فكّ ارتباط أم صحوة متأخرة… هل كتب الحلفاء بوليصة تأمين خارج واشنطن؟

علم الاتحاد الأوروبي والهند

 

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة

لم يعد العالم يعيد ترتيب تجارته من باب الفرص فقط، بل من باب النجاة من المفاجآت. فحين تصبح القرارات الجمركية أشبه بنشرات طقسٍ سياسيٍّ متقلب، وحين تتبدّل قواعد السوق أسرع من قدرة الشركات على التخطيط، لا يعود الاتكال على محور واحد كافيًا، حتى لو كان ذلك المحور هو الحليف الأوثق. في هذا المناخ، جاء الاتفاق الأوروبي/الهندي للتجارة الحرة، الذي أُعلن اختتام التفاوض عليه في ٢٧ يناير ٢٠٢٦ بعد مسارٍ تفاوضي امتد قرابة عقدين، بوصفه حدثًا اقتصاديًا كبيرًا، لكنه في جوهره إشارة إلى أن الحلفاء أنفسهم بدؤوا يتعاملون مع التحالفات ك مظلّة أمنية لا ك احتكارٍ اقتصادي. 

دخل الاتحاد الأوروبي والهند الاتفاق بلغةٍ متفائلة تُراهن على توسيع الأسواق وتخفيف الكلفة وفتح أبواب الاستثمار، وجاءت الإجابات في البنود قبل التصريحات. فالمفوضية الأوروبية قالت إن الاتفاق يتوقع مضاعفة صادرات السلع الأوروبية إلى الهند بحلول ٢٠٣٢، عبر إلغاء أو خفض الرسوم على ما يزيد على ٩٦،٦٪؜ من قيمة صادرات الاتحاد السلعية إلى الهند، مع تقدير وفوراتٍ سنوية تقارب ٤ مليارات يورو من الرسوم التي كانت تتحملها الشركات الأوروبية. وعلى الجانب الآخر، أظهرت تغطيات متطابقة مع خطوط الإعلان أن الاتحاد الأوروبي سيلغي أو يخفض الرسوم على معظم وارداته من الهند خلال فترة انتقالية ممتدة، بما يمنح نيودلهي منفذًا واسعًا إلى أكبر سوق منظمة في العالم، ويحوّل الاتفاق إلى ممر نمو لا إلى تخفيضاتٍ هامشية. 

لا تحتاج القراءة الاستراتيجية الأعمق إلى شعارات، فالاتفاق يندرج في موجة عالمية لتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة كمركزٍ وحيد للتجارة والطلب، لا لأن واشنطن فقدت وزنها، بل لأن تقلب سياساتها التجارية، وفقًا لتقارير دولية، دفع شركاءها إلى البحث عن بدائل تحميهم من الصدمات. وهذا ما لخصته مقاربة فورين بوليسي باعتبار الاتفاق الأوروبي/الهندي جزءًا من اتجاهٍ أوسع لتنويع الأسواق بعيدًا عن الولايات المتحدة في ظل حرب الرسوم. كما لفت تقرير سي بي إس إلى أن تكتيكات الرسوم غير المتوقعة تدفع شركاء تجاريين قدامى للولايات المتحدة إلى نسج صفقات خارج واشنطن، وأن الهند والصين تحديدًا تستفيدان من هذا المناخ. 

ولا يقف الأمر عند أوروبا والهند. ف كندا بدورها فتحت قناة أكثر براغماتية مع بكين في لحظةٍ تتداخل فيها التجارة بالسيادة وبالضغط الأمريكي. إذ وصفت الحكومة الكندية نفسها الصين بأنها ثاني أكبر اقتصاد عالمي وثاني أكبر شريك تجاري لكندا على مستوى الدولة الواحدة، وأشارت إلى أن تجارة السلع والخدمات بين البلدين بلغت نحو ١٣٠،٩ مليارات دولار في عام ٢٠٢٤. وفي موازاة ذلك، تحدثت تغطية لوكالة أسوشيتد برس عن أن ضغوط السياسات الأمريكية تدفع حلفاء للولايات المتحدة إلى إعادة ضبط علاقاتهم مع الصين، بما يعكس أن الغرب لم يعد كتلة واحدة في إدارة الصين، بل طيفًا من الحسابات المتباينة. 

هنا تبرز العقدة التي تطلب الإجابة الواقعية عليها: كيف ستكون ردة الفعل الأمريكية؟ الصمت الكامل غير مرجّح، لكن رد الفعل لا يبدو بالضرورة انتقامًا فوريًا من الحلفاء بقدر ما هو محاولة لإعادة تنظيم الأولويات وفق شعار الإدارة الحالي “أمريكا أولًا”. ظهر أول مؤشر موثوق،بالفعل، في أول تعليق أمريكي متداول على الاتفاق الأوروبي/الهندي؛ إذ نقلت وسائل إعلام هندية عن مسؤول أمريكي في إدارة ترامب قراءةً تُقر بأن أوروبا والهند سيكون لهما وقت ازدهار مع الاتفاق، في تعليقٍ يوحي ببراغماتية علنية لا تُخفي الانزعاج بقدر ما تعترف بتغير قواعد اللعبة.

لكن الصورة الأوضح تأتي من وثائق الاتجاه لا من التعليقات السريعة. فاستراتيجية الدفاع التي سلطت عليها أسوشيتد برس الضوء مؤخرًا تفيد بأن البنتاغون يعاتب الحلفاء ويدعوهم لتحمّل قدر أكبر من مسؤولية أمنهم، ويعيد التأكيد على تركيز الإدارة على الهيمنة في نصف الكرة الغربي. وعلى المستوى السياسي الأوسع، أشار مجلس العلاقات الخارجية إلى أن استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة تعطي أولوية لنصف الكرة الغربي وتلمّح إلى خفض الاهتمام النسبي بأوروبا مقارنةً بما اعتادت عليه.  هذا لا يعني أن واشنطن تتخلى عن أوروبا، لكنه يعني أن واشنطن، وفق خطها المعلن، تطلب من أوروبا أن تدبّر مزيدًا من أمنها بنفسها، وتقبل ضمنيًا بأن أوروبا ستبحث في المقابل عن مسارات اقتصادية أقل اعتمادًا على الولايات المتحدة.

ومن هنا يصبح الخروج من محور واشنطن ليس خيانةً بالمعنى الأخلاقي، بل نتيجة مباشرة لمنطق “أمريكا أولًا”: ف حين تدفع واشنطن شركاءها لتحمّل كلفة أكبر أمنيًا وتجاريًا، وحين تستخدم الرسوم كأداة تفاوض متكررة، فهي عمليًا تفتح الباب أمامهم لشراء بوليصة تأمين من أسواق أخرى. بل إن واشنطن نفسها تبدو منشغلة بتصفية ملفات تعتبرها في صلب تنظيف الحديقة الخلفية وإعادة فرض النفوذ في جوارها المباشر. تقارير حديثة تحدثت عن تحولات كبيرة في ملف فنزويلا شملت إعادة فتح المجال الجوي التجاري وإشارات إلى تسهيلات لقطاع النفط بعد عملية أمريكية لافتة في مطلع العام. وفي كوبا، نقلت الغارديان تحذيرات مكسيكية من أن إجراءات أمريكية تمس إمدادات النفط قد تفاقم أزمة إنسانية في الجزيرة، في سياق يوضح أن واشنطن تستخدم أدوات اقتصادية حادة في محيطها القريب. و هذا ينسجم مع تتبعٍ تحليلي لأجندة الإدارة في أمريكا اللاتينية الذي يشير إلى أن الأمن والحدود ومحاربة الجريمة المنظمة التي تحتل مرتبة متقدمة في الأولويات. 

أما في الشرق الأوسط، فملف إيران يضيف طبقة ثانية من الانشغال. إذ وصفت تشاتهام هاوس، هدف الرئيس ترامب تجاه إيران بأنه دفعها إلى خضوع استراتيجي عبر مزيج من الضغط وعدم القدرة على التنبؤ، بما يعني أن واشنطن ترى في هذا المسرح اختبارًا لهيبة الردع وإعادة هندسة التوازنات.  ومع تمدد الانشغالات بين نصف الكرة الغربي والشرق الأوسط، يصبح الاحتواء الكامل لحالة التمدد التجاري لدى الحلفاء أكثر تعقيدًا: ليس لأن واشنطن عاجزة، بل لأن توزيع التركيز السياسي والعسكري والاقتصادي يحدّ من قدرة أي إدارة على إدارة كل الجبهات بكثافة واحدة في آنٍ واحد.

ومع ذلك، يبقى عنصر الاحتواء”حاضرًا، لا بوصفه حملة عقابية ضد الحلفاء، بل بوصفه محاولات لاستعادة النفوذ عبر أدوات أقل تصادمية منها: إعادة التفاوض، و الصفقات الجزئية، أو تثبيت سلاسل التوريد الحساسة ضمن نطاقٍ أطلسي. المشكلة أن كثرة الانشغالات تخلق نافذة زمنية تستغلها العواصم الأخرى لتثبيت اتفاقاتها قبل أن تعود واشنطن إلى طاولة إعادة الضبط. وكلما تراكمت الاتفاقات، تحولت من رد فعل مؤقت إلى بنيةٍ دائمة: اتفاق أوروبا والهند ليس مجرد خفض رسوم؛ بل هو إعادة تشكيل لمسارات التجارة حتى ٢٠٣٢ وما بعده. 

ولا ينبغي إغفال كلفة الداخل لدى الشركاء أنفسهم، لأنها تحدد استدامة هذه الصحوة. ففي الهند، ظهرت مقاومة زراعية واضحة تحذر من أثر الاتفاق على المزارعين والأسواق المحلية، ما يعني أن النجاح لن يُقاس بحجم السوق فقط، بل بقدرة نيودلهي على تحويل الانفتاح إلى مكاسب اجتماعية محسوسة لا إلى صدمةٍ توزيع. أما أوروبا، فتسعى إلى أن تجعل هذه الشبكة من الاتفاقات جزءًا من استراتيجية تقليل المخاطر بدل فك الارتباط، حتى لا تتحول التجارة إلى انقسامٍ سياسي كامل داخل المعسكر الغربي.

الخلاصة التي يكتبها هذا المشهد بهدوء هي أن ما يجري أقرب إلى صحوة متأخرة منه إلى فك ارتباط صريح. فالحلفاء لا يغادرون مظلة واشنطن الأمنية دفعة واحدة، لكنهم يخففون اعتمادهم الاقتصادي على مركز واحد لأنهم تعلّموا درس السنوات الأخيرة: بأنّ التحالف قد يدوم، لكن ضمانات التجارة ليست بندًا ثابتًا في أي تحالف. وفي المقابل، واشنطن قد لا تصمت على تآكل مركزيتها، لكنها أيضًا، وفق أولوياتها المعلنة في نصف الكرة الغربي وملفات مثل إيران، قد تجد نفسها مضطرة لإدارة هذا التحول ببراغماتية، ومحاولة احتوائه تدريجيًا بدل كسره دفعة واحدة، خاصةً كلما تكاثرت انشغالاتها وتعددت جبهاتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى