هل تطفئ مسقط حرائق الإقليم: لماذا لا تكفي الدبلوماسية مع سياسة تُدار من تحت الرماد؟ استاذ اتوقع العنوان هذا افضل

نيويورك – خاص – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة
يبدأ المشهد من مسقط، حيث استضافت سلطنة عُمان في السادس من فبراير عام ألفين وستة وعشرين محادثات بين الولايات المتحدة وإيران بوساطة وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، في محاولة لإعادة فتح نافذة تواصل حول الملف النووي وسط مناخٍ مثقل بالتهديد والشك والتجارب المريرة. هناك، ظهر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بوصفه واجهة التفاوض، فيما قاد الجانب الأمريكي مبعوث الرئيس دونالد ترامب ستيف ويتكوف، في مشهدٍ يقدَّم كدبلوماسية لكنه يحمل في ظله تذكيرًا دائمًا بأن ما يجري ليس تفاوضًا تقنيًا على نسب تخصيب، بل تسوية مؤجلة مع نظامٍ اعتاد توسيع هامش الضغط ثم طلب تخفيف العقوبات. طبيعة المحادثات نفسها، كما نُقلت في التغطيات، عكست الخلاف على تعريف المشكلة قبل الخلاف على حلها؛ إذ تميل واشنطن إلى قراءة البرنامج النووي ضمن منظومة أشمل تشمل الصواريخ والنفوذ الإقليمي، فيما تسعى طهران إلى حصر العنوان في النووي ورفع العقوبات، وكأن المنطقة التي اشتعلت على امتداد سنوات لم تكن إحدى نتائج هذا النفوذ بل “تفصيلًا” خارج الطاولة. غير أن ما يجعل مسقط خبرًا يتجاوز حدود غرفة التفاوض هو أنه يأتي فوق خريطة سياسية وأمنية صنعتها طهران ببطء، وبمنطقٍ واحد: بناء النفوذ عبر الوكلاء، وتغذية الانقسام داخل الدول الهشة، ثم تحويل الدولة نفسها إلى ساحة تفاوض. وفي اللحظة التي تعود فيها إيران إلى طاولة مع الولايات المتحدة، فإن كثيرين في الشرق الأوسط لا يرون أمامهم “دولة تفاوض”، بل مشروعًا أرهق المنطقة بالحروب بالوكالة، واستبدل فكرة الجوار بفكرة الامتداد، وفكرة الدولة بفكرة الميليشيا، وفكرة الاستقرار بمنطق الردع والابتزاز. وجود علي خامنئي في الخلفية هنا ليس تفصيلًا شكليًا، لأنه يمثّل مركز الثقل الذي يربط الملف النووي بفلسفة توسع أمني وإيديولوجي لا تعترف بحدود سياسية ثابتة إلا بقدر ما تسمح به مصلحة النظام. ومن خلف مسقط أيضًا، كانت إسرائيل حاضرة بوضوح. رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كثّف رسائله ولقاءاته مع الجانب الأمريكي قبيل المحادثات، مستندًا إلى الفكرة ذاتها التي تنزع الشرعية الأخلاقية عن “الوعود الإيرانية”: إيران تفاوض لتخفيف الضغط، ثم تُعيد تشغيل شبكة نفوذها عندما تتنفس اقتصاديًا. هذه ليست رواية دعاية فقط، بل قراءة تتغذى من تجربة طويلة شهدت فيها المنطقة كيف تُستخدم فترات الانفراج لإعادة التموضع. لذلك يصبح الاختلاف بين واشنطن وتل أبيب في الدرجة لا في الجوهر: كلاهما يريد منع إيران من امتلاك قدرة نووية، لكنهما يختلفان في حدود ما يمكن الوثوق به، وفي مدى الربط بين النووي والمنظومة الإقليمية التي تديرها طهران. ولأن إيران لم تُزعج المنطقة بنصوص الاتفاقات بقدر ما أزعجتها بفعلها على الأرض، فإن الإشارة إلى العراق لم تعد هامشًا في السرد، بل أصبحت قلبه. فالخبر العراقي الأحدث يُظهر كيف تتحول الدولة إلى مرآة مباشرة للتوتر الأمريكي الإيراني: أزمة أمريكية عراقية حادة تفجرت على خلفية مقترح تعيين نوري المالكي رئيسًا للوزراء، وهو اسم رفضته واشنطن رفضًا قاطعًا، ليس فقط بسبب ماضيه السياسي، بل بسبب ما تعتبره الولايات المتحدة صلاته الوثيقة بإيران وبقوى مسلحة موالية لها داخل العراق. الرئيس دونالد ترامب خرج بتصريحات علنية تهدد بوقف الدعم الأمريكي للعراق إذا عاد المالكي إلى رئاسة الحكومة، واعتبر عودته “خيارًا سيئًا للغاية” يعيد البلاد إلى الفوضى، في تدخل مباشر يعكس حجم القلق من أن تتحول بغداد مجددًا إلى نقطة ارتكاز لطهران في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. والأهم، أن الاعتراض لم يبقَ في مستوى التصريح السياسي فقط؛ إذ تحدثت تغطيات موثوقة عن رسالة من السفارة الأمريكية في بغداد نُقلت إلى قادة عراقيين تحذر من تداعيات عودة المالكي، وتصف ذلك بأنه سيُنظر إليه سلبًا بسبب قربه من إيران والميليشيات الموالية لها، وهو ما جعل الأمر يبدو كإنذار رسمي لا مجرد نصيحة. هنا بالذات تتجسد الفكرة التي دمّرت العراق وأضعفت دولًا أخرى: إيران لا تكتفي بالتأثير السياسي التقليدي، بل صنعت—أو على الأقل رعت وموّلت ووجّهت—شبكات ميليشياوية تحولت إلى قوى داخل الدولة، بعضها مصنف أمريكيًا كمنظمات إرهابية أو مرتبط بفيلق القدس التابع للحرس الثوري، ما يجعل اختيار رئيس حكومة في بغداد مرتبطًا مباشرة بالسؤال الأكبر: هل العراق دولة ذات قرار، أم مساحة توازن تُدار من خارجها؟ وليس العراق حالة منفصلة، بل نموذج من سلسلة. فالتقارير الأمريكية الرسمية تتحدث صراحة عن شبكات دعم مرتبطة بالحرس الثوري وفيلق القدس لصالح جماعات مسلحة في العراق مثل كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق، وعن فرض عقوبات على داعمين لهم، في اعتراف ضمني بأن المشكلة ليست “خلافًا سياسيًا” بل بنية نفوذ تتغذى من المال والسلاح والغطاء الأيديولوجي، وتُستخدم لإبقاء الدولة في حالة توتر دائم مع محيطها ومع شركائها الدوليين. وبينما يُطلب من العراقيين بناء دولة، تُترك على الأرض منظومات سلاح تمسك بالقرار الأمني وتفرض سقوف السياسة، وهو بالضبط ما يجعل المنطقة ترى السياسة الإيرانية سياسة تفكيك لا سياسة شراكة. أما سوريا، فهي المثال الأكثر قسوة على الثمن الإنساني والسياسي لتدخل إيران. هناك لم يكن التدخل الإيراني “موقفًا”، بل انخراطًا عسكريًا وأمنيًا واسعًا عبر الحرس الثوري وميليشيات متعددة الجنسيات وبالتعاون مع حزب الله، ضمن مشروع هدفه تثبيت نظام حليف ولو على أنقاض مجتمع كامل. ولأن سوريا كانت ساحة تتقاطع فيها المصالح الدولية والإقليمية، فقد تحولت إلى مختبر لتكتيك إيراني أصبح مألوفًا: دعم عسكري مباشر، بناء تشكيلات محلية وخارجية، ترسيخ وجود طويل الأمد، ثم تحويل البلاد إلى ممر نفوذ وساحة رسائل. كثيرون في المنطقة لا يرون في هذا “دعمًا لحليف”، بل مساهمة مباشرة في تدمير الدولة السورية وتفكيك نسيجها الاجتماعي ودفعها إلى مسار انهيار طويل، كانت كلفته على السوريين أولًا وعلى الإقليم لاحقًا، من موجات لجوء إلى صعود التطرف إلى إعادة إنتاج العنف. ولهذا تحديدًا تبدو محادثات مسقط، مهما قُدمت بوصفها “فرصة”، عاجزة عن محو الركام السياسي الذي خلفته إيران في المنطقة. فالمشكلة التي تُقابلها واشنطن وحلفاؤها، ويعيشها العرب قبل غيرهم، ليست فقط جهاز طرد مركزي أو نسبة تخصيب، بل فلسفة دولة تعتبر أن أمنها يتحقق عندما تكون عواصم الآخرين أقل سيادة، وأن وزنها الإقليمي يتعاظم كلما ازدادت الدول المحيطة هشاشة. وعندما تُطالَب المنطقة بأن تصدق “حسن النية” في ملف نووي، تتذكر أن حسن النية لم يظهر يومًا في بغداد حين صارت الميليشيا أقوى من القانون، ولا في دمشق حين صارت الحرب بالوكالة وسيلة حكم، ولا في بيروت حين صارت الدولة تتحدث بلسانين تحت ظل قوة مسلحة مرتبطة بطهران. إن أخطر ما في السياسة الإيرانية ليس أنها تناور مع أمريكا، بل أنها جعلت شعوب المنطقة تدفع ثمن هذه المناورة. التفاوض يصبح قناعًا مؤقتًا، والعقوبات تصبح أداة ضغط، لكن الضحية الدائمة تبقى هي الدولة العربية الهشة التي تُمزَّق من الداخل. ومن مسقط إلى بغداد إلى دمشق، يظهر السؤال نفسه بصيغة واحدة: هل تريد طهران أن تكون دولة طبيعية تُحترم بقدر ما تحترم سيادة الآخرين، أم أنها لا تعرف البقاء إلا كمنظومة توسّع تزرع الأذرع ثم تفاوض على نتائجها؟




