هل فقد الاتحاد الأوروبي تنافسيته؟

أعلام أوروبية أمام مقر الاتحاد الأوروبي ببروكسل (رويترز)

 

نيويورك – زينة بلقاسم –

بدأ المشهد من بلجيكا، اين اجتمع قادة الاتحاد الأوروبي ال٢٧ يوم ال١٢ من فبراير ٢٠٢٦ في خلوة قادة خُصِّصت صراحة لملف التنافسية والسوق الموحدة، وبحضور شخصيتين ترمزان إلى حجم القلق الأوروبي هما: ماريو دراغي وإنريكو ليتّا، كانت الرسالة التي حملها رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، مباشرة:وهي: أوروبا تريد نموًا اقتصاديًا أقوى لأنها لم تعد تستطيع تمويل نموذجها الاجتماعي، ولا حماية صناعتها، ولا تثبيت وزنها السياسي في عالمٍ يُعاد ترتيبه بقوة الجغرافيا السياسية.

لم يُقرَأ الاجتماع باعتباره مجرد قلق دوري من ركودٍ عابر، بل كاعتراف متأخر بأن ميزة أوروبا التنافسية تآكلت تدريجيًا، وأن الفجوة بينها وبين المنافسين اتسعت في الوقت الذي كانت فيه القارة تراهن على ثبات قواعد العولمة، وعلى وفرة الطاقة، وعلى حماية أمنية أمريكية تقلل كلفة الردع. المشكلة أن العالم تغيّر: و صار فيه منطق السوق وحدها أبطأ من منطق الدولة التي تدعم صناعاتها، ومنطق الاندماج التجاري صار يُزاحَم بمنطق الأمن الاقتصادي و سلاسل الإمداد المحمية، فيما تُعاد كتابة قواعد التجارة والتكنولوجيا تحت ضغط الصراع الأمريكي/الصيني واستمرار الحرب في أوكرانيا، وحتى تحت ظلال تحذيرات شرق آسيا من أن أي صدمة كبرى حول تايوان ستتجاوز الإقليم إلى الاقتصاد العالمي كله.

حين نبحث عن الأسباب العميقة لفقدان التنافسية، لا نجد سببًا واحدًا بل سلسلة حلقات تغذي بعضها: الحلقة الأولى هي الإنتاجية. حيث وثّق البنك المركزي الأوروبي، بأرقام مقارنة، أن نمو إنتاجية العمل في منطقة اليورو كان أبطأ من الولايات المتحدة خلال سنوات ما بعد الجائحة، وأن الفجوة كانت واسعة وعابرة للقطاعات. أما يوروستات فيعرض صورة أكثر برودة: إنتاجية العمل لكل ساعة في الاتحاد الأوروبي ارتفعت في ٢٠٢٤ بنحو ٠،٤٪؜ فقط، بعد انكماش في ٢٠٢٣. هذا النوع من النمو الضعيف لا يصمد أمام منافسة اقتصادات تُضاعف استثماراتها في التقنيات العميقة والرقمنة وسلاسل التصنيع المتقدمة. هنا لا تصبح التنافسية شعارًا، بل حسابًا: ف من ينتج أكثر بالقيمة في الساعة يربح في الأجور والابتكار والضرائب والقدرة على تمويل الدولة.

الحلقة الثانية هي فجوة الابتكار والتمويل. تقرير دراغي عن تنافسية أوروبا، الذي نشرته المفوضية الأوروبية في ٠٩ سبتمبر ٢٠٢٤، لخص المشكلة في جملة واحدة تقريبًا: أوروبا لم تعد تعاني من دورة ركود بل من عجز نمو مرتبط بفجوة ابتكار واستثمار. ويذهب التقرير إلى تقدير ضخم لحجم ما تحتاجه القارة سنويًا لاستعادة الزخم: ما بين ٧٥٠ إلى ٨٠٠ مليار يورو سنويًا من الاستثمار العام والخاص. هذه الأرقام ليست تقنية، بل سياسية، فهي تعني أن أوروبا لا تستطيع اللحاق إن بقيت أسواق رأس المال مجزأة، وإن بقي التمويل مخاطرة محلية بدل أن يكون قدرة قارية، وإن بقيت الشركات الناشئة تُولد في أوروبا ثم تُموَّل وتتوسع وتُدرج في أسواق خارج أوروبا.

الحلقة الثالثة هي كلفة الطاقة وتداعيات الجغرافيا السياسية. منذ صدمة أسعار الطاقة بعد الحرب الروسية الأوكرانية، دخلت قطاعات أوروبية كثيفة الاستهلاك للطاقة في مرحلة ضغط مزدوج: منافسة خارجية شديدة من منتجات أرخص طاقة، والتزام داخلي بقواعد مناخية وتنظيمية تجعل التحول مكلفًا إذا لم يقابله دعم استثماري ضخم وسريع. وهذا ما يفسر أن التنافسية الأوروبية صارت تُناقش اليوم جنبًا إلى جنب مع إصلاحات حساسة مثل نظام تداول الانبعاثات “إي تي إس” وتخفيف الأعباء التنظيمية، وهي ملفات حضرت بقوة في نقاشات القادة وفي ضغط الصناعات الأوروبية خلال قمة بلجيكا.

الحلقة الرابعة، وربما الأكثر إحراجًا، هي أن السوق الموحدة ليست موحدة بالقدر الذي يُفترض أن تمنحه ميزة حجم قاري. المفوضية الأوروبية نفسها، في تقارير السوق الموحدة والتنافسية لعامي ٢٠٢٤ ٢٠٢٥، تتحدث عن فجوات في إزالة الحواجز داخل الاتحاد، وعن ثغرات تجعل الشركات تدفع كلفة التجزئة الداخلية كما لو أنها تعمل في أسواق منفصلة وليست في سوق واحدة. ولهذا يصبح مشهد القادة وهم يجتمعون تحت عنوان سد الفجوة الاقتصادية مع المنافسين اعترافًا بأن أوروبا تخسر جزءًا من ميزتها بسبب بنيتها الداخلية، لا بسبب خصومها فقط.

واذا سألنا انفسنا: هل يمكن استرجاع التنافسية؟ نظريًا نعم، لكن عمليًا الأمر مشروط بثلاثة تحولات صعبة. أولها أن تتحول توصيات دراغي من وثيقة مرجعية إلى برنامج تمويل وتنفيذ، وهو ما حاولت المفوضية ترجمته عبر بوصلة التنافسية التي قُدمت في يناير ٢٠٢٥ كخريطة طريق لاستعادة الدينامية. ثانيها أن تُستكمل أوروبا ما لم تُنجزه منذ سنوات: سوق رأس مال قارية فعّالة، وسياسة صناعية مشتركة لا تغرق في تنافس دعمٍ وطني داخل الاتحاد نفسه. وثالثها أن تُدار المعادلة الأمنية بواقعية: لأن أوروبا التي تريد استقلالًا استراتيجيًا لا تستطيع تحقيقه بلا إنفاق دفاعي وتقنيات سيادية وطاقة أكثر أمنًا، وإلا بقيت رهينة صدمات الخارج في كل مرة يتغير فيها مزاج واشنطن أو تتصاعد فيها مخاطر روسيا أو تتشدد فيها الصين.

لكن التحدي الأكبر ليس اقتصاديًا فقط، بل سياسي. حيث الانقسام داخل الاتحاد حول “اشترِ الأوروبي” مثلًا يكشف أن وصف الدواء متفق عليه جزئيًا، لكن جرعته محل صراع: ف باريس ترى أن حماية الصناعات الاستراتيجية ضرورة، فيما تخشى دول أخرى أن يتحول ذلك إلى حمائية تُعقّد الاستثمار وتُفجر نزاعات داخلية وتضعف التزام أوروبا التجاري. وفي الخلفية يوجد عائق أعمق وهو: آليات القرار الأوروبي البطيئة، وتباين المصالح بين شمالٍ يركز على الانضباط المالي وجنوبٍ يريد مرونة استثمارية، وشرقٍ يضع الأمن قبل الصناعة أحيانًا، وغربٍ يخشى أن يُطلب منه تمويل ما لا يسيطر على قراره.

وهنا تأتي المعضلة الجيوسياسية المتمثلة في : هل ستسمح القوى العظمى لأوروبا باستعادة مكانتها؟ الحقيقة أن السؤال الأدق ليسهل ستسم، بل هل ستتسع النافذة قبل أن تُغلق. الولايات المتحدة و بحكم قوتها اقتصادياً و ريادتها للعالم، تُنافس أوروبا تجاريًا وتكنولوجيًا وتضغط عليها سياسيًا حينًا، والصين تُنافسها صناعيًا عبر وفورات الحجم ودعم الدولة، وروسيا تضغط عليها أمنيًا وتستنزفها في جوارها. في مثل هذا العالم، لا تُمنح التنافسية كهدية، بل تُنتَزع عبر قرار استثماري وسياسي صلب، وبإدارة مخاطر تجعل أوروبا أقل هشاشة أمام الصدمات: من سلاسل الإمداد إلى الطاقة إلى الأمن الرقمي.

الخلاصة أن الاتحاد الأوروبي لم يفقد تنافسيته فجأة، بل تراكمت عليه كلفة التأخر المتمثلة في: تأخر في إنتاجية العمل، وفي تحويل الابتكار إلى صناعة، وفي بناء تمويل قاري مرن، وفي خفض كلفة الطاقة دون قتل الصناعة، وفي جعل السوق الموحدة سوقًا فعلية لا شعارًا. ومع ذلك، تظل لدى أوروبا قدرات ضخمة: كتلة اقتصادية كبيرة، و قاعدة صناعية متقدمة، و سوق استهلاكي هائل، و رأس مال بشري، ومؤسسات تستطيع، إذا قررت، أن تخلق قفزة تنظيمية وتمويلية. السؤال الذي سيحكم السنوات القليلة القادمة هو: هل تتحول اجتماعات التنافسية من تشخيص إلى تنفيذ، أم يبقى الزمن أسرع من القرار، فتبدو أوروبا، كما يخشى كثيرون، غير قادرة على اللحاق بالركب في عالم لا ينتظر أحدًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى