حضرموت تعيد ترتيب الميدان وعدن تختبر مفاتيح الشرعية

FYE – HN-

 

نيويورك – زينة بلقاسم – عين اليمن الحر

يشهد الوضع في اليمن تطورات متسارعة بين نهاية ٢٠٢٥ و بداية ٢٠٢٦، حيث وجدت البلاد نفسها أمام فصلٍ داخليّ يتقدم على كل العناوين الأخرى: صراعٌ داخل المعسكر الواحد بين الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا والمجلس الانتقالي الجنوبي، لا بوصفه سجالًا سياسيًا فقط، بل بوصفه معركة على “من يملك الأرض” و“من يملك مفاصل الحركة” و“من يملك تعريف الشرعية” في الجنوب والشرق. فبعد أن اعتبرت الحكومة خطوات المجلس انقلابًا على الشراكة وتهديدًا لمفهوم الدولة، جاءت الوقائع على الأرض لتقول إن الخلاف لم يعد يُدار بالبيانات وحدها، بل عبر معسكرات تُسحب من يدٍ لتُسلَّم لأخرى، ومطارٍ يتعطل ليصبح مرآة للقرار السياسي، وطرقٍ تُفتح أو تُغلق فتتحول إلى لغة سيادة يومية.

لم يبدأ التصعيد من فراغ، فبحسب تغطيات صحفية إقليمية ودولية، و بعد نهاية سنة تخللها عدم تفاهم بين القوى التي كانت حلفاء الامس و قصف شحنة اسلحة و صلت للمجلس الجنوبي المتهم بالانقلاب على الشرعية، حمل اليومان السابقان من السنة الجديدة ٢٠٢٦، مؤشرات واضحة إلى أن الجنوب يتجه إلى لحظة كسر توازن. فقد نقل موقع “المونيتور” في سياق استنادٍ إلى رواية وكالة رويترز أن حركة الطيران في مطار عدن توقفت في الأول من يناير وسط توتر متصاعد بين الحكومة والمجلس، وأن قرارات متعلقة بتنظيم الرحلات عمّقت الاحتقان ودفعت الأزمة من السياسة إلى الخدمات. وفي اليوم التالي، تحدثت الجزيرة عن توقف الرحلات من مطار عدن على خلفية استمرار التوتر نفسه، بما جعل المطار، قبل أن تشتعل الجبهات الأكبر، عنوانًا مبكرًا على هشاشة الإدارة حين تتداخل سلطات الأمر الواقع مع وظائف الدولة.

وفي الثاني من يناير أيضًا، برز عاملٌ سياسي رفع السقف قبل أن يتبعه الميدان: فبحسب ذات المصدر، أعلن المجلس الانتقالي عن مسار “مرحلة انتقالية” تمتد لعامين، تتوج باستفتاء حول تقرير المصير في الجنوب، في خطوةٍ قرأتها الحكومة اليمنية بوصفها خروجًا عن إطار الشراكة ومحاولة لفرض تصور سياسي جديد على واقع شديد التعقيد. وفي تغطية موازية، أشار موقع “إن بي آر” الأمريكي إلى إعلان المجلس وثيقة دستورية وتصعيد الخطاب باتجاه الاستقلال، وهو ما زاد حساسية التوقيت لأن البلاد تعيش حربًا مفتوحة أصلًا وتوازنات داخلية لا تتحمل قفزات أحادية.

على هذه الخلفية جاء الثالث من يناير بوصفه يوم التحول الميداني الأوضح في الشرق. فبحسب وكالة أسوشيتد برس، استعادت القوات الموالية للحكومة السيطرة على مدينة المكلا عاصمة حضرموت بعد أيام من غارات جوية استهدفت مواقع للمجلس الانتقالي في محيط المدينة. وذكرت الوكالة أن سكانًا تحدثوا عن انسحاب قوات المجلس من معسكرات ومواقع عسكرية، وأن لقطات مصورة أظهرت قوات “درع الوطن” وهي تجوب شوارع المكلا وسط تفاعل و ترحيب من الأهالي هناك، مع ظهورٍ لتمركزات قرب مطار الريان. لم يُقرأ هذا التطور كمجرد تبدلٍ في مدينة، بل كإعادة إمساك بورقة حضرموت: فالمحافظة تُعد عقدة نفط ومرافئ وخطوط إمداد، و تمنح من يسيطر عليها وزنًا يتجاوز حدودها المحلية.

وفي السياق نفسه، كانت الأيام المحيطة بالثالث من يناير مشحونة بضربات جوية مكثفة، شهد خلالها محيط المكلا ضربات عديدة خلال فترة قصيرة استهدفت مواقع للمجلس، في مؤشر إلى أن الرسائل لم تكن رمزية، بل كانت تهدف إلى تغيير ميزان السيطرة على الأرض بسرعة، وإجبار الطرف الآخر على الانكفاء عن مواقع اكتسبها في فترة وجيزة. وبهذا، بدا أن الشرق تحوّل إلى مسرح اختبار: في ارادة واضحة من الحكومة لمنع تثبيت أمر واقع جديد من المجلس الانتقالي الذي يحاول جاهدا أن يحتفظ بما تمدد إليه تحت ضغط القوة.

لكن ما حدث في حضرموت لم يبقَ محصورًا هناك، لأن عدن كانت في الوقت ذاته تختبر مستوى آخر من الصراع يمكن تسميته بصراع “المفاتيح” لا “الخرائط”. فاليوم الموافق للرابع من يناير، نقلت وكالة رويترز أن الحكومة اليمنية اتهمت المجلس الانتقالي بفرض قيود على الوصول إلى عدن واحتجاز مواطنين، وأن سكانًا تحدثوا عن نقاط تفتيش تابعة للمجلس قرب المدينة. كما نقلت نفي المجلس لهذه الاتهامات وقال إن الأوضاع مستقرة. و هنا لا يقف الاتهام والنفي عند حدود السياسة؛ فحين تصبح مداخل مدينة الحكومة محل نزاع، يتحول مفهوم الشرعية من نص دستوري إلى قدرة عملية على إدارة الطريق، وتأمين حركة الناس، وحماية مؤسسات الدولة من الاختناق و هو ما نجحت في ابرازه القوة الشرعية المعترف بها دوليا منذ بداية عمليتها.

وقد ربطت رويترز في اليوم نفسه هذا التوتر بتداعيات مباشرة على الحياة اليومية، إذ أشارت إلى إغلاقٍ مؤقت لمطار عدن وتحويل رحلات، مع تبادل الطرفين الاتهامات بشأن المسؤولية عن التعطيل. وفي الخلفية، ظهرت تحذيرات أمنية من تدهور محتمل، ما يعكس كيف يمكن لصراعٍ داخلي بين حلفاء الأمس أن يتحول بسرعة إلى عامل شللٍ في الخدمات والبنية الإدارية، حتى من دون اندلاع مواجهة شاملة داخل المدينة.

سياسيًا و الى حد اليوم و كتابة هذا التقرير، تحاول الأطراف أن تُبقي نافذةً مفتوحة رغم التصعيد. إذ، طلبت الحكومة استضافة محادثات لتهدئة الخلاف، وأشارت إلى أنها قد تواصل التقدم باتجاه عدن إذا استمرت القيود، فيما أبدى المجلس موقفًا إيجابيًا أوليًا تجاه فكرة الحوار، في صيغة توحي بأن الطرفين يدركان حدود الحسم السريع وكلفة الانزلاق إلى صدامٍ واسع. غير أن المعضلة، كما تكشفها الوقائع، أن كل طرف يريد الحوار من موقع الأقوى، وأن السيطرة على المدن والمطارات والطرق صارت في ذاتها “لغة تفاوض” تسبق أي اتفاق مكتوب.

تبدو الصورة حتى هذا التاريخ كتسلسل مترابط: توقفٌ لحركة الطيران في مطار عدن مع بداية يناير كإشارة مبكرة على انتقال الخلاف إلى الخدمات، ثم تصعيد سياسي في الثاني من يناير عبر إعلان المجلس مسارًا باتجاه تقرير المصير، ثم تحوّل ميداني في الثالث من يناير باستعادة المكلا وما رافقها من انسحابات من مواقع ومعسكرات، ثم انتقال التوتر في الرابع من يناير إلى عدن عبر اتهامات تتعلق بالقيود ونقاط التفتيش، مع استمرار أثر الأزمة على المطار والحركة. وبين هذه المحطات، يظهر أن الصراع لم يعد سؤالًا عن تقاسم نفوذ، بل سؤالًا عن شكل الدولة ذاتها: هل تظل سلطة واحدة داخل الجنوب والشرق، أم تتكرس سلطات متوازية تتنازع مفاصل القرار قطعةً قطعة؟

ويتحول التساؤل ليس الى من استعاد مدينة، أو من شدد نقطة تفتيش، بل الى ما الضمانات التي تمنع اليمن من الدخول في حرب داخل الحرب، حيث يتحول الانقسام داخل المعسكر الواحد إلى عبء مضاعف على بلدٍ أنهكته سنوات طويلة، وحيث يصبح تثبيت الاستقرار مرهونًا بقدرة السياسة على اللحاق بالميدان قبل أن يفرض الميدان خريطته النهائية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى