فيما تُعَد الإمارات الوجهة الأولى لصادرات الاتحاد واستثماراته في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ وبالتالي فإن اتفاقاً من هذا النوع يعزز موقع الدولة كبوابة رئيسية بين السوق الأوروبية وأسواق آسيا وأفريقيا، ويضيف طبقة جديدة إلى طفرتها الاقتصادية الراهنة.
وعلى مستوى السياحة والضيافة، تبدو الطفرة أكثر وضوحاً في الأرقام اليومية؛ إذ تشير بيانات مجلس السفر والسياحة العالمي إلى أن إنفاق الزوار الدوليين في الإمارات مرشح لأن يبلغ هذا العام مستوى قياسياً يناهز ٢٢٨٫٥ مليار درهم، أي أعلى بنحو ٣٧٪ من ذروة ما قبل الجائحة في ٢٠١٩، ما يعكس قوة تعافي القطاع وتحوله إلى رافعة أساسية للنشاط غير النفطي. وفي هذا السياق تلعب أبو ظبي ودبي معاً دور المحرك المزدوج لهذه الطفرة السياحية، كلٌّ وفق إستراتيجيته الخاصة، لكن مع تكامل واضح في البنية التحتية والترويج للأسواق المختلفة.
عندما ننتقل إلى أبو ظبي بصفة خاصة، تتضح ملامح “عاصمة اقتصادية جديدة” تتجاوز صورتها التقليدية كمركز لإدارة الثروة النفطية. وقد أعلن مركز الإحصاء في الإمارة أن الناتج المحلي الحقيقي لأبو ظبي بلغ في الربع الثاني من ٢٠٢٥ نحو ٣٠٦٫٣ مليارات درهم، بنمو ٣٫٨٪ مقارنة بالفترة نفسها من ٢٠٢٤، فيما حققت القطاعات غير النفطية نمواً لافتاً قدره ٦٫٦٪، مدعومة بالتصنيع، والخدمات المالية، والعقار، والبناء. وتشير تقارير أخرى إلى أن اقتصاد الإمارة مرشح للنمو بنحو ٦٪ خلال العام، مستفيداً من تراجع قيود الإنتاج النفطي وتوسع الاستثمارات في العقار، والبنية التحتية، ومشاريع الطاقة، والصناعة.
يقدم قطاع السياحة في أبو ظبي مثالاً حياً على هذا التحول؛ فوفق بيانات رسمية، سجلت الإمارة قفزة في السياحة الثقافية بنسبة تقارب ٤٧٪ في النصف الأول من ٢٠٢٥، مع استقبال الملايين من الزوار لمتاحفها ومواقعها الثقافية. كما استقبلت فنادق أبو ظبي نحو ٢٫٩ مليون نزيل بين يناير ويونيو، بزيادة ملحوظة مقارنة بالعام السابق، وارتفعت إيرادات الفنادق بنحو ٢٠٪ في الفترة نفسها. هذه الأرقام تجعل الإمارة على مسار تحقيق هدف إستراتيجية السياحة ٢٠٣٠، التي تستهدف رفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي إلى عشرات المليارات من الدراهم، وتوفير مئات الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.
ولا يقتصر الأمر على السياحة؛ فأبوظبي تعزز أيضاً دورها كمركز مالي واستثماري من خلال مناطق مالية عالمية، ومبادرات لاستقطاب الشركات التقنية الناشئة والشركات متعددة الجنسيات، مع حوافز تشريعية وبنية تحتية رقمية متقدمة. وتتكامل هذه الديناميكية تتكامل مع نشاط قطاعات الطاقة التقليدية والمتجددة؛ فالإمارة تقود مشاريع ضخمة في الغاز والغاز المسال، إلى جانب استثمارات في الطاقة الشمسية والهيدروجين، ما يجعل مزيجها الاقتصادي أقرب إلى “مزيج طاقة متكامل” منه إلى اعتماد أحادي على النفط الخام. وتؤكد تصريحات رسمية حديثة عن خطط زيادة قدرات الغاز والغاز المسال خلال العقد المقبل أن أبو ظبي لا تنظر إلى الطاقة بوصفها مورداً مؤقتاً، بل بوصفها ركيزة تُدار بعقلية استثمارية طويلة الأمد تخدم مرحلة ما بعد النفط أيضاً.
وتعتبر السياسة النقدية والمالية المنسقة عنصر آخر مهم في هذه الطفرة؛ يستخدمها المصرف المركزي الإماراتي، المتصل آلياً بحركة الفائدة الأميركية، في خفض أو رفع الفائدة كأداة مدروسة لتحفيز الائتمان وضمان استقرار الأسعار. كذلك تسهم القرارات الأخيرة بتعديل الفائدة انسجاماً مع توجهات البنوك المركزية العالمية، في تقليل كلفة الاقتراض للسكن والسيارات والأنشطة الإنتاجية، ما ينعكس مباشرة في نشاط السوق العقارية، التي سجلت بدورها نمواً قوياً في المبيعات خلال ٢٠٢٥، وفي توسع الشركات الصغيرة والمتوسطة. فتمنح هذه المرونة في استخدام أدوات السياسة النقدية، إلى جانب فوائض مالية ناتجة عن إدارة حذرة للإنفاق العام، الاقتصاد الإماراتي قدرة على امتصاص الصدمات الخارجية أفضل من كثير من الاقتصادات المماثلة.
لا يعني هذا أن الطريق خالٍ من التحديات؛ فاقتصاد بهذا القدرمن الانفتاح على التجارة العالمية والاستثمار الأجنبي يبقى عرضة لتقلبات الطلب العالمي وأسعار الطاقة والتحولات الجيوسياسية. كما أن الحفاظ على زخم النمو غير النفطي يتطلب استمرار الاستثمار في التعليم، والمهارات، والتقنيات الجديدة، وبناء منظومة بحث وابتكار قادرة على إنتاج قيمة مضافة لا مجرد استيراد التكنولوجيا. لكن المؤشرات الحالية -من ارتفاع مساهمة القطاعات المعرفية والخدمية، إلى نمو التجارة غير النفطية والسياحة والاستثمار- توحي بأن دولة الإمارات العربية المتحدة وأبوظبي تحديداً تتحرك في الاتجاه الصحيح من حيث الاقتصاد المتنوع، والمرن، والمرتبط بعمق بشبكات التجارة والتمويل العالمية، والقادر على تحويل ثروات اليوم إلى بنية مستدامة لغدٍ مختلف.
بهذا المعنى، يمكن القول إن الاخبار الواردة مؤخرا عن الطفرة الاقتصادية في أبو ظبي ليست مجرد موجة احتفاء عابرة، بل هي عنوان لمسار طويل بدأ قبل سنوات ويتبلور الآن في أرقام نمو حقيقية وسياسات استثمارية مدروسة، تجعل من الدولة نموذجاً في المنطقة لكيفية الانتقال من اقتصاد ريعي تقليدي إلى اقتصاد متنوع متصل بالعالم، تضع العاصمة الاماراتية في قلب هذه التحولات كعاصمة تدير الثروة وتعيد تشكيل طريقة توظيفها لصالح أجيال مقبلة.




