حقوق الإنسان بين النص والتسييس: حين تتبدل المعايير بتبدل المصالح

 

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة

يُعرّف القانون الدولي حقوق الإنسان بوصفها حقوقًا أصيلة ملازمة لكل إنسان دون تمييز بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو الأصل القومي أو الاجتماعي. وقد تأسست هذه المنظومة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في ١٠ ديسمبر ١٩٤٨، ثم العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية سنة ١٩٦٦، إضافة إلى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة في ١٩٧٩، واتفاقية حقوق الطفل في ١٩٨٩. في النصوص، تبدو الحقوق غير قابلة للتجزئة، عالمية، متساوية، ولا تخضع لاختلاف الدين أو اللون أو الجغرافيا. غير أن مسار العقود الماضية كشف أن تطبيق هذه المبادئ كثيرًا ما ارتبط بميزان المصالح السياسية والتحالفات الدولية أكثر من ارتباطه بميزان العدالة المجردة.

ففي السودان مثلا، ومنذ اندلاع الحرب في ١٥ أبريل ٢٠٢٣، تحولت مفاهيم الحماية الدولية إلى اختبار قاسٍ. تقارير الأمم المتحدة المتتابعة، لا سيما بعثة تقصي الحقائق خلال عامي ٢٠٢٤ و٢٠٢٥، وثّقت عمليات قتل جماعي وعنفًا جنسيًا واسع النطاق في دارفور والجزيرة وأجزاء من الخرطوم وكردفان. وأشارت التقارير إلى أنماط استهداف على أساس العرق والانتماء المجتمعي، مع تسجيل حالات اغتصاب لفتيات ونساء تتراوح أعمارهن بين سبع سنوات وسبعين عامًا. و قد قدّرت مفوضية شؤون اللاجئين عدد النازحين داخليًا بأكثر من ١٢ مليون شخص، فيما تجاوز عدد اللاجئين إلى دول الجوار ٠٣ ملايين. وبرغم ضخامة الأرقام، ظل التفاعل الدولي في معظمه ضمن حدود الإدانة اللفظية والعقوبات الفردية، دون تحرك حاسم يوقف مسار الانتهاكات أو يفرض مساءلة فورية وفعالة.

وفي اليمن، منذ تصاعد النزاع سنة ٢٠١٥، وثّقت تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة انتهاكات شملت الاعتقال التعسفي، و تجنيد الأطفال، و القصف العشوائي، وخطف موظفين أمميين وعاملين في المجال الإنساني. فقد قدّر مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في ٢٠٢٥ أن أكثر من ١٧ مليون شخص يعانون انعدام الأمن الغذائي، وأن ملايين النساء والأطفال يواجهون سوء تغذية حاد. كما سُجلت حالات احتجاز واختطاف لموظفين أمميين، ما يعكس هشاشة الحماية حتى لمن يعملون تحت راية الأمم المتحدة. ورغم ذلك، بقيت الأزمة اليمنية أقل حضورًا في الأجندة السياسية الدولية مقارنة بصراعات أخرى تحظى بزخم استراتيجي أكبر.

في المقابل، منذ فبراير ٢٠٢٢، حظيت الحرب في أوكرانيا باستجابة دولية واسعة النطاق، سياسيًا وعسكريًا وماليًا. حيث ركز الخطاب الغربي بقوة على حماية المدنيين، وتأمين الطاقة، ومنع تعريض كبار السن والأطفال لخطر البرد القارس بعد استهداف منشآت الطاقة. و صُوِّرت معاناة المدنيين في الملاجئ ومحطات المترو وفي الأحياء السكنية كعنوان مركزي للسردية الإنسانية. و قدّم المعسكر الغربي حزم دعم بمئات المليارات خلال سنوات الحرب، تحت شعار الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان. هذا لا ينفي الألم الإنساني هناك، لكنه يفتح باب المقارنة حول اختلاف حجم وسرعة الاستجابة الدولية حين تكون المصالح الاستراتيجية في قلب المشهد.

وفي هذا السياق، قدّم الرئيس دونالد ترامب في ولايته الثانية مقاربة تقوم على أولوية وقف النزيف الإنساني عبر السعي إلى تسويات واقعية، حتى وإن كانت مرحلية، انطلاقًا من مبدأ حماية الأرواح وتقليل كلفة الحروب على الشعوب وعلى الاقتصاد الأمريكي. وترتكز هذه الرؤية على أن استمرار النزاعات المفتوحة يفاقم الخسائر البشرية والاقتصادية، وأن البحث عن صيغة سلام، حتى لو بُنيت على الأمر الواقع مؤقتًا، يمكن أن يشكل مدخلًا لحماية المدنيين من مزيد من القتل والتشريد. كما شدد الرئيس الامريكي الجمهوري، على ضرورة توزيع الأعباء بصورة أكثر عدالة بين الحلفاء، بحيث لا تتحمل الولايات المتحدة وحدها كلفة أمن جماعي يفترض أن يكون مسؤولية مشتركة.

إن المقارنة بين السودان واليمن من جهة، وأوكرانيا من جهة أخرى، لا تهدف إلى المفاضلة بين معاناة الشعوب، بل إلى مساءلة معيار التطبيق. ف حين تُرفع راية حقوق المرأة والطفل بقوة في ساحة، ثم تخفت في ساحة أخرى رغم تشابه صور الألم والانتهاك، بل تكون اعظم في مناطق افريقية او اسيوية او غيرها من الدول المصنفة عالم ثالث، يصبح السؤال مشروعًا حول مدى اتساق المنظومة الدولية مع مبادئها المعلنة. فالحقوق، وفق القانون، واحدة لا تتغير باختلاف الأعراق أو الأديان، لكن السياسة الدولية كثيرًا ما تعيد ترتيب الأولويات وفق خرائط المصالح والنفوذ.

تكون بذلك الخلاصة أن مفهوم حقوق الإنسان ثابت في نصوصه القانونية، لكنه متغير في ممارساته السياسية.فمن بين الاكثر شيوعا و من النزاعات المفتوحة حاليا كجروح غائرة لا يتوقف نزيفها، أخذت السودان واليمن الذان يكشفان حدود الفاعلية الدولية حين تتراجع المصالح الكبرى، فيما تُظهر أوكرانيا كيف يمكن لحشد الإرادة السياسية أن يضاعف حجم الدعم والاستجابة. وبين الحالتين، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تكون حقوق الإنسان معيارًا فوق السياسة، أم أداة تُفعَّل حين تخدم الأجندات وتُهمَّش حين تتعارض معها؟ الإجابة لا تُكتب في البيانات، بل في حياة المدنيين الذين ينتظرون أن تكون إنسانيتهم كافية بحد ذاتها، دون الحاجة إلى غطاء جيوسياسي يمنحها أولوية على غيرها.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى