مصافي الظل في حضرموت … حرب اليمن و الاقتصاد الموازي

نيويورك – زينة بلقاسم – عين اليمن الحر
تداولت وسائل إعلام مؤخرا أخبارا عن ضبط منشآت تكرير نفطي غير مرخصة في حضرموت في واقعة أعادت فتح ملف شديد الحساسية في اليمن وهو كيف تتحول الموارد الطبيعية إلى اقتصاد ظل حين تتراجع سلطة الدولة وتتعدد مراكز القوة وحين يصبح الوقود سلعة حياة يومية ووسيلة ضغط سياسي ورافعة تمويل في آن واحد فوجود مصاف بدائية أو مرافق تكرير تعمل خارج الأطر الرسمية لا يقرأ بوصفه مخالفة تقنية فقط بل كعلامة على أن سلسلة كاملة من الأنشطة يمكن أن تنمو في الفراغ تبدأ من الحصول على الخام أو المخلفات النفطية مرورا بالنقل والتخزين والتكرير العشوائي وصولا إلى تسويق المشتقات داخل الأسواق المحلية أو عبر مسارات تهريب مع ما يصاحب ذلك من مخاطر بيئية وأمنية وخسائر على المال العام وتشويه للسوق القانونية
في البيئات المستقرة أي نشاط من هذا النوع يصطدم سريعا بجدار الرقابة والقانون لكن في اليمن حيث الحرب أعادت تشكيل الجغرافيا السياسية والاقتصادية يصبح السؤال الأهم ما الذي يجعل مثل هذه الأنشطة ممكنة بل مغرية الجواب يتشكل من عناصر تتغذى على بعضها ندرة الإمدادات أو اضطرابها تفاوت الأسعار بين المناطق ووجود مساحات رمادية في إنفاذ القانون حين يضعف انتظام الإمداد الرسمي ترتفع قيمة أي وقود متاح مهما كانت جودته وحين تتباين الأسعار بين منطقة وأخرى بفعل الانقسام الإداري وتعدد قنوات الجباية يصبح الوقود مجالا مثاليا للمضاربة والتهريب وحين لا تكون هناك سلطة واحدة قادرة على ضبط الطريق من المنبع إلى المستهلك تظهر شبكات قادرة على العمل بين الشقوق تشتري هنا وتنقل هناك وتكرر في مكان ناء ثم تبيع في سوق عطشى للوقود
وبحسب ما توضحه تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن المقدمة إلى مجلس الأمن على مدى سنوات فإن النزاعات الممتدة تخلق اقتصادات حرب تتسع فيها أنشطة التهريب والجبايات غير القانونية وتتحول فيها الموارد والسلع الأساسية إلى مصادر تمويل ونفوذ وتتكون فيها شبكات مصالح تستفيد من استمرار الانقسام وضعف الرقابة هذا الإطار لا يحدد مسؤولية واقعة بعينها لكنه يضع القاعدة العامة الوقود في مناطق النزاع ليس مجرد سلعة بل أحد مفاتيح التمويل والسيطرة ولذلك يكون عرضة للاستغلال بطرق متعددة كلما طال أمد الحرب وتراجعت قدرة المؤسسات
وعند النظر إلى حضرموت تحديدا تزداد الصورة تعقيدا بسبب الجغرافيا والمساحة وتعدد المسارات وبعد بعض المناطق عن مراكز الرقابة إضافة إلى حساسية المحافظة اقتصاديا لكونها من مناطق إنتاج الموارد ومرور خطوط النقل ما يجعل أي خلل في الرقابة أو أي تداخل في الصلاحيات فرصة لقيام نشاط غير قانوني دون أن يلفت الانتباه بسرعة وفي مثل هذه الحالات لا تكون المصافي البدائية مجرد معدات بل جزءا من منظومة تشمل الإمداد والحماية والتسويق لأن التكرير وحده بلا شبكة توزيع لا يحقق أرباحا كبيرة وبلا قدرة على الحركة لا يصمد أمام أي متابعة أمنية
