النفوذ الوقائي يعيد تعريف الأمن القومي… وأوكرانيا تدفع ثمن “شروط السلام” على ضوء الشموع

Zina Belkacem

نيويورك – زينة بلقاسم – الأمم المتحدة

مع اقتراب نهاية يناير، بات المشهد الأوكراني يتحرك على إيقاعٍ مزدوج: تصعيدٌ ميداني يقطع الكهرباء والتدفئة في قلب الشتاء، ومسار تفاوضي يُقال إنه قريب لكنه يتعثر عند سؤالٍ واحد: من يتنازل أولًا… وعلى أي خريطة؟ في كييف، أعلنت السلطات تعطّل الكهرباء والتدفئة والمياه في أجزاء من العاصمة بعد هجمات روسية جديدة، ونقلت رويترز أن الانقطاع طال آلاف المباني، في إشارة إلى أن استهداف البنية التحتية للطاقة عاد بقوة إلى الواجهة كأداة ضغط مباشرة على المجتمع والدولة معًا. 

وفي المقابل، لم تعد ضربات الطاقة حكرًا على اتجاه واحد. حيث أفادت تقارير حديثة بأن ضربات أوكرانية بالطائرات المسيّرة ألحقت أضرارًا بشبكات طاقة في مناطق خاضعة للسيطرة الروسية في جنوب أوكرانيا، ما أدى لانقطاع الكهرباء عن مئات الآلاف، وهو ما يكرّس واقع الضربة مقابل الضربة ويجعل ملف الطاقة ساحة حرب قائمة بذاتها لا مجرد نتيجة جانبية للقتال. 

وسط هذا التصعيد، تتقدم المفاوضات خطوة وتتراجع خطوتين. تنقل المصادر إعلامية أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قال إن المفاوضات بين موسكو وكييف في مراحلها النهائية، كإظهار أن واشنطن تملك خيط الحل وأنه ليس بعيدًا. لكن المشكلة أن قرب الحل في التصريحات يصطدم بشروطٍ على الأرض، أهمها إصرار كييف، بدعم أوروبي، على عدم التنازل عن الأراضي، مقابل تمسك موسكو بمنطق تثبيت ما تعتبره مكاسب ميدانية وسياسية. 

هنا تظهر العقدة الأخطر: من يضمن ما بعد الهدنة؟ أوروبا تُلمّح إلى صيغ حضور أو ترتيبات أمنية، بينما روسيا رفعت سقف التحذير: أي قوات غربية تُرسل إلى أوكرانيا ستعتبر أهدافًا قتالية مشروعة. هذا الموقف نُقل بصيغة واضحة في تقارير منسوبة إلى مصادر إعلامية مثل رويترز، وجاء بعد نقاشات غربية حول ترتيبات ما بعد وقف إطلاق النار، ما يعني أن موسكو لا تفاوض فقط على حدود… بل على من يحق له أن يقف على الأرض الأوكرانية بعد توقف النار. 

ثم جاء منتدى دافوس ليضيف طبقة سياسية حادة فوق الملف العسكري. بدل أن يبقى دافوس منصة اقتصاد، تحوّل إلى مرآة خلافات داخل المعسكر الغربي نفسه: من لغة الضغط التجاري إلى التشكيك في مسارات التحالفات، وصولًا إلى رسائل مباشرة حول الأعباء والالتزامات. تغطيات إعلامية تحدثت عن خطاب أميركي صدامي في دافوس تضمن تشكيكًا عمليًا في معادلات الدفع مقابل الحماية، وهو ما ينعكس تلقائيًا على ملف أوكرانيا لأن أوروبا هي الطرف الأكثر قلقًا من حرب استنزاف طويلة. 

السؤال الذي يفرض نفسه الآن داخل العواصم الأوروبية ليس فقط: كيف نُبقي أوكرانيا صامدة؟ بل: كيف نتصرف إذا خفّ دعم واشنطن أو تغيّر إيقاعه؟ جزء من الإجابة بدأ يظهر في شكلين:، تشديد الخطاب الأوروبي حول عدم مقايضة الأرض بالسلام، ومحاولة بناء قدرة ردع أوروبية أكبر، ليس بالضرورة لاستبدال الولايات المتحدة فورًا، بل لتقليل الاعتماد عليها في لحظة تفاوضية قد تطلب تنازلات لا تريد أوروبا توقيعها نيابة عن كييف. لكن روسيا، في المقابل، تراهن على عامل الوقت والانقسام: كلما طال الشتاء بلا كهرباء، وكلما ارتفعت كلفة الحرب سياسيًا داخل الديمقراطيات، و زادت فرص فرض السلام المشروط. 

إذًا الأزمة لم تعد مجرد خطوط تماس في دونيتسك ولوغانسك، بل صراع على معنى الأمن في أوروبا: هل هو أمن قائم على تحالف أطلسي تقوده واشنطن؟ ، أم أمن أوروبي يحاول أن يقف على قدميه تحت الضغط؟ وبين الميدان الذي يطفئ المدن، وطاولة تفاوض تتشاجر على الخرائط والضمانات، تظل الحقيقة القاسية واحدة: كل يوم تتأخر فيه صيغة متوازنة، تتحول الكهرباء من خدمة… إلى سلاح، ويتحول السلام من هدف… إلى اختبار نفوذ بين الحلفاء قبل الخصوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى