ميثاق الغد: واشنطن والرياض يعيدان هندسة الاستقرار والازدهار

ولي العهد السعودي والرئيس الأمريكي- الشرق
نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة
اختُتمت الزيارةُ التاريخيةُ التي بدأت في واشنطن من قبل ولي العهد السعودي “الأمير محمد بن سلمان” وامتدت ليومين بإنجازاتٍ متبادَلةٍ رسّخت قيادةَ الولايات المتحدة ممثَّلةً بالرئيس “دونالد ترامب”، وأظهرت المملكةَ العربيةَ السعودية ممثَّلةً بوليّ عهدها الأمير “محمد بن سلمان” شريكًا موثوقًا يصنع الاستقرار والازدهار معًا.
أثبتت الزيارةُ متانةَ العلاقة الشخصية بين الرئيس “ترامب” ووليّ العهد الأمير “محمد بن سلمان”، فأعادت رسمَ الثقة على أعلى مستوى، وربطت القرار السياسي المباشر بمصالح شعبي البلدين و شعوب بلدان الشرق الأوسط، وأكدت أن الشراكة ليست مجاملةً بروتوكوليةً، بل مشروعُ عملٍ ممتدّ يتجاوز لحظة الصورة إلى نتائجٍ قابلةٍ للقياس.
رسّخت الاجتماعاتُ الثنائيةُ والوفودُ الوزاريةُ أسسَ تعاونٍ أوسع، فأُقِرّت “اتفاقيةُ شراكةٍ استثماريةٍ طويلةِ الأجل” تُعطي الأولويةَ للمشروعات المشتركة في الطاقة والبنية التحتية والتقنيات المتقدمة، وأُبرمت “مذكرةُ تفاهمٍ للتعاونِ الدفاعيِّ والتدريبِ وتبادلِ المعلومات”، وأُعلن “برنامجٌ مشتركٌ لأمنِ الممرّاتِ البحريةِ وسلاسلِ الإمداد”، لتنتقل العلاقة من إدارةِ ملفاتٍ متفرّقةٍ إلى هندسةِ منظومةٍ مُتكاملة.
أما اللجانُ الاقتصاديةُ المشتركةُ، فقد حوّلت الزخمَ السياسيَّ إلى مسارات تمويلٍ واضحة، فأطلقت “حزمةُ استثماراتٍ سعوديةٍ داخل الولايات المتحدة” تُوزَّع على سنواتٍ متعاقبةٍ في مشاريعَ للطاقةِ التقليديةِ والطاقةِ النظيفةِ والبتروكيماوياتِ والتصنيعِ المتقدمِ إضافة الى الحوسبةِ المتقدمة، وربطت هذه الاستثماراتُ بعقودِ مشترياتٍ وتقنياتٍ أميركيةٍ تُعيدُ تنشيطَ المصانعِ وتُعزِّزُ الصادرات. ومما لا شك فيه ان هذه الاتفاقياتُ ستنتج فرصَ عملٍ واسعةً للأميركيين، كما وستتيح برامجُ التوطينِ الصناعيِّ واللوجستيِّ وظائفَ مباشرةً وغيرَ مباشرةٍ تُوزَّع على ولاياتٍ متعدّدة، وستربط التعليمَ المهنيَّ بالاحتياجاتِ الفعليةِ للمصانعِ ومراكزِ الخدمات، فتقترب النتائجُ من العائلاتِ والبلداتِ الصغيرةِ بدل أن تبقى في نطاقِ المراكزِ الكبرى.
وعن المملكةُ، فقد عزّزت مكاسبَها التنمويةَ عبر”اتفاقيةِ نقلِ المعرفةِ وبناءِ القدرات”، اذ ستفتح الجامعاتُ والمراكزُ البحثيةُ في البلدين أبوابَ برامجٍ مشتركةٍ للتدريبِ والتبادلِ الأكاديميِّ والابتكار، وستربط حاضناتُ الأعمالِ بروّادٍ وشركاتٍ ناشئةٍ ستُحوِّلُ الأبحاثَ إلى منتجاتٍ وأسواق، مما ينتج عنه ارتفاع مردودُ رأس المالِ البشريِّ وتوسيع قاعدةُ الفرصِ للشباب.
تم توقيع اتفاقيات دفاعية ستثبّت “إطارَ الشراكةِ الأمنيةِ الموسّعة”، وحدّدت مساراتٍ للتدريبِ المشتركِ وترفعِ الجاهزيةِ وتبادلِ المعلوماتِ النوعية، وستطلق تمارين موسمية تُحاكي التهديداتِ المركّبة، الى جانب إقرار الترتيبات لحمايةِ الممرّاتِ البحريةِ وخطوطِ الطاقة، فتراجع بذلك مساحةُ المخاطرِ غيرِ المحسوبة، لتزداد ثقةُ الأسواقِ والمستثمرين.
وقد أحسن الرئيسُ “دونالد ترامب” توظيفَ اللحظةِ الإقليمية، فقاد إدارةَ الحدثِ بعقلٍ استراتيجيٍّ يزاوجُ الاقتصادَ بالدفاع، واعتمد “سياسةَ الانخراطِ الحازم” مع حليفٍ قادرٍ على الإنجاز، مما سيسدّد ضربةً ذكيةً لمحاولاتِ التمدّدِ الآسيويِّ في المنطقة، ويخفّف اعتمادَ شركاءِ الشرقِ الأوسط على بدائلَ لا تُراعي قواعدَ الشفافيةِ أو أمنَ البياناتِ وسلاسلِ الإمداد.
أظهرت المملكةُ العربيةُ السعودية بقيادةِ وليّ عهدها الأمير “محمد بن سلمان قدرةً تنفيذيةً عالية، فانتقلت من التعهّدِ إلى الجدولةِ والتسليم، وربطت الاستثماراتِ الخارجيةَ بأهدافِ التنويعِ المحليِّ وزيادةِ المحتوى الوطنيِّ ونقلِ التقنية، وأكدت أن الشراكةَ مع واشنطن خيارٌ إستراتيجيٌّ طويلُ الأمد يرسخ تفاهمات واتفاقيات العقودِ الماضية ويردمُ الفجواتِ ويصنعُ فرصًا أكثر عدلًا واتساعًا.
شملت الزيارة توقيع “اتفاقيةُ الطاقةِ النظيفةِ وكفاءةِ الاستخدام”، التي ستوسّع نطاقَ العملِ المشترك، وتدخل مشاريعَ للهيدروجينِ والحلولِ الكربونيةِ والتقاطِ الانبعاثات، كما وستربط ذلك بتحديثِ الشبكاتِ وكفاءةِ الاستهلاك، ليحقق خفض الانبعاثاتِ مكسبًا اقتصاديًّا وصناعيًّا في آنٍ واحدٍ بدل أن يبقى عبئًا تنظيميًّا.
ستفعّل “خريطةُ البنيةِ التحتيةِ العابرةِ للحدود” المتفق عليها شراكاتٍ في الموانئِ والمطاراتِ والسككِ الحديديةِ والمناطقِ اللوجستية، وستربط المشاريعَ بمستهدفاتِ التجارةِ الإلكترونيةِ والتوزيعِ الذكيّ، فتختصرأزمنة الشحنِ وتخُفِّض كُلفتُه، وترتفع موثوقيةُ السلاسلِ من المورّدِ إلى المستهلك، وتتدفّق بذلك منافعُ الكفاءةِ على الطرفين.
تم الاتفاق على إطلاق “مبادرةُ البحثِ والتطويرِ في التقنياتِ المتقدمة” عبر منصّاتٍ مشتركةً في الذكاءِ الاصطناعيِّ والأمنِ السيبرانيِّ والتصنيعِ الرقميّ، الى جانب ربط المختبراتِ بالشركاتِ الصناعيةِ والخدمية، للانتقال الى الابتكار من الورقِ إلى خطوطِ الإنتاج، وتحويل النتائجُ إلى منتجاتٍ وخدماتٍ قابلةٍ للتسويقِ في البلدين وفي أسواقٍ ثالثة.
كما تم التفاهم على تفعيل مسارات “اتفاقيةُ التمكينِ للشركاتِ الصغيرةِ والمتوسطة” للدخولِ إلى سلاسلِ القيمة مما يفتح منافساتٌ عادلةٌ وشفافة، ويضع معاييرأداءٍ واضحة لإتاحة حوافزُ تمويلٍ وتأمينٍ ومرافقةٍ فنية، لتتجاوز الفائدة الشركاتِ الكبرى وتشمل قاعدة اقتصاد حقيقيّ وتُخلقُ بذلك الوظائفُ وتُصنعُ القيمةُ المحلية.
شملت الاتفاقيات المقرة بين البلدين أيضا، “مذكرةُ حمايةِ البياناتِ والتعاونِ الرقميّ” لإقرار مبادئ للحوكمةِ والخصوصيةِ والابتكارِ المسؤول، وتحديد قنواتٍ للاستجابةِ للأحداثِ السيبرانيةِ العابرةِ للحدود ما يسهم في تخفيض احتمالاتِ الانقطاعِ والإكراهِ الرقميّ، والمساهمة في تأمين استمراريةَ الأعمالِ للمصارفِ، والصناعةِ، والطاقةِ، والنقل.
المتأمل لما حدث خلال هذه الفعالية يتأكد من أن الرسائلُ المشتركة الصادرة عن هذه الزيارة تطمئن بلا شك، الرأيَ العامَّ في البلدين بأن ثمار هذه اللقاء التاريخي لولي العهد السعودي و لقائه بالرئيس الأمريكي والاتفاقيات الموقعة بين البلدين واصلة بمعناها الحقيقي لا محالة إلى الناس، اذ التزمت الجهاتُ المعنيةُ ببرامجِ تدريبٍ مهنيٍّ ومنحٍ أكاديميةٍ وتبادلاتٍ إعلاميةٍ وثقافية، واذا ربطت هذه الجهات قصصَ النجاحِ الفرديةِ بمنصّاتِ تمويلٍ ومساراتِ توظيفٍ تكافئُ الجهدَ والمهارةَ لا الوساطةَ أو المصادفة.
وهو ما سيعزز بنتائجه موقعَ الولاياتِ المتحدةِ في قيادةِ عالمٍ أكثر سلمًا، ويثبت أن الجمعَ بين القوةِ والقدرةِ والقدوةِ هو السبيلُ الأنجعُ لاستقرارِ الإقليم، ويظهر بما لا شك فيه أن الحزبَ الجمهوريَّ حين يدفعُ بسياساتِ السوقِ والانفتاحِ المسؤولِ يخلقُ رخاءً داخليًّا ويُقوّي تحالفاتِ الخارج.
وقد رفعت المملكةُ العربيةُ السعودية رصيدَها كركيزةِ استقرارٍ إقليميّ، فأكدت أن الطموحَ حين يُدارُ بالانضباطِ والشفافيةِ يُنتجُ تنميةً مُستدامة، وأن الاستثمارَ الذكيَّ في الطاقةِ والتقنيةِ والتعليمِ واللوجستياتِ سيعيدُ توزيعَ الفرصِ على المدنِ والقرى، ويزيدُ المناعةَ الاقتصاديةَ أمام الصدمات.
وأغلقت هذه الزيارة سلسلةَ فجوات منها: فجوةُ الثقةِ بين الخطابِ والإنجاز، وفجوةُ الزمنِ بين القرارِ والتنفيذ، الى جانب فجوة السردِ بين الضجيجِ والحقيقة؛ وفتحت بدلَها جسورًا عمليةً تُقسّمُ الأعباءَ وتُوزّعُ العوائدَ وتضبطُ الجداولَ الزمنية، فصار الطريقُ إلى النتائجِ أوضحَ من أيِّ وقتٍ مضى.
وقد اختتمت الوفودُ أعمالَها وهي تحملُ “خريطةَ طريقٍ تنفيذية” تتضمنُ لجانَ متابعةٍ ومؤشراتِ أداءٍ ومراجعاتٍ دورية، وتركت خلفَها قناعةً راسخةً بأن ما وُقّع في الأمسِ القريب سيكبرُ أثرُه في الغدِ القريب، وبأن التحالفَ الأميركيَّ السعوديَّ خرج أصلبَ عودًا وأوضحَ مسارًا لأنه استندَ إلى إرادةٍ سياسيةٍ واضحةٍ من الرئيس “دونالد ترامب” وإدارةٍ تنفيذيةٍ حاسمةٍ من وليّ العهد السعودي الأمير “محمد بن سلمان”، ولأنه انحاز بقوةٍ لمصلحةِ الشعبين… حيث تُقاسُ السياسةُ بما تُنجِزه للناس لا بما يُقالُ عنها.




