ميونيخ ٢٠٢٦: ثقة التحالف مفقودة و الامن الأطلسي على المحكّ

موينخ – نيويررك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة
يفتتح مؤتمر ميونيخ للأمن دورته الثانية والستين في فبراير ٢٠٢٦ وسط مناخ لم يعد فيه الخلاف عبر الأطلسي تفصيلاً دبلوماسياً، بل موضوعاً مركزياً للنقاش. أكثر من ستين رئيس دولة وحكومة ومئات الوزراء وقادة الجيوش وخبراء الأمن يجتمعون في بافاريا، لكن السؤال الذي يهيمن على القاعات ليس فقط مستقبل أوكرانيا أو الردع في وجه روسيا، بل مستقبل العلاقة الأمريكية–الأوروبية نفسها: هل نحن أمام إعادة توازن عادلة داخل الحلف، أم أمام شرخ يتوسع تحت ضغط الأزمات؟
الضغط الأمريكي هذا العام ليس مفاجئاً ولا جديداً بالكامل. فمنذ قمة ويلز عام ٢٠١٤، اتفقت دول حلف شمال الأطلسي على تخصيص ما لا يقل عن ٢٪ من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي بحلول ٢٠٢٤. لكن التنفيذ ظل متفاوتاً. ووفق بيانات الناتو المحدثة حتى ٢٠٢٥، لا تزال عدة دول أوروبية دون هذا السقف، رغم أن الحرب في أوكرانيا دفعت كثيرين إلى زيادات كبيرة. في المقابل، تنفق الولايات المتحدة ما يتجاوز ٣٪ من ناتجها المحلي على الدفاع، وتمثل وحدها ما يقارب ثلثي إجمالي الإنفاق الدفاعي داخل الحلف. هذه الأرقام تفسر جوهر الموقف الأمريكي: إذا كان الناتو تحالفاً أمنياً مشتركاً، فمن المنطقي أن تتقاسم دوله أعباءه بصورة أكثر توازناً.
من المنظور الأمريكي، المسألة لا تتعلق بالمال وحده، بل بالعدالة الاستراتيجية. فالولايات المتحدة تنشر عشرات الآلاف من الجنود في أوروبا، وتتحمل كلفة بنية تحتية عسكرية واسعة، وتوفر مظلة ردع نووي تمتد إلى القارة بأكملها. ومع تصاعد المنافسة مع الصين في المحيطين الهندي والهادئ، ترى واشنطن أن توزيع الموارد بات ضرورة استراتيجية، لا ترفاً سياسياً. لا يمكن للولايات المتحدة – وفق هذا المنطق – أن تبقى الضامن شبه الحصري لأمن قارة يبلغ ناتجها الاقتصادي مجتمِعاً نحو ١٦ تريليون دولار، بينما تواجه في الوقت ذاته تحديات في آسيا والشرق الأوسط وسلاسل الإمداد العالمية.
في ميونيخ، يقود وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الوفد الأمريكي حاملاً هذه الرسالة بوضوح: أوروبا مطالبة بأن تصبح أكثر قدرة على الدفاع عن نفسها، ليس لإضعاف الناتو بل لتعزيزه. فحلف قوي لا يقوم على اعتماد غير متكافئ، بل على شراكة متوازنة. هذا الطرح يجد صداه حتى داخل أوروبا نفسها؛ فالمستشار الألماني فريدريش ميرتس دعا إلى “إحياء الثقة” عبر الأطلسي، لكنه أقرّ في الوقت ذاته بأن أوروبا تحتاج إلى مضاعفة جهودها الدفاعية، لأن “أوروبا القوية تعني ناتو أقوى”.
ومع ذلك، يبقى التحدي الأوروبي معقداً. فرفع الإنفاق إلى ٢٪ ليس قراراً محاسبياً فقط، بل تحولاً سياسياً واجتماعياً داخل دول تواجه ضغوطاً اقتصادية، وتفاوتاً في أولويات الرأي العام، واختلافاً في تقييم مستوى التهديد. دول شرق أوروبا ترى في روسيا خطراً مباشراً يبرر الإنفاق السريع، بينما تميل دول أخرى إلى مقاربة أكثر حذراً. لكن الحرب في أوكرانيا منذ ٢٠٢٢ غيّرت الحسابات تدريجياً، وأعادت الصناعات الدفاعية الأوروبية إلى الواجهة بعد عقود من الانكماش.
إضافة إلى ملف الدفاع، يطفو على السطح جدل آخر يلامس عمق الثقة: قوانين الاتحاد الأوروبي لمكافحة الأخبار المضللة وتنظيم المنصات الرقمية، والتي تنتقدها دوائر أمريكية بوصفها قد تمس حرية التعبير. هنا يتقاطع الأمن العسكري مع الأمن القيمي، ويصبح التحالف الغربي في اختبار مزدوج: هل يستطيع إدارة خلافاته التنظيمية دون أن تتحول إلى أزمة سياسية أوسع؟
ثم تأتي قضية غرينلاند وتصريحات سابقة للرئيس ترامب بشأن أولويتها للأمن القومي الأمريكي، لتذكّر الأوروبيين بأن الجغرافيا القطبية عادت إلى قلب التنافس الدولي. هذه التصريحات، حتى وإن أُعيد تأطيرها دبلوماسياً، عمّقت شعوراً أوروبياً بأن الولايات المتحدة قد تتخذ قرارات استراتيجية كبرى دون تنسيق كامل مع الحلفاء، ما يزيد حساسية النقاش حول الاستقلالية الأوروبية.
لكن إذا نُظر إلى الصورة بواقعية باردة، فإن طلب الولايات المتحدة من الشركاء الأوروبيين تحمل نصيب أكبر من التكلفة لا يبدو مطلباً خارج المنطق. في التحالفات، الاستدامة ترتبط بتوازن الالتزامات. وعندما تتحمل دولة واحدة العبء الأكبر لعقود، فإن إعادة التوزيع تصبح مسألة بقاء للتحالف نفسه، لا مجرد ورقة ضغط تفاوضي. إن تقاسم الأعباء لا يعني انسحاباً أمريكياً، بل يعني تحديثاً لعقد أمني وُضع في سياق الحرب الباردة ويحتاج إلى إعادة صياغة في سياق تعدد الأقطاب.
السؤال الذي يخرج به مؤتمر ميونيخ هذا العام ليس إن كان الغرب سيبقى متحالفاً، بل كيف سيبقى كذلك. هل تتحول المطالبة الأمريكية بزيادة الإنفاق الدفاعي إلى فرصة لإعادة بناء صناعة دفاع أوروبية قوية ضمن إطار الناتو؟ أم تتحول إلى سردية انقسام تُستغل داخلياً في الضفتين؟
في عالم يتجه إلى استقطاب حاد بين الولايات المتحدة والصين، ويشهد حرباً مفتوحة في أوكرانيا، وتنافساً متزايداً في القطب الشمالي، لا تملك أوروبا ترف التردد، ولا تملك واشنطن ترف الاستمرار في التمويل غير المتكافئ. التحالف الأطلسي اليوم أمام معادلة دقيقة: عدالة في التمويل مقابل استمرارية في الضمان، قوة أوروبية أكبر داخل الناتو لا خارجه، وتحديث للعلاقة لا تفكيك لها.
ميونيخ ٢٠٢٦ قد لا يحسم كل شيء، لكنه يضع الأساس لسؤال جوهري: هل يستطيع الغرب إعادة توزيع أعبائه دون أن يفقد تماسكه.



