واشنطن تبعثر اوراق الإخوان المسلمين و تصنّف بعضهم منظمات ارهابية

Credit: Drew Angerer/Getty Images
نيويورك – رشادالخضر –
اتخذت الولايات المتحدة خطوة وصفتها بأنها إجرائية وحاسمة في سياق مكافحة الإرهاب العابر للحدود، عبر إعلان تصنيفات تستهدف فروعًا محددة من جماعة الإخوان المسلمين في الشرق الأوسط. ووفق ما أوردته وكالة أسوشيتد برس، صنّفت وزارة الخارجية الأميركية الفرع اللبناني المعروف باسم الجماعة الإسلامية كـ“منظمة إرهابية أجنبية”، بينما صنّفت وزارة الخزانة فرعي الجماعة في مصر والأردن كإرهابيين عالميين مُصنّفين، بدعوى تقديم دعم مادي لحركة حماس.
لم تأتِ هذه الخطوة من فراغ، بل جاءت امتدادًا لمسار رسمي بدأ قبل أسابيع بقرار رئاسي وضع الإطار السياسي والقانوني للتصنيف. ففي أواخر نوفمبر من ٢٠٢٥ ، أصدر البيت الأبيض أمرًا تنفيذيًا يوجّه أجهزة الدولة إلى تقييم فروع بعينها من الجماعة للنظر في إدراجها على قوائم الإرهاب، باعتبار أن الهدف هو تجفيف الموارد و حرمان الجهات المستهدفة من الوصول إلى النظام المالي و إنهاء أي تهديد للمصالح والأمن القومي الأميركي. كما نُشر الأمر التنفيذي في السجل الفدرالي، ما منح العملية مسارًا قانونيًا واضحًا ضمن قواعد التصنيف الأميركية.
أما في التفاصيل التي استندت إليها واشنطن لهذا تصنيف الفرع اللبناني، فتقوم الادارة الأميركية على ربط مباشر بين النشاط السياسي والتنظيمي وبين نشاط مسلح ميداني عقب حرب غزة. ووفق الملخص الإخباري لوكالة أسوشيتد برس، فإن الإدارة الأميركية تعتبر أن الجناح المسلح المرتبط بهذا الفرع أعاد تفعيل نشاطه بعد هجوم السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، وأطلق صواريخ باتجاه شمال إسرائيل بالتنسيق مع حزب الله وحركة حماس. كما تشير الرواية الرسمية إلى أن الجيش اللبناني فكك في يوليو ٢٠٢٥ معسكر تدريب سريًا ضم عناصر من الفرع اللبناني وعناصر من حماس، في سياق يُقدَّم كدليل إضافي على تداخل التنظيمات والتحالفات المسلحة.
لكن أهمية القرار لا تتوقف عند سرد الوقائع، بل تمتد إلى أثر التصنيف نفسه، فتصنيف منظمة إرهابية أجنبية في القانون الأميركي يرفع سقف القيود إلى مستوى يجعل تقديم دعم مادي جريمة اتحادية، ويمنح السلطات أدوات أوسع لتجميد الأصول وتقييد الحركة والتعاون الدولي في الملاحقات. وفي المقابل، يرتبط تصنيف إرهابي عالمي مُصنّف عادةً بمنظومة العقوبات المالية، بما يعني حظر التعاملات وحجب الوصول إلى الدولار الأمريكي وشبكات التمويل الدولية، فضلًا عن خطر العقوبات الثانوية على جهات غير أميركية قد تتورط في معاملات مع الكيانات المدرجة. و تشرح وزارة الخارجية الأميركية ضمن تعريفاتها الرسمية لقوائم المنظمات الإرهابية الأجنبية، هذا المنطق العام لآليات التصنيف وغاياته بوصفها أداة لقطع الدعم والضغط على الشبكات المتورطة في الإرهاب.
وتحاول إدارة الرئيس دونالد ترامب، تقديم قرارها بوصفه استهدافًا لفروع محددة لا حكمًا واحدًا على حركة واسعة ومتعددة الأشكال عبر الدول. إلا أن القرار، بطبيعته، يعيد فتح سؤال قديم يتمثل في التالي: أين ينتهي العمل السياسي وأين يبدأ العمل المسلح؟ فواشنطن جمعت في خطابها بين الفروع وبين الأذرع التي تصفها بالعنيفة والمنبثقة تاريخيًا من بيئات فكرية وتنظيمية مرتبطة بالجماعة، مثل تنظيم الجهاد الإسلامي المصري والجماعة الإسلامية في مصر، فضلًا عن الربط المؤسس الذي تذكره الولايات المتحدة بين حركة حماس وجذورها الفكرية والتنظيمية. وفي التحليل الأميركي، يصبح هذا المسار سياقًا تراكميًا يبرر تشديد التصنيفات، خصوصًا بعد أحداث السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ وما تبعها من توسّع دوائر الصراع الإقليمي.
غير أن القرار يفتح أيضًا باب التبعات الدبلوماسية والإقليمية. فبحسب ما نقلته وكالة أسوشيتد برس، رحبت مصر و السعودية و الأردن بالخطوة، بينما يُتوقع أن تحظى بتأييد من بعض الحلفاء الإقليميين الذين يتعاملون مع الجماعة بوصفها تهديدًا أمنيًا. وفي المقابل، أشارت الوكالة إلى أن الخطوة قد تُربك علاقات الولايات المتحدة مع دول تُبقي قنوات مع الجماعة أو تتسامح مع بعض تياراتها، ما يجعل التصنيف ليس مجرد ملف أمني، بل عنصرًا جديدًا في هندسة التحالفات والخصومات في الشرق الأوسط. كما لفتت تقارير تحليلية إلى صعوبة تطبيق وسم واحد على شبكة واسعة تختلف تجاربها من بلد لآخر بين حركة سياسية واجتماعية في مكان، وتنظيمات متهمة بالعنف في مكان آخر، وهو ما يجعل حدود القرار وتداعياته محل نقاش واسع.
يحمل القرار داخليًا، أثرًا سياسيًا وقانونيًا يتجاوز الجغرافيا. فحين تُدرج كيانات على لوائح الإرهاب، تتوسع تلقائيًا دائرة التدقيق المالي والهجرة واللجوء، وترتفع حساسية المؤسسات المصرفية وشركات التحويل والتأمين من أي تعاملات قد تُفسّر على أنها منفعة غير مباشرة لكيانات مدرجة، حتى لو كانت عبر وسطاء. وفي الوقت نفسه، يمنح القرار الإدارة الأميركية أداة ضغط يمكن استخدامها في ملفات تفاوضية أوسع: من تبادل المعلومات الأمنية، إلى ضبط شبكات التمويل، إلى إعادة ترتيب خطوط التواصل مع الفاعلين السياسيين في المنطقة.
وبالتالي، تُقرأ خطوة ال١٣ من يناير ٢٠٢٦، باعتبارها إعلانًا عن مرحلة أشد صرامة في السياسة الأميركية تجاه بعض فروع جماعة الإخوان المسلمين، ضمن مقاربة تعتبر أن الحدود بين السياسة والسلاح يجب أن تُحسم بالقانون والعقوبات لا بالخطاب. لكن المفارقة التي سترافق هذا القرار طويلًا هي أن التصنيف نفسه قد لا ينهي الظاهرة بقدر ما يعيد تشكيلها، فهو يضغط ماليًا ويعزل، لكنه يفتح أيضًا أسئلة حول الفروق بين الفروع، وحدود المسؤولية، وكيف ستتعامل الدول المعنية مع قرار أميركي يُسقط ثقله على توازنات داخلية وإقليمية شديدة التعقيد.




