مع اتساع أسواق المال و تسارع وأزمة الدين الأميركي: إلى أين يتجه الاقتصاد العالمي؟

نيويورك – خاص – زينة بلقاسم
يشير ما يُتداول في التقارير الاقتصادية إلى أن الفجوة بين حجم الأسواق المالية وبين الدين العام الأميركي مرشّحة للاتساع خلال الأشهر المقبلة، في وقت تتسارع فيه وتيرة تراكم الدين وتزداد كلفة خدمته، وهو ما يعيد أزمة المديونية الأميركية إلى واجهة النقاش المالي العالمي، خصوصاً مع حساسية المشهد لأي صدمة في أسعار الفائدة أو تباطؤ اقتصادي.
يُعزَى السبب المباشر إلى تسارع الدين الأميركي إلى استمرار العجز المالي الكبير: فعندما تتجاوز النفقات الحكومية الإيرادات الضريبية، تلجأ الخزانة الأميركية إلى الاقتراض عبر إصدار سندات. ومع بقاء العجوزات مرتفعة، تتراكم الإصدارات عاماً بعد عام، ويصبح الدين كرة ثلج تزيد معها مدفوعات الفوائد. كما تحذر تقارير مؤسسات مالية ورقابية من أن الدين الكبير والمتنامي يرفع مخاطر حدوث اضطراب مالي ويضغط على النمو على المدى الطويل، خاصة إذا ارتفعت أسعار الفائدة أو تدهورت الثقة.
وتزداد الصورة وضوحاً عند النظر إلى أن المشكلة لم تعد مرتبطة بحجم الدين وحده، بل بكلفة خدمته أيضاً: فكلما ارتفعت أسعار الفائدة أو بقيت عند مستويات مرتفعة، زادت مدفوعات الفوائد على السندات الحكومية، ما يضغط على بنود الإنفاق ويُبقي العجز قائماً، ويجعل المالية العامة أقل مرونة في مواجهة الأزمات.
وفيما يتعلق بمعنى القول إن الأسواق قد تتجاوز الدين بفارق كبير، فإن المقصود عادةً هو إجمالي القيمة السوقية للأصول المالية المتداولة مثل الأسهم والسندات وأدوات الدخل الثابت، وهي قيم تتغير يومياً مع تحركات الأسعار صعوداً أو هبوطاً. وقد ساهمت موجات التفاؤل المرتبطة بالتقنيات الحديثة خلال الفترة الأخيرة في رفع شهية المخاطرة ودفع بعض المؤشرات للصعود، إلا أن هذا التفاؤل يقابله تحذير متزايد من أن المبالغة في التسعير قد تجعل الأسواق أكثر هشاشة أمام أي انعطافة في السياسة النقدية أو بيانات تضخم مفاجئة.
لكن اتساع الفجوة بين الأسواق والدين لا يعني تلقائياً الاطمئنان، لأن الثقة تظل العامل الحاسم في استدامة التمويل: فالسندات الأميركية تُعد مرجعية للنظام المالي العالمي، وأي اهتزاز في الثقة أو ارتفاع سريع في العائدات قد يرفع تكلفة الاقتراض ويزيد عبء خدمة الدين. ومع ارتفاع الفوائد، تتآكل المساحة المالية المتاحة أمام الحكومة، فتدخل الميزانية في حلقة تغذية عكسية: فوائد أعلى تؤدي إلى عجز أكبر، وعجز أكبر يؤدي إلى اقتراض أكثر.
وتبرز هنا نقطة محورية مفادها أن الأسواق ليست ضمانة ثابتة، لأنها قد تنخفض بسرعة في حال تغيّر المزاج الاستثماري: فالقيمة السوقية للأسهم قابلة لتصحيح حاد إذا تراجع التفاؤل أو عادت الضغوط التضخمية أو ظهرت مؤشرات تباطؤ، وهو ما ينعكس على الثروة والاستهلاك والاستثمار، ويجعل إدارة الدين أصعب في توقيت حساس.
وبالنظر إلى العام المقبل، يمكن تصور مسارات رئيسية محتملة: فإذا اتجه التضخم إلى الاستقرار وتراجعت ضغوط الفائدة، قد تتراجع وتيرة نمو عبء الفوائد تدريجياً وتكسب واشنطن وقتاً لإصلاحات مالية دون صدمة. أما إذا عادت الضغوط التضخمية أو ارتفعت العائدات، فستضطر الحكومة إلى الاقتراض بتكلفة أعلى، ما يفاقم مدفوعات الفوائد ويزيد حساسية الأسواق لأي إشارات ضعف مالي. وفي مسار ثالث، قد تؤدي تقلبات حادة في الأسواق، خصوصاً إذا جاءت بعد فترة تقييمات مرتفعة، إلى ضغط مزدوج على النمو وعلى قدرة الخزانة على تمويل العجز بشروط مريحة.
وبالتالي يمكن القول إن الحديث عن تجاوز الأسواق للدين بفارق كبير يعكس ضخامة الأصول المالية عالمياً، لكنه لا يبدّد حقيقة أن مسار الدين الأميركي بحجمه المتصاعد وكلفة خدمته أصبح عاملاً حاسماً في تسعير المخاطر عالمياً. وبين تفاؤل تقوده رهانات التكنولوجيا وتحذيرات من عودة التضخم وارتفاع العوائد، يبدو العام المقبل اختباراً لقدرة الولايات المتحدة على الموازنة بين دعم النمو وضبط العجز قبل أن تتحول أزمة الدين من عنوان اقتصادي إلى صدمة مالية. المقال




