عالم بلا ماء: حقائق الطاقة والجفاف

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة
لم تكن البداية من تقرير أممي ولا من دراسة أكاديمية، بل من تصريح مباشر لإيلون ماسك في مقابلة بودكاست حديثة، قال فيه إن العالم قد يواجه أزمة حقيقية في البنية التحتية للكهرباء خلال ٣٠ إلى ٣٦ شهرًا بسبب الطفرة المتسارعة في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات العملاقة التي تستهلك طاقة هائلة. لم يتحدّث ماسك عن نقص عابر، بل عن اختناق محتمل في الشبكات إذا استمر التوسع في الحوسبة بهذا الإيقاع دون توسعة موازية في إنتاج الكهرباء ونقلها. بعض النقاد رأوا في كلامه بعدًا ترويجيًا يخدم مشاريعه المتقاطعة بين إكس إيه آي وسبيس إكس والبنية الفضائية، خاصة مع طرحه أفكارًا حول نقل قدرات حوسبة إلى الفضاء بالطاقة الشمسية. لكن سواء كان التحذير مدفوعًا برؤية تجارية أو استراتيجية، فإن السؤال الذي أثاره يتجاوز شخصه: هل البنية التحتية للطاقة في العالم قادرة فعلًا على مواكبة اقتصاد ذكاء اصطناعي يتضاعف استهلاكه بسرعة غير مسبوقة؟
و بالانتقال من التصريح إلى الأرقام، تتضح الصورة بشكل أكثر تعقيدًا. حيث تُشير وكالة الطاقة الدولية في تقاريرها الحديثة إلى أن الطلب العالمي على الكهرباء يشهد تسارعًا واضحًا، مع توقعات بنمو سنوي يقارب ٠٣ إلى ٠٤٪ خلال النصف الثاني من العقد الحالي، مدفوعًا بالصناعة والمركبات الكهربائية ومكيفات الهواء ومراكز البيانات. في الولايات المتحدة وحدها، تتوقع تحليلات مرتبطة بالوكالة أن مراكز البيانات قد تمثل جزءًا كبيرًا من نمو الطلب على الكهرباء حتى نهاية العقد، وهو ما يعيد البلاد إلى معدلات توسع كهربائي لم تُشهَدْ منذُ سنوات طويلة. هنا يصبح تحذير ماسك أقل درامية وأكثر واقعية: ليس انهيارًا شاملًا، بل ضغطًا متراكمًا قد يخلق اختناقات محلية، وارتفاعًا في الأسعار، وتأخيرًا في ربط مشاريع جديدة بالشبكات.
غير أن الحلقة الأخطر في هذا المشهد لا تتعلق بالكهرباء وحدها، بل بالماء. فكل توسع في مراكز البيانات يحتاج إلى أنظمة تبريد، وكثير من هذه الأنظمة يعتمد على المياه، سواء بشكل مباشر عبر التبريد التبخيري أو غير مباشر عبر محطات توليد الطاقة التي تستهلك كميات ضخمة من المياه في عمليات التبريد. تقارير متخصصة تشير إلى أن مركز بيانات ضخم يمكن أن يستهلك مئات الآلاف إلى ملايين اللترات يوميًا بحسب التصميم والموقع والمناخ. ومع سباق الذكاء الاصطناعي، تتزايد التوقعات بارتفاع استهلاك المياه في هذا القطاع خلال سنوات قليلة إذا لم تُعتمد تقنيات أكثر كفاءة. عند هذه النقطة، يتحول تحذير الكهرباء إلى سؤال أوسع: هل نحن أمام اقتصاد رقمي يضغط في الوقت نفسه على موردين أساسيين هما الطاقة والماء؟
وفي الخلفية، تتراكم تحذيرات علمية مستقلة عن الجفاف العالمي. تحدثت تقارير صادرة عن معهد المياه والبيئة والصحة بجامعة الأمم المتحدة عن دخول العالم مرحلة إفلاس مائي عالمي، بمعنى أن الاستهلاك والتلوث وتغير المناخ تدفع العديد من الأنظمة المائية إلى حدود يصعب التعافي منها سريعًا. كما يؤكد تقرير الأمم المتحدة العالمي لتنمية المياه أن تراجع الجليد والثلوج في المناطق الجبلية يهدد إمدادات المياه لمليارات البشر، ويزيد من حدة الفيضانات والجفاف في آن واحد. هنا لا يعود السؤال هل سيختفي الماء؟ بل هل سيبقى الماء متاحًا ومستقرًا وعادل التوزيع؟.
بهذا المعنى، يمكن قراءة تحذير إيلون ماسك كنقطة انطلاق لا كنهاية تحليل. هو يشير إلى عنق زجاجة في الكهرباء، لكن البحث يُظهر أن عنق الزجاجة قد يمتد إلى الماء أيضًا، خصوصًا إذا استمرت نماذج التوسع الرقمي دون إعادة تصميم شاملة للبنية التحتية. في المقابل، لا تقف الدول مكتوفة الأيدي؛ فهناك استثمارات في الطاقة المتجددة، وتطوير لشبكات أكثر ذكاءً، وتجارب في تبريد مراكز البيانات دون استخدام الماء أو باستخدام دوائر مغلقة تقلل الاستنزاف. إلا أن سرعة الذكاء الاصطناعي قد تتقدم أحيانًا على سرعة التنظيم والتخطيط.
إذن، هل يكون العالم بلا ماء؟ الاحتمال الواقعي ليس عالمًا جافًا بالكامل، بل عالمًا تتسع فيه فجوات الندرة، وتصبح فيه المياه والطاقة عنصرين استراتيجيين لا يقلان أهمية عن النفط في القرن الماضي. تحذير ماسك، سواء كان يحمل بعدًا تروييديًا أم لا، يسلّط الضوء على لحظة انتقالية: إذا لم يُدار النمو الرقمي بوعي مائي وكهربائي، فقد نجد أنفسنا أمام معادلة جديدة حيث التقدم التكنولوجي لا يُقاس بعدد الخوارزميات فقط، بل بقدرتنا على إبقاء الصنابير مضاءة والمصابيح مشتعلة في آن واحد.




