سلام أوكرانيا بين الصواريخ والديون

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة
تتحرك العواصم الغربية في هذه المرحلة الحساسة من الحرب الأوكرانية على خطّين متوازيين؛ خط دبلوماسي يسعى إلى تثبيت «سلام عادل» يحافظ على قدر من التوازن بين كييف وموسكو، وخط عسكري ميداني لا يزال مشتعِلًا على جبهات الشرق والجنوب، حيث تتكثّف الهجمات، وتتراكم الخسائر، وتتغيّر موازين القوة تحت وقع الصواريخ والمسيّرات أكثر ممّا تتغيّر على طاولات التفاوض. وفي قلب هذه الصورة المعقّدة يبرز دور أوكرانيا نفسها، ممثَّلة بوزير خارجيتها “أندريه سيبيها”، الذي وجد نفسه منذ تولّيه الحقيبة أمام مهمة مضاعفة: الدفاع عن الموقف الأوكراني في وجه ضغوط السلام كما يدافع الجيش عن المدن في وجه القصف.
لا يتحدّث الوزير”سيبيها” عن السلام من موقع الضعف، بل من موقع من يعرف أن بلاده استنزفت عسكريًا واقتصاديًا، لكنها في الوقت نفسه ترفض أن تُصوَّر كعائق أمام أي تسوية. لذلك يكرّر في لقاءاته مع نظرائه الأوروبيين أن أوكرانيا “ستستخدم كل فرصة، حتى أصغرها، من أجل الوصول إلى سلام عادل”، مع التشديد على أن الطريق إلى هذا السلام يبدأ بوقف إطلاق نار فوري وغير مشروط، لا بمقايضة الهدنة بتنازلات إقليمية أو سياسية تمسّ سيادة الدولة ووحدة أراضيها. جاء هذا الخطاب الذي قدّمه سيبيها مؤخرًا أمام وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي، في لحظة تصاعد فيها الزخم الدبلوماسي بعد جولات من المشاورات في جنيف وعلى هامش قمم دولية متعددة، لكنه حمل أيضًا رسالة واضحة بأن “كييف” مستعدة للتهدئة، لكنها غير مستعدة لتقديم ما تعتبره أثمانًا استراتيجية دائمة في مقابل وقف مؤقت للقتال.
غير أن البعد السياسي لا ينفصل اليوم عن البعد المالي؛ فأوكرانيا التي تقاتل جيشًا أكبرمن جيشها وأفضل تجهيزًا تعيش في الوقت نفسه تحت ضغط فجوة تمويلية هائلة على مدى السنوات المقبلة، تجعلها معتمدة إلى حدّ بعيد على المساعدات الخارجية. وفي هذا السياق جاء نداء وزير الخارجية الأوكراني إلى الأوروبيين بضرورة الإسراع في إقرار ما بات يُعرف بـ”قرض الجبر” أو قرض التعويضات، وهو حزمة تمويل تصل إلى 140 مليار يورو، يُفترض أن تُضمَن أو يُستند فيها إلى الأصول الروسية السيادية المجمّدة داخل الاتحاد الأوروبي. و قد لخّص “سيبيها” المطلب بكلمات مباشرة حين قال إن من المهم لبلاده “الحصول على نتيجة إيجابية بشأن قرض التعويضات، أي الاستخدام الفعلي للأصول الروسية المجمّدة”، مؤكِّدًا في الوقت نفسه أن هذه الخطوة لا تنفصل عن حاجات الدفاع، لأن جزءًا من الأموال سيُوجَّه لشراء أسلحة أمريكية بتمويل أوروبي.
لكن هذه المعادلة التي تبدو منطقية من وجهة نظر كييف، تصطدم في بروكسل وبروكسل المالية على وجه الخصوص بحسابات أكثر تعقيدًا. فإدارة بنك “يوروكلير” البلجيكي، وهو الجهة التي تحتفظ بالجزء الأكبر من الأصول الروسية المجمّدة، خرجت عن صمتها عبر رسالة حذّرت فيها قيادة الاتحاد الأوروبي من أن استخدام هذه الأصول كضمان لقرض ضخم لأوكرانيا قد يُفْهَم عالميًا على أنه شكل من أشكال “المصادرة”، بما يضرب الثقة في أوروبا كمركز آمن لحفظ الأصول السيادية واحتياطيات البنوك المركزية، والذي سيؤدي بالتالي إلى رفع كلفة الديون على كل دول الاتحاد من خلال زيادة العوائد المطلوبة على السندات السيادية. و القضية بالنسبة إلى مؤسسات مثل «يوروكلير»، لا تتعلق بروسيا وحدها، بل بصورة النظام المالي الأوروبي كله في أعين المستثمرين والدول المالكة لاحتياطيات ضخمة.
ورغم هذا التحذير، لا تبدوالسياسية الأوروبية راغبة في التراجع عن فكرة استثمار الأصول الروسية المجمّدة كبيرة، خصوصًا مع إصرار رئيسة المفوضية الأوروبية “أورسولا فون دير لايين” على أن دافعي الضرائب الأوروبيين لا ينبغي أن يتحمّلوا وحدهم كلفة إعادة إعمار أوكرانيا، وأن من”المنطقي أن تُسهم الأموال الروسية، التي جُمّدت بسبب الحرب، في تعويض جزء من الدمار الذي تسببت به تلك الحرب. و بين هذا المنطق السياسي والاعتراضات القانونية والمالية، تتحرك النقاشات داخل الاتحاد بحثًا عن صيغة وسط: لا هي مصادرة كاملة تُخيف الأسواق، ولا هي تجميد دائم يترك كييف وحيدة أمام فجوة تمويلية هائلة. وفي هذه المساحة الرمادية تحديدًا يتحرك الدبلوماسيون الأوكرانيون بقيادة وزير خارجيتها “سيبيها”، محاولين دفع الأوروبيين خطوة إضافية إلى الأمام، مستفيدين من ضغط الزمن وكلفة الحرب على الجميع.
في موازاة ذلك، يتخذ الدور الأمريكي في هذا الملف طابعًا أكثر خشونة من المعتاد، خصوصًا بعد أن تحوّل وزير الجيش الأمريكي
“دانيال بي. دريسكول” إلى أحد أبرز الوجوه في مشهد المفاوضات الدائرة حول خطة السلام الأمريكية المقترحة من الرئيس “دونالد ترامب”. لم يكتفِ “دريسكول”، الذي يقود وفودًا عسكرية سياسية إلى كييف وجنيف وأبو ظبي، بطرح خطوط عامة لتسوية محتملة، بل قدّم لكثير من الدبلوماسيين الأوروبيين تقييمًا استخباراتيًا قاتمًا لموازين القوة: فروسيا، بحسب ما عرضه، باتت تنتج صواريخ كروز وصواريخ باليستية بمعدل يقترب من 3,000 صاروخ سنويًا، في وقت لا تستهلك فيه كل هذا الإنتاج على الجبهة الأوكرانية، ما يعني عمليًا أن لديها القدرة على تكوين مخزون متزايد من الصواريخ متوسطة وبعيدة المدى يمكن أن يتحول في لحظة ما إلى تهديد مباشر للعواصم الأوروبية نفسها.
و بالتالي استُخدم هذا التقدير، الذي نقلته وسائل إعلام غربية عن مصادر حضرت لقاءات مغلقة ل”دريسكول” مع دبلوماسيين أوروبيين، كجزء من حجّة أوسع لتسويق فكرة أن استمرار الحرب المفتوحة ليس في مصلحة الغرب، وأنه كلما طال أمد الصراع زادت قدرة روسيا على مراكمة قوة صاروخية لا يملك حلف شمال الأطلسي حتى الآن ردعًا كاملًا تجاهها. ومن هنا، يأتي الربط الذي يقدّمه البعض في واشنطن بين “تعجيل التسوية” وبين “منع روسيا من استكمال بناء مخزون هائل من الأسلحة القادرة على تغيير قواعد اللعبة” في السنوات المقبلة. لكن يرى خصوم هذه المقاربة أن استخدامها “فزّاعة الصواريخ” لتبرير فرض تنازلات على كييف يحمل خطر مكافأة العدوان، لكنه لا ينفي أن الأرقام الواردة من جبهات الإنتاج العسكري الروسي تثير قلقًا حقيقيًا في العواصم الغربية.
وفي خلفية هذا الجدل حول الصواريخ والديون والأصول المجمدة، يظل الميدان الأوكراني يفرض إيقاعه الخاص، بعيدًا عن لغة البيانات الهادئة. فمدينة باكروفسك في دونيتسك تحولت إلى رمز لحجم الضغط العسكري الروسي على الجبهة الشرقية؛ حيث تتحدث التقارير عن سعي متواصل للقوات الروسية إلى إحكام الطوق على المدينة، والتقدم داخل أحيائها، في إطار هجوم أوسع يهدف إلى السيطرة الكاملة على هذا العقدة اللوجستية المهمة. و تؤكد مصادر أوكرانية أن القوات المنتشرة في محور باكروفسك /ميرنوهراد تخوض معارك استنزاف يومية، وأن وحدات خاصة اضطرت في أكثر من مناسبة إلى تنفيذ عمليات معاكسة لفكّ حلقات تطويق وفتح ممرات لوحدات عالقة تحت القصف.
أما في الشمال الشرقي، فإن مدينة كوبينسك في منطقة خاركيف تقدّم مثالًا آخر على تداخل الميدان بالسياسة. فبينما تتحدث موسكو عن تحقيق تقدم كبير، بل والسيطرة الكاملة على المدينة في بعض الروايات، تؤكد كييف أن معارك ضارية لا تزال تدور في محيطها، وأن القوات الأوكرانية تُجلي المدنيين على دفعات من الأحياء المعرّضة مباشرة للنيران. وتحدّثت تقارير أوكرانية مصوّرة عن عمليات إجلاء لعائلات ظلت لأشهر على تماس مباشر مع خطوط القتال، قبل أن يدفع التصعيد الأخير الجيش إلى إخراجها قسرًا حفاظًا على حياتها. وفي الوقت ذاته، تظهر تقديرات غربية أن السيطرة الروسية على كوبينسك -إن ثبتت واستقرت- ستمنح موسكو نقطة ارتكاز إضافية للضغط على خطوط الإمداد الأوكرانية في الشرق.
ومن المفارقة اللافتة أن كل جولة تصعيد ميداني تتزامن تقريبًا مع جولة جديدة من الحديث عن “هدنة محتملة” أو “زخم دبلوماسي”على خط كييف/ واشنطن/العواصم الأوروبية/أبو ظبي أو جنيف، كأن الطرفين المتحاربين والوسطاء جميعًا يرسلون الرسالة نفسها بطرق مختلفة وهي أن “لا تفاوض جديًّا من دون أوراق ضغط على الطاولة، وأن هذه الأوراق لا تزال حتى الآن تُكتب بالنار والبارود”. ففي الأيام التي كانت فيها الوفود الأمريكية والأوكرانية والروسية تجتمع في جنيف وأبو ظبي، سجّل الأوكرانيون واحدة من أضخم موجات الهجمات المشتركة بالمسيّرات والصواريخ على البنى التحتية، وردّ الروس بدورهم بهجمات واسعة النطاق على كييف ومدن أخرى، في مشهد يعكس بوضوح كيف تحوّل “سلاح المسيّرات” إلى لغة تفاوض موازية.
ويجد الأوكراني العادي نفسه وسط هذا كله، أمام معادلة صعبة الفهم: إذ يسمع من سياسييه عن “سلام عادل” و”قرض تعويضات” و”أصول مجمدة” و”ضمانات أمنية” أقرب في لغتها إلى نقاشات غرف الاجتماعات الأوروبية، بينما يعيش يومه على وقع صفارات الإنذار وانقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار. ومع أن النخب في كييف تحاول تسويق فكرة أن استثمار الأصول الروسية في تمويل القرض الأوروبي -إن تم- سيكون نوعًا من “العدالة المالية”، حيث تُستخدم أموال الدولة المعتدية لتعويض جزء من أضرار ضحيتها، فإن قطاعات واسعة من المجتمع لا تزال تنظر بحذر إلى أي حديث عن تسوية، خشية أن ينتهي الأمر بترسيم لحدود جديدة تقتطع أجزاء من البلاد لصالح موسكو، تحت مسمى الواقعية السياسية.
وفي الجهة المقابلة من المشهد، لا يبدو العالم الغربي موحَّدًا تمامًا حول شكل النهاية المطلوبة للحرب، فهناك من يدفع باتجاه تسوية سريعة ولو على حساب بعض مطالب كييف، بحجة أن البديل هو حرب طويلة تستنزف الجميع وتسمح لروسيا بمراكمة مخزونات هائلة من الصواريخ والأسلحة، وهناك من يرى أن أي سلام يُفرَض على أوكرانيا من موقع الاختلال في موازين القوة، سيكون مجرد “هدنة مؤقتة” تؤجِّل الحرب ولا تنهيها. بين هذين الموقفين يتحرّك أندريه سيبيها، محاولًا أن يقنع حلفاءه بأن أوكرانيا ليست طرفًا يمكن الضغط عليه بلا حدود، وأن أي اتفاق لا يقدّم للأوكرانيين ضمانات أمنية حقيقية، ولا يحفظ لهم على الأقل حقهم في الدفاع عما تبقّى من أرضهم، لن يصمد طويلًا، حتى لو وُقِّع بأعلى مستويات التمثيل الدولي.
هكذا يبدو “سلام أوكرانيا” اليوم رهينة لعوامل متشابكة تتمثل في مخزون الصواريخ الروسية الذي يتضخّم، والقدرة الغربية على تحمّل أعباء دعم كييف ماليًا وعسكريًا، واستعداد الرأي العام الأوكراني لقبول تسوية تتوقف عند خطوط معينة ولا تستعيد كل الأراضي المحتلة، فضلًا عن حسابات داخلية في العواصم الأوروبية والأمريكية تضع الانتخابات المقبلة وأسعار الفائدة وميزانيات الدفاع في ميزان واحد. وبين كل هذه العوامل، يبقى السؤال الأهم مفتوحًا بدون إجابة وهو: هل ستنجح الضغوط الدبلوماسية والمالية في فرض لحظة “تعب جماعي” تدفع الجميع إلى الطاولة، أم أن الصواريخ -لا العناوين الهادئة عن القروض والسلام- هي التي ستواصل رسم خرائط أوكرانيا في المستقبل المنظور؟




