الهند: عملاق اقتصادي جديد….. فهل يخلف الصين؟

نيويورك – خاص – زينة بلقاسم –
في عالمٍ يتباطأ فيه النمو وتتعاظم فيه المخاطر، تبرز الهند كاستثناءٍ ثقيل الوزن، ف للهند اقتصادٌ كبير يواصل التسارع بدل التهدئة، ويحوّل الضوضاء العالمية إلى فرصة. و وفق تقديرات حديثة للبنك الدولي، رُفعت توقعات نمو الهند للسنة المالية ٢٠٢٥ –٢٠٢٦ إلى نحو ٧،٢٪، في إشارة إلى قوة الطلب المحلي وتحسّن عوامل الدخل والاستهلاك. وفي السياق نفسه، أكد متحدث باسم صندوق النقد الدولي في يناير ٢٠٢٦ أن الهند باتت “محركًا رئيسيًا” للنمو العالمي، مع توجه لمراجعة توقعاتها صعودًا في تحديثاته القريبة. و ليست هذه مجرد نسب، إنها رسالة إلى الأسواق والشركات والدول أنّ هناك مركزٌ صاعد لا يكتفي بالصمود، بل يبني زخمًا.
و تُرى أول أسرار هذا الزخم في أن الهند لا تعتمد على التصدير وحده لتغذية نموها، بل تمتلك ما يشبه محركًا داخليًا بالغ الضخامة يتمثل في سوق محلية واسعة تُبقي الاستهلاك والاستثمار قائمين حتى عندما تتقلّب التجارة العالمية. ويظهر وجهٌ آخر لهذه المناعة في قدرة البلاد على الحفاظ على وسادة مالية مريحة، إذ أعلنت بيانات البنك الاحتياطي الهندي ارتفاع احتياطيات النقد الأجنبي إلى نحو ٦٨٧،١٩ مليار دولار للأسبوع المنتهي في ٠٩ من يناير ٢٠٢٦. في لغة الاقتصاد، هذه الاحتياطيات لا تصنع النمو وحدها، لكنها تمنح صانع القرار مساحة أكبر لامتصاص الصدمات، وتطمئن المستثمرين بأن الدولة تملك أدوات دفاع أمام تقلبات العملة والتمويل.
الطبقة الثانية من قصة الهند هي الرقمنة بوصفها بنية تحتية اقتصادية لا مجرد رفاهية تقنية. ففي أكتوبر من ٢٠٢٤، عالجت منظومة واجهة المدفوعات الموحدة ما يزيد على ١٦،٥٨ مليار معاملة خلال شهر واحد بقيمة تقارب ٢٣،٤٩ لاك كرور روبية، مع نمو سنوي لافت وعدد كبير من البنوك المشاركة. يعني هذا النوع من الأرقام شيئًا أعمق من نجاح تطبيق: يعني اقتصادًا يقلّل كلفة المعاملات، و يسرّع التجارة، ويوسّع الإدماج المالي، ويفتح الباب أمام شركات صغيرة لتعمل على نطاق وطني. وهذه إحدى نقاط التفوق التي قد لا تشبه الصين القديمة في شكلها، لكنها تُنتج أثرًا قريبًا يتمثل في رفع الإنتاجية بسرعة عبر قنوات جديدة.
ثم تأتي الطبقة الثالثة المتمثلة في التصنيع وسلاسل الإمداد. فالهند تحاول أن تنتقل من اقتصاد خدمات قوي إلى اقتصاد مزدوج المحركات يوازن بين الخدمات والصناعة، عبر برامج حكومية مثل الحوافز المرتبطة بالإنتاج التي قُدّمت رسميًا كأداة لتعزيز التصنيع وجذب الاستثمار بناءً على المبيعات الإضافية، مع بدء الإطار العام منذ العام ٢٠٢٠. تتقاطع هذه الاستراتيجية مع لحظة عالمية نادرة حيث تبحث الشركات والدول عن تنويع سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على مركز واحد، وهو ما خلق عمليًا مساحة للهند لتصبح خيارًا ثانيًا كبيرًا في آسيا. ومع صعود التوترات التجارية والقيود التقنية عالميًا، باتت سياسة “الصين زائد واحد” واقعًا عمليًا، والهند أكثر من يستثمر فيه.
لكن ومع ظن البعض ان الهند يمكن ان تاخذ مكان الصين، فتذهب التحليلات و الوقائع بأنه لا يمكن للهند أن تصبح الصين الجديدة دون شبكة علاقات دولية تُغذّي التجارة والاستثمار. هنا تتقدم نيودلهي بنهجٍ براغماتي من خلال شراكات تجارية مع دول الخليج الخليج العربي وأستراليا، وتعاون أمني/اقتصادي في المحيطين الهندي والهادئ، وسعي لفتح باب أوسع مع أوروبا. وقد دخل اتفاق الشراكة الاقتصادية الشاملة بين الهند والإمارات حيّز التنفيذ في الأول من مايو ٢٠٢٢، ووفق تغطيات اقتصادية ارتفعت التجارة الثنائية من نحو ٧٢،٨٧ مليار دولار في السنة المالية ٢٠٢٢ إلى نحو ١٠٠،٦ مليارات دولار في السنة المالية ٢٠٢٥. وفي الاتجاه نفسه، دخل اتفاق التعاون الاقتصادي والتجاري بين الهند وأستراليا حيّز التنفيذ في ٢٩ ديسمبر ٢٠٢٢، فاتحًا مسارًا لتخفيضات جمركية أوسع بمرور الوقت. أما مع الاتحاد الأوروبي، فالقصة تتجه إلى محطة رمزية وسياسية في آن حيث القمة الهندية الأوروبية مقررة في ٢٧ من يناير ٢٠٢٦، وسط حديث عن دفع ملفات التجارة والاستثمار، مع بقاء ضريبة الكربون الأوروبية من أبرز نقاط الاحتكاك. 
وفي قلب العلاقات الدولية للهند توجد علاقة مع الولايات المتحدة تبدو اليوم حجر زاوية اقتصاديًا وتقنيًا. بلغ، وفق بيانات رسمية هندية نقلتها تغطيات اقتصادية، إجمالي التجارة الثنائية في السنة المالية ٢٠٢٤–٢٠٢٥ نحو ١٣١،٨٤ مليار دولار. وعلى الجانب الأميركي، تُظهر بيانات الممثل التجاري للولايات المتحدة أن واردات السلع الأميركية من الهند في عام ٢٠٢٤ بلغت ٨٧،٣ مليارات دولار، وأن العجز التجاري السلعي الأميركي مع الهند بلغ ٤٥،٨ مليارات دولار. و تشرح هذه الأرقام لماذا تُعامل الهند في واشنطن كاقتصاد لا يمكن تجاهله، فهي سوقٌ ضخم وشريكٌ تجاري يتقدم، وفي الوقت نفسه منافسٌ صاعد في بعض القطاعات.
غير أن قصة “الصين الجديدة” تصطدم بعاملين لا يمكن الهروب منهما هما الطاقة والتوظيف. فالهند تحتاج طاقة رخيصة ومستقرة كي تُصنّع بوتيرة كبرى، وتحتاج خلق وظائف واسعة كي يتحول النمو إلى رخاء اجتماعي. لذلك تتصرف نيودلهي ببراغماتية شديدة في ملف الطاقة، حتى عندما تُحرجها السياسة الدولية. وفي هذا السياق، أظهرت بيانات وتقارير حديثة أن واردات الهند من النفط الخام الروسي تراجعت في ديسمبر ٢٠٢٥ بنحو ٢٩٪ على أساس شهري إلى ١،٢ مليون برميل يوميًا مقارنة بـ ١،٨ مليون في نوفمبر، مع مؤشرات إلى بدء تعافٍ في يناير ٢٠٢٦، في ظل تأثير العقوبات وتبدّل قنوات الإمداد.  وهو ما يعكس معادلة الهند الصعبة فهي تريد النمو وتريد الطاقة، لكنها تتحرك داخل نظام دولي يُعاقب ويضغط ويعيد تشكيل التجارة عبر السياسة.
و بالتالي وإجابةً على ما يتبادر هل ستكون الهند “صيناً جديدة”، اذا كانت المقارنة تعني الحجم والدور والقدرة على دفع النمو العالمي، فالهند تقترب بالفعل، بالأرقام وبالزخم وببناء الشراكات. أما إذا كان المقصود استنساخ النموذج الصيني حرفيًا: بأن تكون مصنع العالم الذي يبتلع سلاسل الإمداد ويُنتج فائضًا تصديريًا هائلًا، فالهند تسير في طريق مختلف: حيث اقتصادٌ يقوده الداخل بقوة، و تُسرّعه رقمنة واسعة، ويضيف التصنيع تدريجيًا عبر حوافز وانتقاء قطاعات استراتيجية، مع سياسة خارجية تُوازن بين الشركاء بدل الارتهان لمحور واحد. وربما هنا تكمن النقطة الأهم بأنّ الهند قد لا تصبح نسخة ثانية من الصين … لكنها قد تصبح قوة كبرى جديدة بقواعد مختلفة، وهذا ما يجعل سؤال “هل تكون الهند الصين الجديدة؟ ” أقل دقة من سؤال آخر أكثر واقعية و منطقية وهو”هل نحن أمام قطب اقتصادي آسيوي ثانٍ يغيّر توازن العالم؟”




