غرينلاند… هل تكون شرخًا في قلب التحالف الغربي

صورالجزيرة من فيسبوك

 

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة

لم تبدأ أزمة غرينلاند كحدث مفاجئ، بل كفكرة قديمة أُعيد إحياؤها في توقيت دولي بالغ الحساسية. فمنذ سنوات، تنظر الولايات المتحدة إلى غرينلاند باعتبارها أكثر من إقليم نائي قليل السكان؛ فهي نقطة ارتكاز جغرافية في القطب الشمالي، وممر محتمل لصواريخ عابرة، ومخزن هائل لمعادن نادرة تدخل في صميم الصناعات العسكرية والتكنولوجية. هذه الرؤية، التي عبّر عنها سابقًا الرئيس الأميركي “دونالد ترامب” خلال ولايته الأولى، عادت بقوة مع بداية ٢٠٢٦، لكن عودتها هذه المرة لم تعد محصورة في التصريحات، بل تحولت إلى مسار تصعيدي متكامل سياسيا واقتصاديا وإعلاميا.

ففي الأسابيع الأخيرة، انتقلت الفكرة من نقاش استراتيجي إلى ضغط علني، حين ربط الرئيس الأميركي ملف الجزيرة بشكل مباشر بالأمن القومي الأمريكي، ثم لوّح باستخدام أدوات اقتصادية قاسية ضد أوروبا. بدأها بالإعلان عن فرض ١٠٪؜ ضرائب جمركية جديدة ابتداء من شهر فبراير، مع التهديد بمضاعفتها في حال استمرار الرفض الأوروبي لأي نقاش حول “تسليم أو بيع” الجزيرة، شكّل نقطة تحول حاسمة. هنا، لم يعد الخلاف حول غرينلاند بحد ذاته، بل حول مشروعية استخدام الاقتصاد كسلاح ضغط بين حلفاء يفترض أنهم يشكلون كتلة واحدة في مواجهة التحديات العالمية.

تزامن هذا التصعيد مع انعقاد المنتدى الاقتصادي الأكبر “دافوس”، الذي يُفترض أن يكون منصة لتنسيق الرؤى حول مستقبل الاقتصاد العالمي. إلا أن المفارقة أن دافوس هذا العام تحوّل إلى مسرح لتبادل رسائل حادة بين القادة الغربيين. بدلاً من النقاش حول النمو والتكنولوجيا والمناخ، طغى ملف غرينلاند على الكواليس والمنصات، وظهرت الخلافات إلى العلن. ربطت تصريحات صدرت من مسؤولين أميركيين، القضية بسلاسل الإمداد والمعادن الاستراتيجية وضرورة منع الصين وروسيا من التمدد في القطب الشمالي، في حين رأت العواصم الأوروبية أن هذا الخطاب يتجاهل مبدأ السيادة ويؤسس لسابقة خطيرة داخل التحالف الغربي.

الرد الأوروبي الذي لم يتأخر، جاء هذه المرة أكثر تنظيما وحدّة. حيث لوّحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بإمكانية تفعيل ما يُعرف بـ“البازوكا الاقتصادية”، وهي أداة مكافحة الإكراه الاقتصادي تسمح للاتحاد الأوروبي بالرد على أي ضغط تجاري يُستخدم لفرض تنازلات سياسية أو سيادية. لم يكن هذا التهديد رمزيا، بل رسالة واضحة بأن أوروبا مستعدة للانتقال من الدفاع اللفظي إلى المواجهة الاقتصادية إذا استمر النهج الأميركي. دعم هذا الموقف سياسيون أوروبيون بارزون، بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي اعتبر أن المساس بغرينلاند ليس شأنا تقنيا أو اقتصاديا، بل يُعَدُّ اختبارا لمستقبل القواعد التي قام عليها النظام الغربي بعد الحرب العالمية الثانية.

و في خضم هذا السجال، ظهرت محاولات أميركية لاحتواء التصعيد. إذ خرج رئيس مجلس النواب الأميركي مايك جونسون في مقابلات إعلامية داعيا إلى التهدئة، موجها رسائل مباشرة إلى البرلمانات الأوروبية، وخصوصا البريطانية، لتجنب الانزلاق إلى قطيعة سياسية. إلا أن هذه الدعوات جاءت متأخرة نسبيا، بعد أن دخلت التهديدات الاقتصادية حيّز التداول العلني، وبعد أن أصبح الملف مادة يومية في الإعلام العالمي.

أما داخل غرينلاند نفسها، فقد تغيّر الخطاب بشكل ملحوظ. فالجزيرة التي اعتادت التعبير عن مواقفها بلغة هادئة، شهدت في الأيام الأخيرة لهجة أكثر حدة. فجدّدَ مسؤولون غرينلانديون ودنماركيون رفضهم القاطع لأي مساس بالسيادة، وذهب بعضهم إلى التحذير من الاستعداد للدفاع عن البلاد إذا فُرض عليها أي أمر واقع. هذا التحول يعكس شعورا متزايدا بأن ما يجري لم يعد مجرد ضغط سياسي، بل مساس مباشر بحق تقرير المصير.

الأخطر في كل ذلك أن الأزمة لم تعد محصورة بين واشنطن وبروكسل، بل بدأت تأخذ أبعادا جيوسياسية أوسع. أي تصدع داخل التحالف الغربي يراقبه الخصوم عن كثب. روسيا، باعتبارها قوة قطبية رئيسية، والصين، الساعية إلى موطئ قدم اقتصادي ولوجستي في الشمال، تملكان مصلحة واضحة في إضعاف وحدة الموقف الغربي. ومع كل تصريح متشنج أو تهديد متبادل، تتآكل صورة “الجبهة الموحدة” التي طالما شكلت أحد أعمدة الردع الغربي.

في جوهر الأزمة، لا تتعلق المسألة بغرينلاند وحدها، بل بالسؤال الأكبر: كيف تُدار العلاقات بين الحلفاء في عصر يتقدم فيه منطق القوة والمصالح الصلبة على حساب القواعد التقليدية؟ و يعتبر كثير من المراقبين يتقدمهم أمريكيون ان استخدام الضرائب والتهديدات الاقتصادية داخل المعسكر نفسه يفتح الباب أمام نمط جديد من العلاقات، و هو ما قد يمتد إلى ملفات أخرى كالدفاع والطاقة والتكنولوجيا. وإذا استمر هذا المسار، فإن غرينلاند قد تُسجَّل في التاريخ لا كجزيرة جليدية، بل كنقطة تحوّل كشفت هشاشة التوازنات داخل العالم الغربي، ومهّدت لمرحلة يعاد فيها تعريف معنى التحالف والسيادة والأمن المشترك.

وتقع جزيرة جرينلاند بين منطقتي القطب الشمالي والمحيط الأطلسي، شمال شرق كندا، وعلى الرغم من أنها على المستوى الجغرافي الطبيعي والعرقي، تنتمي إلى منطقة القطب الشمالي؛ إذ إنها تعد جزءًا من قارة أميركا الشمالية، فإنها تتبع لمملكة الدنمارك في القارة الأوروبية، وتتمتع بالحكم الإداري الذاتي منذ العام 1979.

وإلى جانب كونها أكبر جزيرة في العالم، فهي أيضًا تعتبر ثاني أكبر صفيحة من الجليد على سطح الكوكب بعد القارة القطبية الجنوبية، التي تعرف باسم الـ«أنتارتيكا».

ويبلغ عدد سكان الجزيرة 57 ألف نسمة فقط، والمسيحية هي ديانتهم الرئيسية، وهم يتحدثون الدنماركية والغرينلاندية، ويعانون من مشاكل اجتماعية من بينها إدمان الكحول بسبب طول فترة الشتاء القاسي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى