ليبيا تودّع ٢٠٢٥ بانقسام حكومي تعثر الدولة و سقوط الطائرة وتعثر الدولة

رئيس أركان الجيش الليبي الفريق أول محمد علي الحداد

 

نيويورك – زينة بلقاسم  – ألأمم المتحدة

غادر رئيس الأركان العام الليبي أرض تركيا الحليفة في زيارة رسمية، فلم يعد إلى بلاده إلا خبراً على شريط عاجل وصور لحطام طائرة متناثرة كما وصلت ليبيا إلى نهاية سنة سياسية وأمنية واقتصادية ثقيلة، إلى جانب حكومتان متنازعتان تتجادلان على الشرعية، ونفط يُستخدم ورقة ضغط، أما المهاجرون الذين يريدون الهروب منها لملاذات آمنة فيواصلون الارتماء في البحر. كل هذه الاحداث شكلت مرآةً لوضع بلد يودّع عاماً مضطرباً ويستقبل عاماً جديداً وهو معلّق بين الأمل والانهيار، كما تلخّص ذلك تقارير صادرة عن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وعدة مراكز أبحاث إقليمية.

جاء تحطّم الطائرة التي كانت تقلّ رئيس الأركان العام في طرابلس الفريق محمد علي أحمد الحداد وعدداً من كبار الضباط المرافقين له في أجواء العاصمة التركية بعد وقت قصير من إقلاعها في طريق العودة، ليشكّل لحظة صادمة داخل ليبيا وخارجها. تحدّثت البيانات الرسمية عن عطل مفاجئ دفع الطائرة إلى طلب العودة الاضطرارية قبل أن تختفي من شاشات الرادار، ثم تتابعت الأنباء عن سقوطها في منطقة ريفية، وإعلان الحداد في البلاد لعدة أيام على رحيل قائد كان يُنظر إليه كأحد أعمدة مسار توحيد المؤسسة العسكرية بين الشرق والغرب والجنوب، وفق ما أشارت إليه تقارير إعلامية عربية ودولية. هذه الحادثة، حتى مع ترجيح فرضية الخطأ الفني، كرّست إحساساً عاماً بأنّ ليبيا تدخل سنة جديدة وهي تفقد واحداً من أعصابها الحساسة في لحظة تحتاج فيها إلى كلّ ما تبقّى من أعصاب هادئة.

في الخلفية الأعمق للمشهد، لم يكن غياب الحداد مجرد خبر حزين، بل كاشفاً لمدى هشاشة البناء السياسي والعسكري القائم. فالمؤسسة العسكرية لم تكتمل وحدتها بعد، واللجان المشتركة التي رعتها مبادرات أممية وإقليمية ما زالت تعمل على خطوط تماس عديدة، فيما الواقع السياسي قائم على ازدواجية واضحة: حكومة في طرابلس تستند إلى اتفاقات سابقة ودعم من أطراف دولية، وحكومة موازية في الشرق تستند إلى مجلس نيابي وقوة مسلحة تفرض حضورها على جزء واسع من الإقليم. هذا الانقسام لا يترجم فقط خريطةً سياسية متنازعة، بل ينعكس في مؤسسات مالية منفصلة، وأجهزة أمنية متوازية، وخطابات متضادة حول شرعية القرارات ومرجعية العقود، كما نبّهت إلى ذلك تقارير أصدرها خبراء من مراكز أبحاث عربية ودولية معنية بالوضع الليبي.

بالتوازي مع هذا الانشطار في قمة السلطة، تحوّل النفط مرة أخرى إلى قلب اللعبة، لا إلى رافعة للخروج منها. ساحل الهلال النفطي شرقي البلاد شهد موجات متكرّرة من الإغلاق ووقف التحميل، قادتها مجموعات محليّة وقبلية ترفع شعارات مرتبطة بتوزيع الثروة والشفافية في إدارة العائدات. كل إغلاق لمرفأ، وكل تعطيل لناقلة، كان يعني عملياً خسارة مئات آلاف البراميل يومياً بحسب تقديرات اقتصادية نُشرت في تقارير لمؤسّسات مالية دولية، ويعني أيضاً رسالة سياسية تقول إن من يمسك بالموانئ يمسك بخنّاق الميزانية العامة، وأنّ أي حكومة لا تستطيع ضبط هذا الملف ستظل أسيرة تفاهمات مؤقتة مع مراكز القوى على الأرض.

وتشابكت هذه الأزمة الاقتصادية مع أبعاد إقليمية أكثر تعقيداً؛ إذ ظهرت معطيات، أشارت إليها تقارير تابعة لخبراء في مجلس السلم والأمن في القارة الأفريقية، عن استخدام مطارات في الجنوب الشرقي كنقاط عبور لأسلحة ومقاتلين متجهين إلى نزاع دموي في دولة مجاورة، في الوقت الذي تحدّثت فيه تقارير سياسية وإعلامية عن صفقات تسليح نوعية لصالح قوى عسكرية في الشرق، رغم استمرار قرارات صادرة عن مجلس الأمن في الأمم المتحدة تدعو بوضوح إلى ضبط تدفق السلاح إلى ليبيا. هكذا وجدت البلاد نفسها ليست فقط ساحة صراع داخلي، بل عقدة في شبكة نزاعات أوسع، تمرّ عبرها خطوط الإمداد والتأثير، وتتقاطع فوق أرضها مصالح عواصم متعددة.

على خط مواز، ظل البحر المتوسط شاهداً صامتاً على كلفة هذا التعثّر. فالسواحل الليبية بقيت واحدة من أبرز منصات الانطلاق لقوارب الهجرة غير النظامية نحو الضفة الشمالية، حيث يستمر آلاف المهاجرين واللاجئين في محاولة عبور البحر بحثاً عن حياة أكثر أمناً. بيانات صادرة عن منظمات إنسانية دولية، من بينها منظمات معنية بالهجرة واللاجئين، أشارت إلى اعتراض كثير من هذه القوارب من قبل خفر السواحل وإعادة الركّاب إلى الموانئ الليبية، بينما انتهى مصير قوارب أخرى في قاع البحر، أو على شواطئ قريبة مع جثث منتشلة وناجين يروون قصص العطش والابتزاز والانتظار الطويل في مراكز احتجاز توصف في تقارير الأمم المتحدة بأنها مكتظّة وغير مهيّأة. بهذا المعنى، أصبحت ليبيا نقطة تقاطع بين مأساة مواطنيها ومأساة المارّين فوق ترابها في الطريق إلى حلم بعيد.

في المدن والبلدات، لم تهدأ تماماً أصوات الرصاص. اشتباكات متقطّعة بين تشكيلات مسلّحة متنافسة، وعمليات اغتيال موضعية، ونزاعات على النفوذ في أحياء بالعاصمة ومدن أخرى، كلها كانت تشي بأنّ التوازن القائم أقرب إلى هدنة مسلّحة منه إلى سلام حقيقي. تحليلات صادرة عن مراكز بحث ليبية وإقليمية وصفت اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة بأنها مظلة ضرورية لكنها هشّة، يمكن أن تتمزق بمجرد اختلال في توازن الدعم الخارجي أو في تقاسم النفوذ على الأرض، وأن رحيل شخصية عسكرية مركزية في الغرب يزيد من حساسية هذه المعادلة في نظر أطراف عديدة.

وراء هذا كله تعمل منظومة المحاصصة كخيط غير مرئي، لكنها حاضرة في أدق تفاصيل تشكيل الحكومات وتوزيع المناصب السيادية. كلما اقترب الحديث عن حكومة جديدة أو تعديل في هياكل السلطة، برز سؤال الحصص: أي إقليم يحصل على أي حقيبة، وأي مدينة تُمنح مقعداً في مجلس معيّن، وأي قوة مسلّحة تحظى بموقع في المؤسسات الرسمية. ومع اقتراب نهاية السنة، بدا المشهد وكأنّ أطرافاً عدة تفضّل إطالة أمد الفراغ أو إبقاء الحكومات في حالة تصريف أعمال، إلى أن تضمن تموضعها في أي صيغة مقبلة، ولو كان الثمن مزيداً من الشلل في الخدمات العامة وتأجيل الاستحقاقات الانتخابية، كما جاء في خلاصات تقارير صادرة عن بعثة الأمم المتحدة وكبار المبعوثين الدوليين إلى ليبيا.

في هذا السياق الملبّد، أخذ سقوط طائرة الحداد بعد مغادرة العاصمة التركية بعداً رمزياً يتجاوز حدود الحادثة ذاتها. فالرحلة كانت جزءاً من تعاون عسكري بين دولة منقسمة وجيش لم يكتمل توحيده من جهة، وحليف إقليمي يمتلك نفوذاً في ملفات الطاقة والأمن والتوازنات الداخلية من جهة أخرى. رحيل هذا الرجل في توقيت حرج جعل كثيرين داخل ليبيا يتساءلون: إذا كانت الدولة غير قادرة على حماية رأس مؤسستها العسكرية في سفر رسمي، فهل هي قادرة على حماية الحدود والمنشآت والمواطنين في لحظات الأزمات؟ هذا السؤال لم يأتِ من باب التشكيك التقني في أسباب السقوط بقدر ما جاء من شعور بأنّ البلاد تدخل عامها الجديد وهي تفقد ركناً من أركان الصورة التي كان يُراد لها أن تُقدَّم للعالم على أنها «ليبيا السائرة نحو توحيد الجيش»، كما كانت تصوّرها تصريحات رسمية وتقارير دبلوماسية سابقة.

أمام هذا المشهد المركّب، لا تبدو الإجابات سهلة، لكنها أيضاً ليست مستحيلة. داخلياً، بات واضحاً أن استمرار ازدواجية السلطة لم يعد يمكن تسويقه كحل مؤقت، بل تحوّل إلى جزء من المشكلة. من دون قاعدة دستورية متفق عليها، وانتخابات عامة تؤسس لشرعية موحّدة، سيبقى كل تشكيل حكومي جديد مجرّد إعادة ترتيب للكراسي في القاعة نفسها، مع تغيير محدود في الوجوه والأسماء، من دون تغيير حقيقي في اتجاه السفينة. توحيد المؤسسات المالية، وعلى رأسها المصرف المركزي والجهات المعنية بإدارة العائدات النفطية، خطوة أخرى لا غنى عنها لإغلاق واحدة من أكبر بوابات الفساد وسوء التوزيع التي تغذي مناخ الاحتقان في الشرق والغرب والجنوب، كما شدّدت على ذلك تقارير خبراء اقتصاد تابعين لمؤسسات مالية دولية.

أمّا على المستوى الأمني، فإنّ تكرار الحديث عن دمج التشكيلات المسلحة في مؤسسات نظامية لن يصبح واقعاً ما لم تقترن الكلمات بخطة زمنية واضحة، وبضمانات سياسية واقتصادية للفئات التي تعتمد على اقتصاد السلاح كوسيلة عيش. الدمج لا يعني مكافأة كل من حمل السلاح، لكنه يعني فتح باب للخروج من منطق الميليشيا إلى منطق المؤسسة، وإلا بقيت المدن رهائن لموازين القوى الميدانية. سقوط رئيس الأركان في نهاية هذه السنة يمكن أن يكون إشارة إلى ضرورة الإسراع بهذا المسار، لا سبباً لتجميده بحجة الفراغ القيادي، كما لمّحت إلى ذلك تحليلات عسكرية ليبية ودولية.

خارجياً، تقع مسؤولية كبيرة على عاتق القوى التي تتعامل مع ليبيا بوصفها ورقة في صراعات الطاقة والهجرة والتوازن الإقليمي. استمرار ضخ السلاح والمال إلى أطراف متنافسة، مع رفع شعارات دعم الاستقرار في الوقت نفسه، يجعل من كل حديث دولي عن «حل ليبي ليبي» مجرّد عبارة جميلة تخفي وراءها تناقضات حقيقية. إذا أراد المجتمع الدولي فعلاً أن يرى ليبيا تستقبل سنواتها المقبلة بأقل قدر من الفوضى، فعليه أن يلتزم بدعم مسار واحد واضح تقوده بعثة الأمم المتحدة، لا مسارات متوازية لكلّ منها رعاتها وحساباتها الخاصة، كما جاء في أكثر من تقرير صادر عن مجلس الأمن وتقارير المبعوثين الخاصين.

ومع دنوّ نهاية سنة مضطربة واستقبال سنة جديدة، تبدو ليبيا وكأنها تقف عند مفترق طرق حقيقي: إمّا استمرار الجمود واستنساخ حكومات محاصصة تزدحم فيها الأسماء وتتضاءل فيها القدرة على الفعل، وإمّا جرأة في اتخاذ خطوات موجعة لكنها ضرورية، نحو توحيد الشرعية وإعادة تعريف العلاقة بين الثروة والسلطة والسلاح. سقوط طائرة في سماء بعيدة قد يكون حدثاً عابراً في سردية أمم كبيرة، لكنه في الحالة الليبية يشبه المرآة التي عكست كل التناقضات دفعة واحدة: بلد يملك ما يكفي لينجو، وواقع سياسي وأمني يفعل كل ما يلزم تقريباً لكي يتعثّر. والسؤال الذي سيحمله العام المقبل ليس عن تفاصيل التحقيق الفني في الحادثة، بل عن قدرة الليبيين وشركائهم في الإقليم والعالم على منع سقوط جديد، هذه المرّة ليس لطائرة واحدة، بل لفكرة الدولة نفسها. زينة بلقاسم: المقال ٧٠

أمام هذا المشهد المركّب، لا تبدو الإجابات
سهلة، لكنها أيضاً ليست مستحيلة. داخلياً، بات واضحاً أن استمرار ازدواجية السلطة لم يعد يمكن تسويقه كحل مؤقت، بل تحوّل إلى جزء من المشكلة. من دون قاعدة دستورية متفق عليها، وانتخابات عامة تؤسس لشرعية موحّدة، سيبقى كل تشكيل حكومي جديد مجرّد إعادة ترتيب للكراسي في القاعة نفسها، مع تغيير محدود في الوجوه والأسماء، من دون تغيير حقيقي في اتجاه السفينة. توحيد المؤسسات المالية، وعلى رأسها المصرف المركزي والجهات المعنية بإدارة العائدات النفطية، خطوة أخرى لا غنى عنها لإغلاق واحدة من أكبر بوابات الفساد وسوء التوزيع التي تغذي مناخ الاحتقان في الشرق والغرب والجنوب، كما شدّدت على ذلك تقارير خبراء اقتصاد تابعين لمؤسسات مالية دولية.أمّا على المستوى الأمني، فإنّ تكرار الحديث عن دمج التشكيلات المسلحة في مؤسسات نظامية لن يصبح واقعاً ما لم تقترن الكلمات بخطة زمنية واضحة، وبضمانات سياسية واقتصادية للفئات التي تعتمد على اقتصاد السلاح كوسيلة عيش. الدمج لا يعني مكافأة كل من حمل السلاح، لكنه يعني فتح باب للخروج من منطق الميليشيا إلى منطق المؤسسة، وإلا بقيت المدن رهائن لموازين القوى الميدانية. سقوط رئيس الأركان في نهاية هذه السنة يمكن أن يكون إشارة إلى ضرورة الإسراع بهذا المسار، لا سبباً لتجميده بحجة الفراغ القيادي، كما لمّحت إلى ذلك تحليلات عسكرية ليبية ودولية.

خارجياً، تقع مسؤولية كبيرة على عاتق القوى التي تتعامل مع ليبيا بوصفها ورقة في صراعات الطاقة والهجرة والتوازن الإقليمي. استمرار ضخ السلاح والمال إلى أطراف متنافسة، مع رفع شعارات دعم الاستقرار في الوقت نفسه، يجعل من كل حديث دولي عن «حل ليبي ليبي» مجرّد عبارة جميلة تخفي وراءها تناقضات حقيقية. إذا أراد المجتمع الدولي فعلاً أن يرى ليبيا تستقبل سنواتها المقبلة بأقل قدر من الفوضى، فعليه أن يلتزم بدعم مسار واحد واضح تقوده بعثة الأمم المتحدة، لا مسارات متوازية لكلّ منها رعاتها وحساباتها الخاصة، كما جاء في أكثر من تقرير صادر عن مجلس الأمن وتقارير المبعوثين الخاصين.

ومع دنوّ نهاية سنة مضطربة واستقبال سنة جديدة، تبدو ليبيا وكأنها تقف عند مفترق طرق حقيقي: إمّا استمرار الجمود واستنساخ حكومات محاصصة تزدحم فيها الأسماء وتتضاءل فيها القدرة على الفعل، وإمّا جرأة في اتخاذ خطوات موجعة لكنها ضرورية، نحو توحيد الشرعية وإعادة تعريف العلاقة بين الثروة والسلطة والسلاح. سقوط طائرة في سماء بعيدة قد يكون حدثاً عابراً في سردية أمم كبيرة، لكنه في الحالة الليبية يشبه المرآة التي عكست كل التناقضات دفعة واحدة: بلد يملك ما يكفي لينجو، وواقع سياسي وأمني يفعل كل ما يلزم تقريباً لكي يتعثّر. والسؤال الذي سيحمله العام المقبل ليس عن تفاصيل التحقيق الفني في الحادثة، بل عن قدرة الليبيين وشركائهم في الإقليم والعالم على منع سقوط جديد، هذه المرّة ليس لطائرة واحدة، بل لفكرة الدولة نفسها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى