هل يستيقظ التنين الصيني … من الاقتصاد إلى المدافع؟

صورة تعبيرية من موسوعة الاقتصاد
نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة
في كتب التاريخ، كانت الصدمات الكبرى تأتي حين تتحول “الورشة” إلى “قاعدة حكم”. خرجت الثورة الصناعية الأولى فغيّرت معنى القوة، ثم جاءت العولمة فغيّرت مكان المصنع، ثم جاءت الرقمنة فغيّرت مكان المعرفة. واليوم يقف العالم على أعتاب ما يسميه كثيرون «الصدمة الصينية الثانية»: ليست موجة البضائع الرخيصة والماركات المقلدة التي عرفتها الأسواق في موجة سابقة، بل موجة أعلى قيمة وأكثر حساسية… سيارات كهربائية، روبوتات، بطاريات وتقنيات طاقة نظيفة، طائرات مسيّرة، ومنظومات ذكاء اصطناعي تدخل في الصناعة والأمن والفضاء وحتى القوة الناعمة من المنصات إلى الدراما. وحسبما أوردت صحيفة فايننشال تايمز ووكالة رويترز في تغطياتهما لقلق العواصم الغربية من فائض القدرة الإنتاجية الصينية وحرب الأسعار في قطاع السيارات الكهربائية، فإن القصة لم تعد “تجارة” فقط، بل صراع على من يكتب معايير الاقتصاد الجديد ومن يسيطر على سلاسل الإمداد التي تُشغّل العالم. 
أما سؤال: لماذا الآن ومنذ متى؟ فالبداية التي لا يمكن تجاهلها تعود إلى عام ألفين وواحد، حين انضمت الصين إلى منظمة التجارة العالمية وبدأ اندماجها العميق في سلاسل التصنيع والتصدير. لكن التحول الحقيقي جاء حين قررت بكين ألا تبقى “مصنع العالم” فقط، بل أن تصعد إلى قلب التكنولوجيا: سياسات صناعية مركّزة، استثمارات ضخمة، وسيطرة متزايدة على حلقات حساسة من المواد الخام إلى التصنيع إلى التصدير، حتى صار السعر سلاحًا والكمّ سلاحًا والسرعة سلاحًا. وفي قلب الجدل الغربي تبرز اتهامات متكررة بنقل التكنولوجيا أو الاستفادة من التقنيات العالمية ثم تطويرها بسرعة، إضافة إلى دعمٍ يجعل المنافسة غير متكافئة في نظر منتقدي بكين. ومن هنا نفهم لماذا تحركت أوروبا بالأدوات التي تعرفها: الرسوم والتحقيقات. فحسبما نقلت العربية للأعمال عن قرار أوروبي نهائي، اتجه الاتحاد الأوروبي إلى فرض رسوم إضافية على السيارات الكهربائية المصنوعة في الصين بحيث تصل الرسوم الإجمالية، في حالات، إلى أكثر من خمسة وأربعين في المئة، عبر رسوم إضافية قد تبلغ خمسة وثلاثين فاصل ثلاثة في المئة فوق رسم قائم قدره عشرة في المئة، مع تحذيرات من اتساع دائرة الحرب التجارية. 
لكن الصدمة الثانية لا تُقاس بالرسوم وحدها، بل بما تتركه في المصانع والوظائف وسلاسل الموردين. وحسبما أوردت سكاي نيوز عربية في تقرير بتاريخ الثاني عشر من مارس عام ألفين وخمسة وعشرين، أعلنت شركة نورثفولت السويدية، أحد أهم رهانات أوروبا في بطاريات السيارات الكهربائية، أنها تقدمت بطلب لإشهار إفلاسها في السويد، في إشارة قاسية إلى صعوبة بناء “بطل صناعي” أوروبي في وجه منافسة عالمية شرسة وتكلفة تمويل مرتفعة وتباطؤ طلب.  وفي إيطاليا، وحسب بيانات نقابة عمالية نقلتها منصة أرقام، تراجع إنتاج مجموعة ستيلانتيس من المركبات في البلاد خلال عام ألفين وأربعة وعشرين بنسبة سبعة وثلاثين في المئة ليهبط إلى نحو أربعمائة وخمسة وسبعين ألفًا وتسعين مركبة، مقارنة بنحو سبعمئة وواحد وخمسين ألفًا وثلاثمئة وأربعة وثمانين في العام السابق، مع تراجع إنتاج السيارات تحديدًا بنسبة ستة وأربعين في المئة إلى أدنى مستوى منذ عام ألف وتسعمئة وستة وخمسين، وهذه أرقام تعني شيئًا واحدًا للناس العاديين: وظائف أقل، موردون يتراجعون، ومدن صناعية تشعر بالاختناق. 
ثم يأتي الجزء الذي يُكمل الصورة ويجعل العاصفة أوضح: الاقتصاد لم يعد منفصلًا عن المدافع. ففي نهاية شهر ديسمبر عام ألفين وخمسة وعشرين، وحسبما أوردت وكالة رويترز وصحيفة فايننشال تايمز، أجرت الصين مناورات عسكرية واسعة بالذخيرة الحية حول تايوان، وقدمتها بوصفها تحذيرًا ضد ما تسميه “التدخل الخارجي” و”استفزازات” مرتبطة بتعاون عسكري بين واشنطن وتايبيه. وفي التغطية نفسها ورد أن الولايات المتحدة وافقت على حزمة تسليح لتايوان بقيمة تقارب أحد عشر مليارًا ومئة مليون دولار، ما زاد التوتر وأعطى بكين ذريعة لتصعيد الرسائل العسكرية.  هذه النقطة ليست تفصيلًا: لأن تايوان ليست مجرد ملف سياسي، بل عقدة حاسمة في سلاسل التكنولوجيا العالمية، وأي تصعيد حقيقي هناك لا يرفع مخاطر الملاحة والتأمين فقط، بل يربك إنتاج الرقائق والتقنيات ويحوّل “الصدمة الصناعية” إلى “صدمة مالية” قد تصل آثارها إلى كل بيت عبر الأسعار والوظائف.
من يخسر إذا انزلقت الأمور إلى مواجهة؟ أول الخاسرين هو الاقتصاد العالمي نفسه. الولايات المتحدة ستدفع ثمنًا كبيرًا لأنها ستكون مطالبة بحماية مصداقية تحالفاتها في شرق آسيا، لكن قرارها لا يتحرك في فراغ؛ فهو يتأثر بدورة سياسية داخلية أمريكية حساسة وبخطابات انتخابية تجعل الرسوم والصفقات والتصريحات جزءًا من مزاج الداخل لا حسابات الخارج فقط. والصين بدورها ليست محصنة: أي مواجهة واسعة تعني احتمال عقوبات أشد، وتسريع فك الارتباط التقني، وضربة للاستثمار والتصدير في وقت تعتمد فيه بكين على استمرار زخم الصناعة. أما أوروبا فتبدو كمن يقف في مرمى ارتدادين معًا: ارتداد الحرب الروسية الأوكرانية التي استنزفت الطاقة والميزانيات، وارتداد أي أزمة آسيوية كبرى قد تشلّ سلاسل التكنولوجيا وتزيد كلفة التمويل والتأمين وتضغط على الصناعات التي تعاني أصلًا من منافسة شرسة. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس “من سينتصر” بل “من سيبقى قادرًا على تحمّل الكلفة” في عالم تتراكم فيه الأزمات بدل أن تُحل.
أما التحالفات إذا شب نزاع بين واشنطن وبكين، فهي ليست حجرًا ثابتًا كما كانت في زمن الاستقطاب القديم، بل شبكة مصالح قابلة للاهتزاز تحت ضغط الضرائب والصفقات وأسعار الطاقة والانتخابات والحروب القائمة. في جهة الولايات المتحدة يُرجح أن تتقدم دول حليفة في شرق آسيا والمحيط الهادئ بدرجات مختلفة، بينما قد تنحاز دول أوروبية سياسيًا لكنها ستوازن عمليًا بسبب حجم مصالحها التجارية مع الصين وبسبب إرهاقها من ملفات أوكرانيا والطاقة. وفي جهة الصين قد يظهر دعمٌ أو تعاونٌ من قوى ترى مصلحة في تقليص النفوذ الأمريكي، لكن ذلك قد يأخذ أشكالًا غير تقليدية: تعاون اقتصادي وتقني، ضغط في ساحات أخرى، أو توسيع هوامش الحركة في ملفات إقليمية لإرباك خصوم بكين. وفي عالمٍ كهذا، تصبح “الضرائب” ليست مجرد أداة مالية بل أداة اصطفاف، وتصبح “الصفقات” ليست مجرد تجارة بل لغة تفاهم أو عقاب، وتصبح “النزاعات” ملفات تتداخل: أوكرانيا تؤثر في قدرة الغرب على فتح جبهة جديدة، والشرق الأوسط يشد الانتباه والموارد، وأي تصعيد قرب تايوان يضغط على التكنولوجيا والتجارة في وقت واحد.
وفي النهاية، فإن «الصدمة الصينية الثانية» ليست خبرًا اقتصاديًا منفصلًا ولا مناورات عسكرية معزولة، بل مشهد واحد لواقع جديد: المنافسة على المستقبل تُخاض في المصنع والسوق كما تُخاض في البحر والجو. والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه نحن في العالم العربي ليس من باب الفضول، بل من باب المصلحة: إذا كانت قواعد القوة تُعاد كتابتها بهذه السرعة، فأين موقعنا؟ هل سنظل أسواقًا تُصب فيها المنتجات وممراتٍ لسلاسل الإمداد ومصادر للطاقة والمواد، أم سنبني صناعة ومعرفة تجعلنا طرفًا يملك “قيمة مضافة” لا مجرد موقع جغرافي؟ وإذا اشتدت المنافسة وتبدلت التحالفات تحت ضغط الضرائب والصفقات والخطابات السياسية، كيف ستكون المعاملة معنا: شريك يُستثمر في استقراره لأنه مهم… أم ساحة يُطلب منها الاصطفاف ثم تُحمّل الفاتورة؟