غير أن قراءة هذا الملف بمعزل عن طبيعة الحرب اليمنية تنتج صورة ناقصة فاليمن يعيش نزاعا طويلا تداخلت فيه السلطات الفعلية وتعددت فيه الجهات المتحكمة بالأرض والنقاط والمعابر ما خلق واقعا متشظيا في إدارة الموارد والضرائب والرقابة وجود الحكومة المعترف بها دوليا لا يعني بالضرورة أن يدها تصل إلى كل نقطة إنتاج وكل طريق نقل كما أن تعدد القوى المحلية يجعل الترخيص الواقعي أحيانا أقوى من الترخيص القانوني من يملك السيطرة على نقطة أو طريق قد يملك القدرة على السماح أو المنع أو على الأقل على فرض إتاوة وغض طرف وفي مثل هذا المشهد لا تحتاج الشبكات غير القانونية إلى حماية مركزية معلنة يكفيها أن تجد ثغرة هنا وتساهلا هناك وفسادا فرديا في موضع ما أو قدرة على شراء الصمت فتتحول الثغرات المتفرقة إلى مسار تجاري متماسك
ومن حيث المبدأ فإن استمرار الصراع بين الأطراف اليمنية المختلفة يسهم بطريقة غير مباشرة في توسيع البيئة الحاضنة لاقتصاد الظل لأن كل طرف ينشغل بأولويات الأمن والسيطرة والتمويل بينما تتراجع الأولويات الرقابية الشاملة وفي هذا المناخ تصبح تجارة الوقود ومشتقاته مساحة مثالية لتشابك المصالح بين التجاري والسياسي فالمشتقات ليست فقط سلعة تباع وتشترى بل هي ما يشغل النقل والكهرباء والخدمات وبالتالي ما يمنح أي جهة قدرة على التأثير المباشر في حياة الناس وأسعار السوق وإيقاع الاحتجاجات والتهدئة
وقد أشارت تقارير صحفية يمنية وعربية في تناولها لملف السوق السوداء والمنافذ غير المنضبطة إلى أن تعدد نقاط العبور وتداخل السلطات على بعض الطرق والسواحل يفتح الباب أمام تدفقات وقود خارج القنوات القانونية ويصعب معها الفصل بين تاجر يعمل بمنطق الربح فقط وبين وسيط نفوذ وبين من يوفر الحماية أو يفرض الإتاوة كما أن كثيرين من المتابعين يلفتون إلى أن اقتصاد الوقود في اليمن يتأثر بفوارق الأسعار بين مناطق السيطرة وباضطراب سلاسل الإمداد وبوجود قنوات توزيع غير رسمية تتسع كلما تراجع الضبط المؤسسي
لكن الموضوعية تفرض الحذر من الانزلاق إلى اتهام جهة بعينها على نحو قاطع دون تحقيقات معلنة وأدلة قابلة للتحقق فمصافي التكرير البدائي يمكن أن تكون وراءها شبكات ربحية تبحث عن الفارق السعري أو مجموعات محلية صغيرة أو واجهات تجارية أو عناصر نافذة تستغل ضعف الرقابة وقد تتقاطع مصالحها مع أطراف مختلفة في أوقات مختلفة وفي البيئات المنقسمة قد يحدث أن تدفع الشبكات إتاوات لأكثر من طرف وتشتري المرور من جهة والحماية من جهة أخرى وتستفيد من أن كل طرف لديه ما يشغله عن بناء منظومة ضبط شاملة لذلك فإن تحويل القضية إلى مادة لتصفية الحسابات السياسية قد يضيع جوهرها تفكيك الشبكات المالية واللوجستية التي تجعل هذا النشاط قابلا للتكرار
أما عن الأطراف الخارجية المحتملة التي قد تسهم أو تستفيد من مثل هذه الأنشطة فالأدق الحديث عن أنماط محتملة للتداخل الخارجي بدل تسمية دولة أو جهة على سبيل الجزم النمط الأول استفادة تجارية غير مباشرة عبر وسطاء وشبكات نقل وتجار إقليميين يتعاملون مع سوق رمادية مستفيدين من اضطراب الأسعار وارتفاع الطلب وقد يعملون عبر واجهات أو سلاسل توريد غير شفافة النمط الثاني رعاية عبر وكلاء حيث قد تميل أطراف إقليمية إلى تمكين حلفاء محليين عبر تسهيلات لوجستية أو غض طرف أو قنوات تمويل غير مباشرة تجعل سوق الوقود مصدرا للسيولة والنفوذ النمط الثالث اقتصاد تهريب عابر للحدود شبكات لا تعمل تحت راية دولة بعينها بقدر ما تعمل بمنطق الربح لكنها قد تتقاطع مع مصالح نافذين في أكثر من مكان فتتحول إلى منظومة تتغذى على الفوضى وتعيد إنتاجها
والخطر لا يتوقف عند سؤال من يقف خلفها لأن الأضرار تمتد إلى حياة الناس وسلامتهم فالتكرير البدائي غالبا ينتج مشتقات رديئة ويرتبط بمخاطر حرائق وانفجارات ويلوث الهواء والتربة والمياه ويخلق سوقا تنافس القنوات الرسمية وتفقد الدولة إيرادات هي في أمس الحاجة إليها وتزيد الضغط على المواطن الذي يدفع في النهاية ثمن الوقود مرتين مرة في السعر ومرة في تدهور الخدمات والاستقرار ومع الوقت يصبح اقتصاد الظل أكثر جاذبية من الاقتصاد القانوني لأنه أسرع وأقل كلفة رقابية ما لم تغلق الفجوة التي تسمح له بالازدهار
ولهذا فإن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تختزل في حملات ضبط مؤقتة مهما كانت ضرورية المطلوب منظومة متكاملة تبدأ بتتبع مصدر الخام أو المخلفات التي تكرر وضبط مسارات النقل والتخزين وإغلاق الثغرات التي تسمح بتكوين سلاسل توريد غير شرعية وتعزيز الرقابة المالية والقضائية على الشبكات التي تمول وتشتري وتوزع لا على المعدات وحدها كما أن تقليل الفوارق السعرية قدر الإمكان عبر سياسات أكثر اتساقا وتحسين انتظام الإمدادات القانونية ورفع الشفافية في إدارة الموارد كلها خطوات تضرب أساس الربح السهل الذي تقوم عليه السوق السوداء والأهم من ذلك كله هو استعادة الحد الأدنى من وحدة القرار الرقابي لأن السوق لا تخضع لخطابات متفرقة بقدر ما تخضع لقواعد واحدة نافذة
وبالتالي فإن الحديث عن مصافي غير شرعية في حضرموت ليس خبرا محليا محدودا بل نافذة تكشف ما تفعله الحروب بالدول حين تتعدد السلطات وتتشابك الولاءات وتتراجع المؤسسات تظهر صناعات ظل تقتات على الفوضى وتطيل عمرها والسؤال الذي يبقى مفتوحا خارج اليمن أيضا هو إذا كانت بيئة الحرب تخلق أسواقا موازية بهذا الشكل فماذا عن مناطق عربية أخرى تعيش هشاشة أمنية أو انقساما سياسيا أو ضعفا في الرقابة وهل نملك أدوات مبكرة تمنع تحويل مواردنا إلى اقتصاد ظل قبل أن تتضخم الشبكات وتصبح أقوى من الدولة وإذا حدث ذلك كيف ستكون المعاملة الدولية والإقليمية معنا هل سيكون الهدف دعم الاستقرار وبناء المؤسسات أم إدارة الفوضى باعتبارها فرصة نفوذ ومصالح.




