عام تفتيتِ اليمن: كيف أعادتْ خلافاتُ الجنوبِ رسمَ خريطةِ اليمن وعلَّقتْ مستقبلَه على حبلِ المجهول؟

FYE- HN –

 

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة

 

بقلم ✍️ - زينة بلقاسم -
بقلم ✍️- زينة بلقاسم –

 

 

مثّل عامُ ألفين وخمسةٍ وعشرينَ منعطفاً حادّاً في تاريخِ اليمن الحديث، إذ لم يبدُ مجرّد سنةٍ إضافيةٍ في عمرِ الحربِ الطويلة، بل سنةً لإعادةِ رسمِ الخرائطِ وموازينِ القوى. وأظهرَ مسارُ الأحداث أن البلادَ ابتعدت عن أفقِ التسويةِ الشاملة، واقتربت من تعميقِ الانقساماتِ داخلَ المعسكرِ المناهِضِ للحوثيين، حيث تحوّل الجنوبُ إلى ساحةِ صراعٍ بين المجلسِ الانتقاليِّ الجنوبيِّ بقيادةِ عيدروس الزبيدي، والمجلسِ الرئاسيِّ المعترفِ به دوليّاً برئاسةِ رشاد العليمي، بينما واصل الحوثيون تثبيتَ نفوذِهم في الشمالِ مستفيدين من تنازعِ خصومِهم وتقاطعِ التدخلاتِ الإقليميةِ المتنافسة.

أفادت تقاريرٌ تحليليةٌ متخصّصةٌ عن «مستقبلِ اليمن بعد توسُّعِ المجلسِ الانتقاليِّ جنوباً وشرقاً» وعن «تغيّرِ توازنِ القوى في الجنوب» بأنّ عامَ ألفين وخمسةٍ وعشرين شهد انتقالاً من خلافاتٍ سياسيةٍ قابلةٍ للاحتواءِ إلى إعادةِ هندسةٍ فعليةٍ لمراكزِ القوى على الأرض. وقد بيّنت تلك الدراساتُ أنّ المجلسَ الانتقاليَّ لم يعُد مجرّدَ شريكٍ في مجلسِ القيادةِ الرئاسي، بل أصبح طرفاً يمتلكُ قواتٍ منظَّمةً وسيطرةً ترابيةً واسعة، ويحملُ مشروعاً سياسياً مغايراً لمشروعِ «الدولةِ اليمنيةِ الواحدة»، بما جعل التوترَ بين عدنَ والقوى الداعمةِ لكلِّ معسكرٍ عنصراً بنيويّاً في تشكيلِ مستقبلِ البلاد، لا أزمةً عابرة تُعالَج بتعديلٍ حكوميٍّ أو تسويةٍ سطحية.

شكّل الهجومُ العسكريُّ الذي شنّتْه قواتُ المجلسِ الانتقاليِّ في شهرِ كانونِ الأوّل ذروةَ هذه التحوّلات؛ إذ تقدّمت تلك القواتُ في محافظاتِ حضرموت والمهرة وأبين، وبسطت نفوذَها على معظمِ جنوبِ اليمن. وذكرت تحليلاتٌ نشرتْها منصّاتٌ بحثيةٌ وصحفٌ دوليةٌ أنّ الجنوبَ وقع فعليّاً تحت سيطرةِ تيارٍ مؤيِّدٍ للسيادةِ الجنوبية، وأنّ عيدروس الزبيدي تبنّى خطاباً يرفضُ أيَّ صيغةِ شراكةٍ حقيقيةٍ مع السلطةِ المركزية، ما دفع عواصمَ إقليميةً ودوليةً إلى إعادةِ ترتيبِ تحالفاتِها وحساباتِها. كما أوضح رشادُ العليمي ومسؤولون آخرون أنّ هذا المسارَ يضعُ سلطةَ الدولةِ على حافّةِ الانهيار، ويُغلق أبوابَ الاستثمارِ وإعادةِ الإعمارِ حتى في المناطقِ البعيدةِ عن خطوطِ النار.

أبرز المشهدُ مفارقةً لافتةً تمثّلت في أنّ الطرفينِ كانا يجلسانِ حتى وقتٍ قريبٍ إلى الطاولةِ نفسِها في إطارِ مجلسِ القيادةِ الرئاسي، ثم مال ميزانُ القوّةِ سريعاً لصالحِ المجلسِ الانتقاليِّ الذي استند إلى بنيةٍ عسكريةٍ وأمنيةٍ أقوى في الجنوب، وإلى دعمٍ سياسيٍّ وإقليميٍّ واضحٍ من قوى داعمةٍ لعيدروس الزبيدي، فانتقل عمليّاً من موقعِ الشريكِ إلى موقعِ الندِّ المنافس، بل إلى مشروعٍ سياسيٍّ مستقلٍّ يسعى لفرضِ نفسه كأمرٍ واقع. وقد أدّى هذا التحوّلُ إلى فتحِ البابِ واسعاً أمام «جيوسياسيةِ التقسيم» في الموانئِ وحقولِ الطاقةِ وخطوطِ النقل، بما جعل التجارةَ والأمنَ في المنطقةِ أكثرَ تفتّتاً وأقلَّ قابليةً للإدارةِ المركزية.

أظهر التأثيرُ الإقليميُّ والاقتصاديُّ للخلافاتِ اليمنيةِ عمقَه في حصيلةِ عامِ ألفين وخمسةٍ وعشرين؛ إذ استفادت قوى إقليميةٌ داعمةٌ للمجلسِ الانتقاليِّ من حالةِ التقسيم لتعزيزِ نفوذِها في جنوبِ اليمن، ولا سيّما في الموانئِ الإستراتيجيةِ مثل عدنَ والمكلا، بما منحها أوراقاً إضافيةً في التحكّمِ بمساراتِ التجارةِ العالميةِ والبحرِ الأحمرِ والمحيطِ الهندي. وقد أشارت تقاريرُ أخرى إلى أنّ إيران استثمرت الشقاقَ داخلَ المعسكرِ المناهِضِ لها عبر تعميقِ دعمِها للحوثيين في الشمال، ما أضعف الجبهةَ المقابلة، وحوّل بعضَ خطوطِ التماسِ إلى جبهاتٍ مجمّدةٍ لا تسمحُ بحسمٍ عسكريٍّ واضح.

أوقع هذا المشهدُ القوى الإقليميةَ الداعمةَ لمعسكرِ رشاد العليمي في معادلةٍ أشدَّ تعقيداً؛ إذ وجدت تلك القوى نفسها أمام أطرافٍ متنافسةٍ على الأرض بدلاً من حليفٍ واحدٍ واضحِ المعالم، وأمام تهديداتٍ أمنيةٍ متزايدةٍ في نطاقِ نفوذِها المباشرِ بسبب استمرارِ قوّةِ الحوثيين في الشمالِ والوسط. وحذّرت دراساتٌ تناولت «الصراعَ في اليمن والبحرَ الأحمر» من أنّ استمرارَ التفتيتِ قد يفاقمُ اضطراباتِ الشحنِ في البحرِ الأحمرِ وبابِ المندب، ويرفعُ تكاليفَ التأمينِ والنقلِ البحريِّ باتجاهِ أوروبا والولاياتِ المتحدة، ويجعلُ دولاً مجاورةً مثل عُمانَ والصومالِ أكثرَ عرضةً للصدماتِ الارتدادية، بالتزامنِ مع إعادةِ رسمِ طرقِ التجارةِ العالميةِ حول أفريقيا لتفادي نقاطِ الاختناق.

حوّلت هجماتُ الحوثيين على السفنِ في البحرِ الأحمر الأمنَ البحريَّ إلى سلاحٍ جيوسياسيٍّ خلالَ عامِ ألفين وخمسةٍ وعشرين؛ إذ لم تعُد تلك الهجماتُ مجرّدَ تكتيكٍ عسكريٍّ محدود، بل غدت محوراً لتجاذبِ قوى إقليميةٍ ودولية. وقد أفادت تقاريرٌ صادرةٌ عن معاهدَ متخصِّصةٍ بالشأنِ الإستراتيجي، ناقشت «أزمةَ الشحنِ في البحرِ الأحمر بين عامي ألفينِ وأربعةٍ وعشرين وألفينِ وخمسةٍ وعشرين»، بأنّ استمرارَ الاستهدافِ أضرَّ بحركةِ التجارةِ العالمية، ودفع شركاتٍ كبرى إلى تغييرِ مساراتِها. كما رأت دراساتٌ أخرى صادرةٌ عن مراكزَ بحثيةٍ في واشنطن وأوروبا أنّ ضربَ السفنِ المرتبطةِ بأطرافٍ دوليةٍ معيّنة ينطوي على مخاطرِ انزلاقٍ إلى مواجهةٍ أوسع إذا وقع خطأٌ في الحسابِ أو ردٌّ مفرِطٌ في القوّة.

قسّم هذا الواقعُ الأمنَ في البحرِ الأحمر ومحيطِه على خطوطِ نفوذٍ متداخلة، كما بيّنت دراساتٌ صادرةٌ عن مجموعةِ الأزماتِ الدولية والمجلسِ الأوروبيِّ للعلاقاتِ الخارجية؛ إذ أشارت تلك الدراساتُ إلى إشرافِ قوى داعمةٍ للمجلسِ الانتقاليِّ على موانئ جنوبيةٍ يمنية، وإلى دعمِ قوى أخرى لمعسكراتٍ مختلفةٍ على الضفةِ الأفريقية، وإلى حضورٍ بحريٍّ دوليٍّ متزايدٍ بذريعةِ مكافحةِ القرصنةِ وحمايةِ الملاحة. وقد رسّخ هذا التشظّي فجوةَ الشمالِ والجنوب، وحوّل البحرَ ذاتَه إلى ساحةِ مساوماتٍ ورسائلِ ضغطٍ متبادلة.

فاقمت التحوّلاتُ آثارَها على المجتمعِ اليمني، كما دلّت تقاريرٌ صادرةٌ عن مبادراتِ حوارٍ ومنظماتٍ بحثيةٍ إقليميةٍ أكّدت أنّ اليمن يقف «على حافّةِ حربٍ أهليةٍ أخرى»، مع ارتفاعِ البطالةِ والفقر، وتآكلِ ما تبقّى من الطبقةِ الوسطى، وتزايدِ الهجرةِ الداخليةِ والخارجيةِ بفعل الصراعِ وتراجُعِ الخدماتِ والأزماتِ الإنسانيةِ المتكرِّرة. كما ربطت دراساتٌ أخرى عن مستقبلِ منطقةِ الشرقِ الأوسطِ وشمالِ أفريقيا في عامِ ألفين وستةٍ وعشرين بين التوتراتِ السياسيةِ في اليمن وبين التقلباتِ الاقتصاديةِ والعقوباتِ والضغوطِ على تدفّقاتِ المساعدات، بما جعل الحياةَ اليوميةَ لليمنيين أكثرَ هشاشة، وفي الوقتِ نفسِه رفع منسوبَ الوعي بأهميةِ الحلولِ المحليةِ والتسوياتِ المجتمعيةِ الصغرى.

طرحت مبادراتُ الوساطةِ المحلية نفسَها كأحدِ مساراتِ التخفيفِ من حدّةِ الأزمة، كما أوضحت دراساتٌ عن «الوساطةِ المحليةِ كجسرٍ للسلام في اليمن وليبيا والسودان»؛ إذ دعت تلك الدراساتُ إلى تمكينِ الزعاماتِ القبليةِ والمحليةِ ومنظماتِ المجتمعِ المدني من لعبِ دورٍ مباشرٍ في حلِّ النزاعاتِ على مستوى المديرياتِ والمحافظات، وتقليلِ الارتهانِ الكاملِ لمساراتِ التفاوضِ العليا التي تتعثرُ عادةً تحت وطأةِ الحساباتِ الإقليميةِ والدولية. وقد لم تُغيِّر هذه المبادراتُ الصورةَ الكبرى بعد، لكنها أثبتت أن المجتمعَ ما زال قادراً على إنتاجِ صيغِ تعايشٍ موضعيةٍ في مواجهةِ موجةِ التفتيتِ الأوسع.

طرح سؤالُ المستقبلِ نفسَه بإلحاحٍ مع اقترابِ عامِ ألفين وستةٍ وعشرين؛ إذ أشارت تقاريرٌ إخباريةٌ وتحليليةٌ إلى أنّ تحرّكاتِ المبعوثِ الخاصِّ للأمينِ العامِّ للأممِ المتحدة لليمن قد فتحت نافذةً لاحتمالِ إحياءِ مسارِ المحادثاتِ السياسية، سواء عبر محاولةِ توحيدِ الصفوفِ داخل المعسكرِ المناهِضِ للحوثيين، أو عبر استئنافِ التفاهماتِ بين القوى الداعمةِ لمعسكرِ رشاد العليمي والحوثيين برعايةٍ أممية. كما حذّرت تحليلاتٌ صادرةٌ عن الأممِ المتحدةِ ومجموعةِ الأزماتِ الدولية من أنّ الاضطراباتِ الإقليميةَ والسياساتِ المتنافسةَ للدولِ المعنيةِ بالملفِّ اليمني ما زالت قادرةً على تقويضِ فرصِ السلامِ إن لم تُضبط ضمن إطارِ تفاهماتٍ أوسع.

قدّمت مراكزٌ بحثيةٌ يمنيةٌ وإقليمية، من بينها مركزُ صنعاء للدراسات، رؤيةً لتسويةٍ مستدامةٍ تقومُ على الاعترافِ بواقعِ التعدّديةِ على الأرض، والبحثِ عن صيغةِ دولةٍ اتحاديةٍ أو لامركزيةٍ واسعةِ الصلاحيات، تمنحُ الجنوبَ والشرقَ والشمالَ ضماناتٍ حقيقية، وتحدُّ في الوقتِ نفسِه من قابليةِ البلادِ لأن تتحوّلَ إلى ساحةِ نفوذٍ مفتوحةٍ أمام كلِّ لاعبٍ خارجي. غير أنّ هذه الرؤيةَ اصطدمت حتى الآن بصعوباتٍ بنيويةٍ جسيمة: انعدامِ الثقةِ بين الأطراف، وتعارُضِ أجنداتِ القوى الإقليميةِ الداعمةِ لكلِّ معسكر، وغيابِ مركزِ قرارٍ موحّدٍ في كثيرٍ من المكوّنات، وتنامي اقتصادِ الحربِ الذي يستفيدُ من استمرارِ الفوضى.

ختمت حصيلةُ عامِ ألفين وخمسةٍ وعشرين على اليمن بحقيقةٍ قاسيةٍ مفادُها أنّ البلادَ لم تقترب من السلامِ بقدرِ ما ابتعدت عن صورةِ الدولةِ الواحدة. وقد رسّخت الخلافاتُ الداخلية، ولا سيّما في الجنوب، انتقالَها من تنازعٍ سياسيٍّ إلى إعادةِ تشكيلٍ فعليةٍ لخرائطِ النفوذ، وأضافت التدخلاتُ الإقليميةُ والدوليةُ طبقةً جديدةً من التعقيدِ فوقَ طبقاتِ الانقسام، فيما ظلَّ الشعبُ اليمنيُّ يدفعُ الثمنَ في فرصٍ ضائعة، واقتصادٍ منهك، وأمنٍ هشٍّ، ومستقبلٍ معلَّقٍ بين احتمالَيْن متناقضَيْن: مزيدٍ من التفتيتِ والعنف، أو شجاعةٍ سياسيةٍ إقليميةٍ ومحليةٍ تقلبُ المعادلة، وتحوّلُ واقعَ التقسيمِ القائم إلى أساسٍ لصيغةٍ اتحاديةٍ عادلةٍ تحفظُ وحدةَ الأرضِ وحقوقَ مكوّناتِها في آنٍ واحد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى