العراق بين فيتو الخارج وانكسار الداخل

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة
ورد في تغطيات إعلامية أميركية حديثة أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وجّه تحذيراً صريحاً لبغداد من إعادة تكليف نوري المالكي برئاسة الحكومة، ملوّحاً بوقف أي دعم أميركي في حال عودته إلى المنصب. لم يكن هذا التحذير، بحسب محللين في الشأن الأميركي، موجهاً لشخص المالكي بقدر ما كان رسالة سياسية واضحة حول نموذج الحكم الذي ترفضه واشنطن في العراق، نموذج ارتبط في ذاكرتها بسنوات الفوضى والفساد وتغوّل النفوذ الإيراني وانهيار فرص بناء دولة مستقرة.
وحسب مقالات تحليلية في مراكز أبحاث غربية، ترى الإدارة الأميركية أن تجربة المالكي مثّلت ذروة انتقال العراق من مسار بناء الدولة بعد تغيير النظام سنة ٢٠٠٣ إلى مسار الدولة الحزبية المغلقة، حيث جرى تسييس المؤسسات، وتهميش الشراكات الوطنية، وفتح المجال واسعاً أمام تمدد قوى إقليمية داخل مفاصل القرار العراقي. من هنا، لم يكن التحذير الأميركي سوى تعبير عن قناعة متراكمة بأن عودة هذه المرحلة تعني عملياً إعادة إنتاج الأزمة لا معالجتها.
وقد تناولت دراسات تاريخية متعددة أن ما جرى في العراق بعد سقوط النظام السابق في ٢٠٠٣ لم يكن مجرد تغيير سياسي، بل كان انهياراً كاملاً لبنية الدولة الصلبة التي تشكلت عبر عقود. فقد حلّ الجيش، و تفككت الأجهزة، وفتح المجال السياسي دفعة واحدة أمام عشرات الأحزاب والتيارات، كثير منها كان مقموعاً أو منفياً، وهو ما خلق فراغاً سيادياً هائلاً. هذا الفراغ لم تملأه الدولة الجديدة، بل ملأته الولاءات الحزبية والهويات الفرعية، وتحول الصراع من مشروع وطني جامع إلى سباق محموم على السيطرة على موارد الدولة.
وحسب مقالات تحليلية عن السياسة الإقليمية، فإن إيران كانت أكثر الأطراف استعداداً لالتقاط هذه اللحظة. فالدولة التي خاضت حرباً طويلة مع العراق استمرت ثماني سنوات، وجدت بعد سقوط نظام صدام حسين فرصة تاريخية لتحقيق ما عجزت عنه بالقوة العسكرية، وهو التغلغل العميق في المجتمع والسياسة والاقتصاد العراقي. و عبر علاقات تاريخية مع أحزاب شيعية عادت من المنفى، اضافة إلى الدعم السياسي والأمني والمالي، بدأت طهران تبني نفوذاً متدرجاً داخل مؤسسات الدولة وخارجها، مستفيدة من ضعف القرار المركزي ومن الانقسام الحاد بين المكونات العراقية.
وقد أشارت تحليلات صحفية عربية ودولية إلى أن ما يُسمّى بالمد الشيعي في العراق لا يمكن فهمه بوصفه ظاهرة مذهبية فقط، بل كنموذج نفوذ شبكي معقّد. و قد قام هذا النموذج على التمكين داخل الدولة من خلال الوزارات والأجهزة والهيئات الاقتصادية، وبالتوازي التمكين خارج الدولة عبر فصائل مسلحة توفّر الحماية والضغط السياسي. ومع الوقت، تشكّل اقتصاد ظل واسع يعتمد على المنافذ الحدودية والعقود الحكومية والتهريب، بينما جرى تسويق كل ذلك بخطاب شرعية قائم على المقاومة أو حماية المكوّن أو محاربة الإرهاب.
وحسب تقارير تحليلية أميركية، فإن الفساد في العراق لم يكن نتيجة جانبية لهذا النموذج، بل أصبح جزءاً من آلية تشغيله. فالفساد وفّر التمويل، والتمويل وفّر السلاح، والسلاح وفّر القدرة على فرض الشروط السياسية. من هنا جاءت تصريحات المبعوث الأميركي إلى العراق “مارك سافي”، التي نُقلت في وسائل إعلام غربية، لتؤكد أن واشنطن باتت تنظر إلى الفساد باعتباره الخطر المركزي، وأن أموال الفساد لا تُهدر فقط داخل العراق، بل تُستخدم لتغذية أنشطة جماعات مسلحة وتهديد الاستقرار في أكثر من دولة.
وفي هذا السياق، يصبح العراق بالنسبة لإيران أكثر من مجرد جار أو حليف، بل رافعة نفوذ إقليمية متعددة الأبعاد. فبحسب تحليلات اقتصادية وسياسية، مثّل العراق متنفساً مهماً لإيران في فترات تشديد العقوبات، سواء عبر التجارة أو عبر شبكات مالية غير رسمية. سياسياً، تحوّلت بغداد إلى ساحة لترجيح الحكومات، وأمنياً إلى منصة رسائل غير مباشرة في الصراع مع الولايات المتحدة وحلفائها.
وقد ربطت مقالات رأي عراقية بين اسم نوري المالكي وهذه المنظومة بأكملها. فالمالكي، في نظر خصومه ومعارضيه، لا يُنظر إليه كشخصية سياسية فقط، بل كرمز لمرحلة تكرّس فيها منطق السيطرة الحزبية، وتفاقم الفساد، وانهارت الثقة بين المكونات، وابتعد العراق عن محيطه العربي، مقابل تعمق ارتهانه لمحاور إقليمية. ولهذا، فإن عودته اليوم تُقرأ داخلياً وخارجياً كإشارة إلى فشل النظام السياسي في تجديد نفسه، وليس كخيار إصلاحي.
وتشير تحليلات مراكز دراسات دولية إلى أن التحذير الأميركي الأخير يضع بغداد أمام معادلة صعبة: إما الاستمرار في منطق التسويات الداخلية التي تفرضها قوى السلاح والنفوذ، مع ما يعنيه ذلك من عزلة وضغوط اقتصادية وسياسية، أو محاولة إنتاج قيادة أقل استفزازاً للخارج وأكثر قدرة على إعادة بناء الحد الأدنى من التوازن الوطني. وفي الحالتين، لم يعد بالإمكان الحديث عن سيادة كاملة في ظل اقتصاد هش وقرار سياسي منقسم.
وبالتالي، يرى مراقبون أن الخطر الحقيقي على العراق لا يكمن في شخص المالكي وحده، بل في ترسخ نموذج الدولة الشبكية، حيث تتحول الدولة إلى غنيمة، والفساد إلى وسيلة بقاء، والسلاح إلى أداة تفاوض دائم. و عند هذه النقطة، يصبح أي تحذير خارجي، مهما كان مصدره، انعكاساً لأزمة داخلية عميقة لم تُحل منذ سقوط النظام، ولا تزال تتجدد بأسماء مختلفة، لكن بالمنطق نفسه.




