واذا تبادرت لنا الاسئلة: هل نجحت؟ وهل فشلت؟

مصدر الصورة pngtree

 

نيويورك – خاص زينة بلقاسم

 

تكون لنا قدرة محدودة في توفرإجابة واقعية: إذ يُقال انها نجحت جزئيًا في تفكيك بعض الترتيبات القديمة، لكنها كثيرًا ما فشلت في إنتاج نظامٍ جديد مستقر بالكلفة الأقل. ففي الحالات التي يُشار إليها عادةً، على اختلاف تقييم الناس لها، كان التغيير السريع أسهل من بناء الدولة أو بناء التوافق أو إعادة الإعمار المؤسسي. بمعنى آخر: إذا كان الهدف المعلن في بعض الخطابات هو “إعادة ترتيب المنطقة”، فالتاريخ أظهر أن خلق الفراغ قد ينتج قوى محلية وإقليمية غير متوقعة، وقد يطيل أمد الصراع بدل اختصاره، وقد يرتد على الاقتصاد العالمي عبر موجات لجوء، وتذبذب طاقة، وتوتر ملاحة، وتنامي مخاطر الإرهاب. وهذا هو جوهر المفارقة: الفوضى قد تكون أداة لإسقاط واقع، لكنها نادرًا ما تكون أداةً دقيقة لبناء واقعٍ أفضل على مقاس من أطلقها أو راهن عليها.

وهل تُطبّق الآن من طرف قوة كبرى لفرض نظامٍ وواقعٍ جديدين؟ إذا أخذنا المصطلح حرفيًا بوصفه خطة متعمدة لصناعة الفوضى، فالإثبات الصلب أصعب لأن القوى الكبرى اليوم تتجنب إعلان ذلك كسياسة، بل تميل إلى لغة إدارة المنافسة و خفض المخاطر و الأمن الاقتصادي. لكن إذا أخذناه بوصفه نمَطَ ممارسة، أي استخدام الضغوط الاقتصادية، والحروب بالوكالة والعقوبات وإعادة تسليح الاعتماد المتبادل وترك بؤر توتر تتوسع ما دامت لا تُهدد المركز مباشرة فإن عناصر شبيهة تظهر في أكثر من مسرح. و بمعنى عملي: قد لا تُسمّى “فوضى خلّاقة” في البيانات، لكنها قد تُمارَس كواقعٍ حين تُدار الأزمات بحيث تُنهِك خصمًا، أو تُعيد توجيه تحالفات، أو تُجبِر دولًا أصغر على التموضع داخل تكتلات جديدة.

وهنا نعود بسلاسة إلى السؤال الأوسع: على ماذا تُبنى التحالفات والتنازلات والتضحيات؟ إنها تُبنى اليوم على خمسة معايير صلبة أكثر من أي وقت تتمثل في نقاط الاختناق وحساسية التضخم الداخلي والقدرة الصناعية والدفاعية والديون وكلفة الاقتراض والشرعية الاجتماعية. و بالتالي من يملك عقدةً في شبكة الإمداد أو في التقنية أو في الطاقة يملك نفوذًا تفاوضيًا ومن يعتمد على عقدةٍ لدى طرفٍ آخر يصبح عرضة للضغط. ولهذا تتغير التحالفات حول الممرات البحرية، وحول صفقات الغاز والنفط، وحول الاستثمار في الموانئ والسكك الحديدية، وحول اتفاقات توريد المعادن الحيوية. وفي هذا كله، تبقى الأسواق حاضرة لا بوصفها مرآة فقط بل محركًا: فهي تسعّر المخاطر لحظةً بلحظة، وتوزع رأس المال على الصناعات التي يراها المستثمرون مدعومة سياسيًا وواعدة اقتصاديًا، وتفرض انضباطًا قاسيًا على الحكومات التي تُربك التمويل بسياسات مالية غير قابلة للاستمرار.

ومن داخل هذا المشهد يمكن فهم سؤال هل سيقبل العالم؟ على أنه سؤال تكيّف لا تصويت. فالعالم لا يجتمع ليوافق على نظام؛ بل يتكيف بحسب قوته وهشاشته. والأضعف في المصير، كما يبين من تجارب الأزمات المالية والغذائية والطاقة، ليس بالضرورة دولةً فقيرة فقط، بل دولةٌ أو اقتصادٌ محاصرٌ بثلاثة قيود معًا هي اعتماد كبير على استيراد الغذاء أو الطاقة و مديونية مرتفعة بعملةٍ لا يطبعها ومؤسسات ضعيفة في إدارة الصدمات. مثل هذه الاقتصادات تتلقى الضربة ثلاث مرات عندما تتغير قواعد العالم: إذ ترتفع فاتورة الواردات وترتفع كلفة الاقتراض وتُجبر على تنازلاتٍ في السياسة أو الاقتصاد لاستعادة التمويل أو الإمدادات. وفي المقابل، يظهر الهامش عند من يملك موارد طاقة، أو موقعًا لوجستيًا، أو سوقًا كبيرة، أو قدرةً صناعية، أو مؤسسات مالية قوية.
أما ما قد يأتي بعد ذلك، فالأقرب أنه ليس مسارًا واحدًا بل ثلاثة مسارات تتعايش بدرجات متفاوتة. مسار “تعدد أقطاب مُدار” حيث التكتلات تتنافس لكنها تُبقي خطوط التجارة والمال مفتوحة بالقدر الذي يمنع الانهيار، ومسار تجزؤ صادم إذا وقعت صدمة كبرى في ممرات بحرية أو طاقة أو تقنية وأتبعتها موجة تضخم وتشدد مالي وأزمات ديون، ومسار صفقات موضعية ليست سلامًا شاملًا بل تفاهمات في نقاط اختناق محددة لأن كلفة الفوضى تصبح أعلى من مكاسب التصعيد. وفي كل هذه المسارات ستظل الأسواق تؤدي دور الحكم الذي لا يصفّق ولا يندد، بل يرفع كلفة القرار أو يخفضها فقط ويعطي إشارة مبكرة عمّا إذا كان العالم يتجه نحو استقرارٍ مُدار أم نحو فوضى تتسع ثم تحاول القوى الكبرى إدارتها بعد أن تفلت من يدها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى