الكويت في قلب مثلث توتر مع العراق وإيران

 

نيويورك – زينة بلقاسم

لم يكن إيداع العراق خرائط بحرية جديدة لدى الأمم المتحدة حدثاً تقنياً عابراً، بل الشرارة التي أعادت أزمة الحدود البحرية إلى واجهة المشهد الخليجي. الخطوة العراقية، التي وصفتها بغداد بأنها ممارسة سيادية تستند إلى قوانينها الوطنية واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، فُسّرت في الكويت على أنها مساس مباشر بمناطق بحرية ومرتفعات مائية تقع ضمن سيادتها الثابتة، وفي مقدمتها منطقتا فشت العيج وفشت القيد في شمال الخليج العربي.

الكويت تحركت سريعاً، فاستدعت القائم بالأعمال العراقي وسلمته مذكرة احتجاج رسمية، مؤكدة أن الإحداثيات المودعة تضمنت مناطق لم تكن محل نزاع أصلاً، وأن أي محاولة لإعادة تعريفها تمثل تجاوزاً لمرجعيات قانونية دولية قائمة. هذا الرد لم يكن انفعالاً سياسياً بقدر ما كان استناداً إلى أساس قانوني راسخ يعود إلى قرار مجلس الأمن رقم 833 الصادر عام 1993، والذي ثبت ترسيم الحدود البرية والبحرية بين العراق والكويت، واعتبر نتائج لجنة الترسيم نهائية وملزمة للطرفين.

هنا يتضح أن جوهر الأزمة ليس في “رسم خط” جديد، بل في إعادة فتح ملف حُسم دولياً قبل ثلاثة عقود. فقرار 833 جاء في سياق ما بعد الغزو العراقي للكويت، ومنح الترسيم غطاءً أممياً يجعل أي تعديل أحادي الجانب خطوة عالية الكلفة سياسياً وقانونياً. ومن هذا المنطلق، ترى الكويت أن إيداع خرائط جديدة لا يمكن أن ينتج أثراً قانونياً إذا كان يمس حدوداً مثبتة بقرار أممي ملزم.

لكن لفهم التوتر الحالي لا بد من العودة خطوة إلى الوراء، إلى خور عبد الله، الممر الملاحي الحيوي الذي شكل لعقود نقطة حساسة في العلاقة بين البلدين. ففي عام 2012 وقع العراق والكويت اتفاقية لتنظيم الملاحة في الخور، في محاولة لإدارة الاستخدام المشترك للممر البحري بعيداً عن التوتر السياسي. غير أن الاتفاق تعرض لاحقاً للطعن داخل العراق، وانتهى الأمر بإبطال المحكمة الاتحادية العراقية له عام 2023، ما أعاد فتح النقاش الداخلي العراقي حول السيادة والحدود البحرية. ومنذ تلك اللحظة، أصبح كل تحرك يتعلق بالإحداثيات أو العلامات البحرية يحمل بعداً سياسياً يتجاوز البعد الفني.

اللافت في الجولة الحالية من التوتر أن الكويت لم تبقَ وحدها في المواجهة الدبلوماسية، إذ صدرت مواقف دعم خليجية واضحة، خاصة من السعودية التي أشارت إلى أن بعض الإحداثيات قد تمس أيضاً منطقة كويتية–سعودية مشتركة. هذا الاصطفاف يعكس إدراكاً بأن المسألة لا تتعلق فقط بحدود ثنائية، بل بتوازنات بحرية أوسع في شمال الخليج.

غير أن التعقيد الاستراتيجي لا يتوقف عند الجبهة العراقية. فالكويت تجد نفسها أيضاً أمام خلاف بحري مع إيران بشأن حقل الدرة للغاز – الذي تسميه طهران “آرش”. الحقل يقع في المنطقة المقسومة بين الكويت والسعودية، وقد وقعت الدولتان اتفاق تطوير مشترك عام 2022، مؤكدتين أن الحقل يقع بالكامل ضمن حدودهما البحرية المشتركة. إيران، من جهتها، تعتبر أن للحقل امتداداً داخل مياهها، ما يفتح نزاعاً موازياً حول السيادة وحقوق الاستغلال.

بهذا المعنى، تبدو الكويت اليوم في قلب مثلث جيوسياسي حساس: شمالاً مع العراق حول الخرائط والإحداثيات، وشرقاً مع إيران حول موارد الطاقة، وكل ذلك في مساحة بحرية ضيقة لكنها استراتيجية اقتصادياً وأمنياً. لذلك فإن رد الفعل الكويتي الصارم على الخطوة العراقية لا يُقرأ فقط في سياق ثنائي، بل في سياق حماية سابقة قانونية قد تُستخدم في ملفات أخرى.

السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: إلى أين تتجه الأزمة؟ الاحتمال الأقرب هو إدارة التوتر عبر قنوات قانونية ودبلوماسية، من خلال تبادل المذكرات لدى الأمم المتحدة وتشكيل لجان فنية مشتركة، بما يسمح بخفض التصعيد دون التراجع عن المواقف المعلنة. أما سيناريو التصعيد، فيعني تدويل أوسع للملف وربطه بمشاريع الموانئ والطاقة والملاحة في شمال الخليج، وهو مسار لا يخدم استقرار المنطقة.

في المحصلة، ما فجرته “خريطة” ليس مجرد خلاف إحداثيات، بل اختبار جديد لصلابة النظام القانوني الذي يحكم الحدود في الخليج. والكويت، وهي تستند إلى قرار أممي واضح وإلى دعم إقليمي، تتحرك من موقع تعتبره دفاعاً عن سيادة مثبتة، لا عن مطالب جديدة. وبين الخرائط والحقول والممرات المائية، يبقى شمال الخليج مساحة صغيرة في الجغرافيا، لكنه كبير في الحسابات الاستراتيجية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى