هل تعصف رياحُ السفنِ التي اقتادت مادورو إلى العزل والمحاكمة.. على عكس ما يريده النظام الإيراني؟

الإيرانيين إلى تكثيف حراكهم الاجتماعي، مؤكداً أنه معهم “على الأرض”صورة من: Fars News Agency/AP/picture alliance

 

 

نيويورك – زينة بلقاسم – عين اليمن الحر

تحكي الذاكرةُ السياسيةُ حكاياتٍ عن عواصمَ كانت تظنّ أن البحر بعيدٌ عن أسوارها، ثم تفاجأت بأن سفينةً واحدة تغيّر مزاج المرافئ كلّها.
تقول الحكايةُ إن حاكمًا كان يسخر من “الشائعات” حتى استيقظ يومًا على خبرٍ لم يتخيله الناسُ إلا في الكتب: اقتيادُ خصمٍ كبيرٍ على حين غفلة، ثم تحوّلُ الواقعة إلى سابقةٍ تُقاس عليها التهديدات.كان الرواة في أسواق المدن القديمة يضحكون من طرفةٍ سوداء: رجلٌ يبالغ في الوعيد حتى صار الناس لا يخافون العصا بقدر ما يخافون “أن يعتادها” الحاكم أداةً للحكم. وفي ليلةٍ واحدة لم يُجلَد أحد، ولم تُغلق مدينة، ولم تُحاصَر دار… ومع ذلك تغيّر كل شيء، لأن الشائعة قالت إن الحاكم “قد يفعل”، فصار الاحتمالُ واقعًا يعيش في الرؤوس قبل أن يمشي في الشوارع. هكذا تعمل السوابق: لا تُرعبك بما فعلته فقط، بل بما جعلته ممكنًا بعد ذلك.

بهذا المعنى، دخلت إيران أسبوعها الثاني من احتجاجاتٍ معيشية في مطلع كانون الثاني/يناير من عام ألفين وستة وعشرين، بينما يتصاعد فوقها سقفٌ من التهديدات والخطوط الحمراء والرسائل المتبادلة. فالأزمة لم تعد طبقةً واحدة يمكن احتواؤها ببيانٍ أو اعتقالٍ أو منحةٍ طارئة، بل طبقات متراكبة فوق نارٍ واحدة: نار الاقتصاد الذي يضغط على البيوت، ونار الأمن الذي يرى في كل موجةٍ اختبارًا لهيبة الدولة، ونار الدبلوماسية التي تحاول أن تمنع الشارع من التحول إلى بوابة صراعٍ خارجي، ثم نار “السوابق” التي جاءت من بعيد لكنها صارت جزءًا من حسابات طهران وخصومها.

الشرارة التي أعادت تعريف “حدود الممكن” لم تكن إيرانية أصلًا. ففي الأيام الأولى من كانون الثاني/يناير من عام ألفين وستة وعشرين انفجر جدلٌ دولي واسع بعد عمليةٍ أميركية انتهت بقبض قوات خاصة على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك، ثم انتقال السجال إلى الأمم المتحدة بوصف العملية “سابقة خطِرة” تمس مبدأ السيادة وشرعية استخدام القوة.

بالنسبة لطهران، لم يكن هذا الخبر بعيدًا؛ فمادورو يُقدَّم حليفًا سياسيًا، والأهم أن الواقعة نفسها أعطت للتهديدات معنىً أثقل: حين يحدث ما كان يُعدّ مستحيلًا، تصبح التهديدات اللاحقة أقلَّ قابلية للتجاهل، وأكثر قدرة على تغيير السلوك حتى قبل أن تُترجم إلى فعل.

على الأرض الإيرانية، بدأت الاحتجاجات على خلفية تدهورٍ اقتصادي وارتفاع الأسعار وانزلاق العملة، ثم اتسعت سريعًا وتحوّلت من بؤرٍ محدودة إلى موجةٍ أوسع. وفي الرابع من يناير ٢٠٢٦ نقلت “رويترز” عن شبكاتٍ حقوقية، بينها “هرانا” و“هِنغاو”، أن ما لا يقل عن ١٦ شخصًا قُتلوا خلال أسبوعٍ من الاحتجاجات، مع مئات الاعتقالات.

وترافقت هذه الحصيلة مع روايةٍ أخرى أشد قسوة عن طبيعة الاشتباكات: تقارير إعلامية أشارت إلى أن أعنف المواجهات تركزت في مناطق بغرب البلاد، بينما شهدت العاصمة طهران ومناطق في الوسط وإقليم بلوشستان في الجنوب احتجاجاتٍ واشتباكات متفرقة. و قد غيّر هذا الاتساع الجغرافي شكل الأزمة: فهو ينزع عنها صورة “الحدث المحلي” ويمنحها ملامح موجةٍ وطنية تتغذى من اقتصادٍ متعثر ومن شعورٍ عام بأن الخدمات والقدرة الشرائية تتآكلان معًا.

في مواجهة هذا التمدد، برزت اللغة الأمنية بوصفها الطبقة الأكثر صخبًا. فبحسب “رويترز”، قال قائد الشرطة الإيراني أحمد رضا رادان إن قوات الأمن كانت تستهدف “قادة” الاحتجاجات للاعتقال خلال اليومين السابقين، مضيفًا أن “عددًا كبيرًا من قادة الفضاء الافتراضي” قد جرى توقيفهم.

و ليست هذه الجملة تفصيلًا عابرًا؛ اذ إنها تعبير عن إدراك رسمي أن الاحتجاجات لم تعد تُدار فقط عبر الشارع، بل عبر منصات التواصل ومساحات التنظيم الرقمية، وأن المعركة، في نظر الدولة ،صارت أيضًا معركة على سرديةٍ تتحرك في الهواتف بقدر ما تتحرك على الأرصفة.

وهنا تلتقي طبقة الأمن بطبقة الرواية. ففي النص الذي أرسلته، يرد أن رادان تحدث عن اعترافاتٍ تفيد بتلقي بعض الموقوفين أموالًا “بالدولار”. في محاولة اتهام من وصفهم “محرضين” و“شبكات” و“عناصر مرتبطة بالخارج” حاضر بقوة في تغطيات عدة.

أما الطبقة الأميركية، فقد جاءت في توقيتٍ حساس زاد من توتر المشهد. ففي الثاني من يناير ٢٠٢٦، نشر الرئيس الأميركي دونالد ترامب تصريحًا قال فيه إن الولايات المتحدة ستأتي “لإنقاذ” المتظاهرين إذا “قُتلوا بعنف”، مستخدمًا عبارة تُقرأ كإيحاءٍ بجاهزيةٍ تتجاوز الإدانة السياسية المعتادة.

وبحسب “أكسيوس”، عُدّ هذا التهديد أول موقف أميركي رسمي من موجة الاحتجاجات، مع تحذير من أنه قد يُستخدم داخل إيران لتغذية رواية “تدخل الأعداء” حتى لو كان الهدف المعلن ردع القمع.

ردُّ طهران لم يكن أقل حدة. فقد نقلت “الغارديان” أن مسؤولين إيرانيين، بينهم وزير الخارجية عباس عراقجي ومستشارون بارزون، وصفوا التدخل بأنه “خط أحمر” وتوعدوا بردٍّ قاسٍ إذا جرى المساس بالأمن القومي، مع تلميحاتٍ إلى أن أي تدخل سيعرّض المصالح الأميركية في المنطقة للخطر.

وفي روايةٍ موازية حملتها تقارير أخرى، ظهر خطابٌ يقول إن واشنطن لا “تقلق” على الإيرانيين بقدر ما تبحث عن نافذة ضغط، وهي فكرةٌ تكررت أيضًا في مواد وكالة “تسنيم” التي هاجمت “التصريحات التدخلية” الأميركية ضمن سياق التوتر بعد فنزويلا.

وسط هذه المواجهة الكلامية، جاءت من إسرائيل إشارةٌ صغيرة لكنها محمّلة بدلالة السوابق. فقد نقل “ميدل إيست آي” أن زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد كتب تعليقًا يدعو قادة إيران إلى “الانتباه جيدًا لما يحدث في فنزويلا”.

و ليست هذه خطةً عسكرية بحد ذاتها، لكنها رسالة سياسية: فحين تربط شخصية إسرائيلية بارزة إيران بما جرى في كراكاس، فهي تقول إن ما كان بعيدًا يمكن أن يقترب، وإن زمن الاكتفاء بالتصريحات قد يكون آخذًا في التبدل.

ولا يمكن فصل هذا التلميح عن ذاكرةٍ قريبة جدًا في واشنطن وتل أبيب. ففي السابع من يوليو ٢٠٢٥ تحدثت تقارير، بينها “تايمز أوف إسرائيل” نقلًا عن “أكسيوس”، عن زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن بعد نحو أسبوعين من وقف إطلاق نار أنهى حربًا جوية بين إسرائيل وإيران استمرت اثني عشر يومًا، وفي مناخٍ نوقشت فيه، وفق “أكسيوس”، فكرة أن ترامب قد يمنح “ضوءًا أخضر” لهجمات جديدة في ظروف معينة إذا تعثرت المسارات المتعلقة بالملف النووي الإيراني.

هذه الإحالة مهمة لأنها تُظهر أن “الحديث عن جولة ثانية” ليس وليد هذه الأيام، بل جزء من ذاكرة صراعٍ حديث، وأن أي تهديد أميركي بالتدخل حتى لو صيغ تحت عنوان الاحتجاجات يُقرأ في المنطقة على خلفية تلك الذاكرة وضمن حسابات أوسع من “حماية المتظاهرين” فقط.

وفوق كل ذلك، يأتي تهديد ترامب في الثاني من كانون الثاني/يناير ليضيف طبقة خارجية قابلة للاشتعال، وردّ إيران بوصف التدخل خطًا أحمر ليضيف طبقة ردعٍ مضاد، ثم تلميح لابيد بفنزويلا ليذكّر بأن السوابق تغيّر لغة الممكن.

الخطر في هذا التراكم ليس في حدثٍ واحد، بل في طريقة تفاعل الطبقات حيث كلما ارتفع التهديد الخارجي، أمكن للسلطة أن تُحاجج بأن القبضة ضرورية لحماية السيادة، وكلما اشتدت القبضة وسقط قتلى، ارتفع الضغط الدولي وازدادت شهية التدخل اللفظي وربما السياسي، وكلما اتسع الحديث عن التدخل، تغذت رواية “التمويل والتحريض” التي تُستخدم لتجفيف التعاطف مع الاحتجاجات. وبين هذه الدائرة، قد تضيع حقيقة البداية: أن الناس خرجوا لأن الغلاء يعضّ، ولأن العملة تتهاوى، ولأن “الحياة اليومية” صارت معركة بحد ذاتها.

وفي النهاية، لا يعود السؤال: كم مدينة خرجت اليوم؟ ولا كم اعترافًا بُثّ غدًا؟ بل هل تستطيع الأطراف منع السابقة من أن تصبح قاعدة لأن ما حدث في فنزويلا لم يعد خبرًا منفصلًا، بل صار ظلًا يمر فوق إيران، وتهديدات الرئيس الامريكي “ دونالد ترامب” جعلت ذلك الظل أكثر قربًا، والرد الإيراني جعله أكثر كلفة، والرسائل الإسرائيلية جعلته أكثر التباسًا بين “التدخل لحماية متظاهرين” و“الاستفادة من اضطراب داخلي”. وعندما تختلط العناوين، تصبح الحادثة الصغيرة قادرة على إشعال نارٍ كبيرة، لا لأن أحدًا أراد الحرب بالضرورة… بل لأن طبقات النار تراكبت حتى لم تعد تعرف أين يبدأ الدخان وأين ينتهي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى