لماذا لا يُعد إعلان “الانتقالي” إعلاناً دستورياً؟

 

بقلم / إبراهيم ناجي

يثير توصيف المجلس الانتقالي الجنوبي لإعلانه الصادر في عدن بوصفه «إعلاناً دستورياً» تساؤلات قانونية جوهرية، تتجاوز الجدل السياسي الآني إلى صلب مفاهيم الشرعية الدستورية وحدود السلطة في الدولة اليمنية.. فالمسألة لا تتعلق بالمواقف السياسية من المجلس الانتقالي بقدر ما تتعلق بدقة استخدام مصطلح قانوني شديد الخصوصية مثل «الإعلان الدستوري».

في الفقه الدستوري، لا يُطلق وصف الإعلان الدستوري إلا على تصرف سيادي يصدر عن سلطة تمتلك الاختصاص التأسيسي، أي السلطة التي تستمد مشروعيتها مباشرة من الإرادة الشعبية العامة، ويظهر هذا النوع من الإعلانات عادة في حالات انهيار النظام الدستوري كلياً، أو في ظروف انتقالية يتعذر فيها العمل بالدستور القائم، شريطة وجود قبول وطني واسع، وتمثيل غير إقصائي، وطابع مؤقت واضح.

وبإسقاط هذه المعايير على الحالة اليمنية، يتبين أن المجلس الانتقالي الجنوبي لا يستوفي الشروط اللازمة لإصدار إعلان دستوري بالمعنى القانوني.. فالدستور اليمني، رغم ما يعتري تطبيقه من اختلالات بسبب النزاع، لم يُلغَ بقرار سيادي جامع، كما أن السلطة التأسيسية لا تزال، من حيث المبدأ، ملكاً للشعب اليمني بأكمله، لا لفصيل أو مكوّن سياسي واحد، مهما بلغ حضوره أو سيطرته الميدانية.

ولا يغيّر من هذا الواقع توصيف المجلس الانتقالي لنفسه بوصفه ممثلاً للقضية الجنوبية، إذ إن التمثيل السياسي، في المنطق الدستوري، لا يُفترض ولا يُعلن ذاتياً، بل يُكتسب عبر تفويض شعبي صريح، عادة من خلال انتخابات عامة أو استفتاء حر، وفي غياب هذا التفويض، يغدو أي ادعاء بممارسة سلطة تأسيسية ادعاءً سياسياً لا سند له قانوناً.

من زاوية القانون الدولي، تزداد هشاشة توصيف الإعلان بوصفه دستورياً.. فاليمن ما يزال معترفاً به دولياً كدولة واحدة ذات سيادة، وتؤكد قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة على وحدة أراضيه وشرعية مؤسساته المعترف بها، كما أن حق تقرير المصير، الذي يُستدعى كثيراً في هذا السياق، لا يُمارس عبر إعلانات أحادية، بل عبر مسارات قانونية معترف بها دولياً، تتطلب تمثيلاً شاملاً، وإجراءات ديمقراطية، وغالباً إشرافاً دولياً.

وعليه، فإن الإعلان الصادر عن المجلس الانتقالي، من منظور قانوني بحت، لا يُنتج أثراً دستورياً داخلياً ولا دولياً، ولا يرقى إلى مستوى الإعلان الدستوري، بل يظل في أفضل توصيفاته إجراءً سياسياً تنظيمياً صادراً عن سلطة أمر واقع، يهدف إلى إدارة مناطق نفوذها وفق تصورها الخاص.

إن الخلط بين الواقع السياسي والمشروعية القانونية يحمل مخاطر جسيمة، أبرزها إضعاف مفهوم الدستور ذاته، وتحويله إلى أداة خطابية تُستخدم لتكريس موازين القوة بدلاً من تنظيمها. وفي بلد يعاني من حرب وانقسام عميقين مثل اليمن، تزداد الحاجة إلى الدقة في استخدام المفاهيم الدستورية، لا إلى توسيعها بما يخدم اللحظة السياسية.

وفي الخلاصة، فإن توصيف إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي بأنه «إعلان دستوري» يفتقر إلى الأساس القانوني، سواء على المستوى الوطني أو الدولي، وتبقى أي عملية دستورية حقيقية في اليمن مرهونة بمسار جامع، يستند إلى الإرادة الشعبية، ويعيد الاعتبار لمفهوم الشرعية بوصفه قاعدة للتوافق، لا انعكاساً لتوازنات القوة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى