الأمم المتحدة في اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا محرقة اليهود (الهولوكوست) كيلا تتكرر الفظائع ضد أي إنسان – بدعوات للتصدي للكراهية

نيويورك – نجلاء الخضر -ألأمم المتحدة
إنسان، عندما تصبح الكراهية هي اللغة (السائدة) وعندما يغض الناس طرفهم. الكراهية لا تعرف الحدود. اليوم تتمثل في معاداة السامية، وغدا ستكون ضد أناس آخرين، دين مختلف، عرق آخر”. كانت هذه شهادة أدلت بها سارة واينستين، الناجية من المحرقة، خلال فعالية أقيمت بمقر الأمم المتحدة.
يصادف 27 كانون الثاني/يناير، من كل عام، اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا محرقة اليهود (الهولوكوست) وقد اختير هذا التاريخ لأنه يوافق الذكرى السنوية لتحرير معسكر الاعتقال والموت النازي الألماني أوشفيتز- بيركيناو في 27 كانون الثاني/يناير 1945.

وفي بداية الفعالية وقف الحضور دقيقة صمت وأوقدوا شموعا تكريما لضحايا المحرقة. واستمع الحضور إلى شهادات ناجين من المحرقة ومسؤولي الأمم المتحدة ودبلوماسيين.
“لا تسمحوا بتكرار ما حدث ضد أي شعب”
كانت السيدة وينستين في الرابعة من العمر عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية. لا تتذكر وجه والدتها، وليس لديها أي صور لها لكنها تتذكر جيدا أيامها الأخيرة في منزلها وعام 1941 عندما أجبروا على تركه والعيش في “حي اليهود” (غيتو) في ظروف مروعة.
بمساعدة أسرة أوكرانية غير يهودية، تمكنت أسرة وينستين من الفرار. وقالت: “كل أوكراني كان يعرف أن من يساعد اليهود أو يطعمهم أو يدعمهم، سيكون الموت مصيره” ورغم ذلك خاطرت الأسرة الأوكرانية وأبقتهم مختبئين في منزلها.
لاحظ سكان القرية أن الأسرة الأوكرانية تشتري كميات أكبر من الطعام خلافا للمعتاد، تتبعوا رب الأسرة واكتشفوا سره. “جاءوا إلى المنزل، حطموا الباب وأمرونا بالاستلقاء على الأرض. استلقت أمي فوقي لتحمي طفلتها الصغيرة. الزوج والزوجة الأوكرانيان كانا أول من أطلق الرصاص عليهم قبل أن يُطلق علينا جميعا”.
قُتلت والدة سارة وينستين برصاصة أصابتها اخترقت جسدها هي أيضا وأصابتها بجراح خطيرة. وفي هذه الأثناء وقف القرويون خارج المنزل، مهللين ومحتفلين “بقتل مزيد من اليهود” قبل أن يُضرموا النار في المنزل.
رحلة فرار الناجين كانت شاقة، وفي آخر أيام الحرب قُتل والدة السيدة سارة بيد سكان إحدى القرى. السيدة وينستين- البالغة من العمر 91 عاما- لخصت رسالتها للجميع قائلة: “لا تنسوا ما حدث ولا تسمحوا بتكراره ضد أي شعب أو أي شخص. وتذكروا أن هناك شيئا واحدا يمكن أن ينقذ البشرية وهو الحب”.
ليست مجرد ذكرى
وفي حديثه في بداية الفعالية، قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إن إحياء ذكرى ضحايا المحرقة هو أكثر من مجرد تكريم للماضي؛ إنه واجب وعهد للدفاع عن الكرامة، وحماية المستضعفين، والوفاء بالعهد لأولئك الذين “نرفض نسيان أسمائهم وقصصهم”.
وأضاف: “نجتمع اليوم في إحياء مهيب لذكرى ضحايا المحرقة؛ لقد كانوا أمهات وآباء، أبناء وبنات، أجدادا وأحفادا. ستة ملايين يهودي قُتلوا لمجرد كونهم يهودا”.
وأكد غوتيريش أن المحرقة ليست مجرد حدث تاريخي، “بل هي تحذير من أن الكراهية، متى أُطلق لها العنان، يمكن أن تلتهم كل شيء”.
ونبه إلى أن هذا التحذير يبدو اليوم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. وأضاف: “معاداة السامية تتفشى في جميع أنحاء العالم. تعيش الجاليات اليهودية في خوف. تُهاجم المعابد اليهودية. تُدمّر العائلات. تنتشر الكراهية البغيضة المعادية للسامية عبر الفضاء الإلكتروني”.
إشادة بشجاعة ناجين قوبلوا بإغلاق الحدود
وشدد الأمين العام على ضرورة ألا ننسى أبدا الحقيقة المؤلمة أن العائلات اليهودية التي سعت إلى اللجوء قوبلت باللامبالاة، وإغلاق الحدود، والعقبات البيروقراطية.
وأشاد في هذا السياق بشجاعة الناجين الذين قال إنهم حوّلوا الألم إلى هدف. كما أثنى على التزام الشباب – من جميع الأديان والجنسيات – الذين يقفون معا ضد الكراهية.
ومضى قائلا: “أرى قوة التضامن عندما تتحد المجتمعات. أنتم هنا لأنكم اخترتم الأمل على الكراهية. اخترتم التذكر كقوة حية – درعا ضد التحيز، وشرارة للعدالة، وتعهدا بحماية كل إنسان”.
المحرقة لم تبدأ بالقتل، بل بالكلمات
الأمين العام نبه إلى أن “المحرقة لم تبدأ بالقتل، بل بدأت بالكلمات. لقد أعلن مهندسوها عن نواياهم الشريرة. لقد نشروا عمدا أيديولوجية كراهية وعنصرية متفوقة استغلت الخوف واليأس الاقتصادي”.
وأوضح أن هذه الآلة القوية للكراهية تغذت من خلال “التفكيك المنهجي للمؤسسات الديمقراطية، وخنق الصحافة، واضطهاد المجتمع المدني، وفساد المحاكم، وتآكل سيادة القانون. وشمل ذلك إتقان تكنولوجيا ذلك الوقت، والتحكم في المعلومات، ونشر الدعاية، والتلاعب بالخطاب العام”.
وأوضح أمين عام الأمم المتحدة أن هذا الفصل المظلم من تاريخنا المشترك يكشف حقائق مريرة، مشيرا إلى أنه “عندما يفشل أصحاب السلطة في التصرف، يبقى الشر بلا عقاب. وعندما يتم تشويه الماضي وإنكاره واستخدامه كسلاح، تتفاقم الكراهية والتحيز. عندما تصبح الكلمات أسلحة، يمكن للأكاذيب والمؤامرات والنكات العابرة والشتائم المبطنة أن تنمو حتى يصبح ما لا يمكن تصوره سياسة وعنفا”.
ودعا الأمين العام إلى التعهد بالوقوف ضد معاداة السامية وجميع أشكال الكراهية – وضد التعصب والعنصرية والتمييز في أي مكان وزمان.
دعوة للرحمة والتعاطف
السيدة بلومونثال لازان الناجية من المحرقة، تحدثت أيضا في الفعالية.
ولدت في بلدة صغيرة في ألمانيا عام 1934، عاشت في ظل قوانين استهدفت حقوق اليهود. تحدثت لازان عن رحلة أسرتها لمحاولة الفرار إلى الأمان، وترحيلها إلى معسكرات الاحتجاز والإبادة.
حملت في يدها ملصقا لنجمة صفراء تُمثل دبوسا أجبر اليهود على ارتدائه أثناء فترة النازية “لإهانتهم وتمييزهم عن بقية المجتمع” وتحدثت عن الظروف المروعة التي عاشت في ظلها.
وشددت السيدة لازان على ضرورة أن يفعل “كل فرد منا كل ما باستطاعتنا لمنع تكرار مثل هذه الكراهية والتدمير والرعب. لنكن رحيمين ومتعاطفين، نحمل الاحترام لبعضنا البعض. إنها رسالة بسيطة، ولكنها صعبة التحقيق. لا يمكننا فعل الكثير حيال السلبية التي تعتري عالمنا، ولكننا نتحكم في كيفية تعاملنا وسلوكنا وتواصلنا مع بعضنا البعض”.
تجديد الالتزام بوعد “لن يتكرر أبدا”
رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة أنالينا بيربوك دعت إلى مكافحة معاداة السامية، والتمييز العنصري، وكراهية الإسلام، والتمييز على أساس الجنس، وكراهية المثليين، “لأن التشكيك في حقوق البعض، لمجرد هويتهم أو أصولهم أو لون بشرتهم، يؤدي في النهاية إلى نتيجة واحدة: تجريدهم من إنسانيتهم، وهو ما ينتشر في نهاية المطاف ليشمل الجميع”.
وأكدت أنه يقع على عاتقنا واجب ليس فقط تجديد الالتزام بوعد “لن يتكرر ذلك أبدا”، بل يقع على عاتقنا أيضا واجب رفع الصوت أعلى من أي وقت مضى، عندما تظهر علامات التجرد من الإنسانية.
واقتبست مقولة سيمون فيزنتال، أحد الناجين من المحرقة: “لكي يزدهر الشر، لا يتطلب الأمر سوى أن يقف الأخيار مكتوفي الأيدي”.




