الذهب عبر تاريخ الأزمات

صورة تعبيرية

 

نيويررك – زينة بلقاسم –

في تطور غير مسبوق في تاريخ الأسواق، سجّل الذهب اليوم مستوىً قياسيًا جديدًا بعدما تجاوز سعر الأونصة حاجز ٥٠٠٠ آلاف دولار للمرة الأولى على الإطلاق، في لحظة تختصر علاقة هذا المعدن النفيس بالأزمات العالمية. هذا الارتفاع الاستثنائي لم يأتِ من فراغ، بل جاء في سياق عالمي يتسم بتصاعد التوترات الجيوسياسية، وعودة المخاوف الاقتصادية، واستمرار حالة عدم اليقين التي تدفع المستثمرين، أفرادًا ومؤسسات، إلى البحث عن ملاذ لا تهزه التقلبات. وهنا، يعود الذهب مرة أخرى إلى واجهة المشهد بوصفه مرآةً للثقة المفقودة في العملات، والبنوك، وقدرة الحكومات على احتواء الصدمات.

فعلى امتداد التاريخ الحديث، لم يكن الذهب مجرد سلعة، بل كان تعبيرًا عن مستوى الاطمئنان أو القلق في النظام المالي العالمي. حين تسود الثقة، يتراجع الاهتمام به، وحين تهتز، يقفز إلى الصدارة. وما يميّز الذهب عن غيره من الأصول أنه لا يمثل التزامًا على جهة ما، ولا يرتبط بدين أو وعد سياسي، ولذلك يُنظر إليه كملاذ أخير عندما تتزعزع المنظومات النقدية والمالية.

قبل التحولات الكبرى في القرن ال٢٠، عاش الذهب مرحلة طويلة من الاستقرار النسبي، إذ ظل سعره ثابتًا لفترات ممتدة في ظل نظام معيار الذهب، حيث كانت العملات مرتبطة به بشكل مباشر أو غير مباشر. ففي تلك المرحلة، لم يكن السعر يعكس قوى العرض والطلب الحرة بقدر ما كان انعكاسًا لسياسات نقدية صارمة وقواعد دولية تحكم العلاقة بين الذهب والعملات. ومع مرور الوقت، ومع تزايد الضغوط الاقتصادية والحروب العالمية، بدأت تلك العلاقة بالتفكك، وبدأ الذهب يدخل تدريجيًا عصر التسعير الحر.

ومع بداية سبعينيات القرن الماضي، دخل العالم مرحلة جديدة اتسمت بالتضخم المرتفع، واضطراب النظام النقدي الدولي، وصدمات الطاقة المتتالية. قفز الذهب في تلك الفترة، من مستويات متواضعة إلى مئات الدولارات للأونصة، مدفوعًا بتآكل القوة الشرائية للعملات، وخصوصًا الدولار، وبفقدان الثقة في قدرة النظام المالي على امتصاص الصدمات. كانت أزمات النفط، والتوترات السياسية، وتراجع الانضباط النقدي، عوامل مجتمعة دفعت المستثمرين إلى الاحتماء بالذهب، فشهد المعدن الأصفر واحدة من أعنف موجات الصعود في تاريخه.

غير أن هذا الصعود لم يكن خطيًا. ففي أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، بلغ الذهب قمة تاريخية عندما وصلت الأونصة إلى ما يعادل ٨٥٠ دولارًا، في ذروة الخوف من التضخم الجامح والتوترات الجيوسياسية. لكن المشهد انقلب سريعًا مع دخول السياسة النقدية الأمريكية مرحلة تشدد غير مسبوقة، حيث جرى رفع أسعار الفائدة بقوة لكبح التضخم. ومع ارتفاع العائد الحقيقي على السندات، تراجعت جاذبية الذهب، وبدأ مسار هبوطي حاد، عكس قاعدة أساسية مفادها أن الذهب يزدهر حين تكون الفائدة الحقيقية منخفضة، ويضعف حين ترتفع.

وخلال الثمانينيات والتسعينيات، عاش الذهب فترة ركود طويلة نسبيًا. فقد تزامن ذلك مع قوة الدولار، وازدهار الأسواق المالية، وتراجع معدلات التضخم مقارنة بالسبعينيات. سادت قناعة واسعة آنذاك بأن العولمة والاستقرار النقدي يقللان الحاجة إلى الذهب كملاذ، كما ساهمت بعض التحركات في احتياطيات البنوك المركزية في زيادة الضغط على الأسعار. وبحلول أواخر التسعينيات، وصل الذهب إلى مستويات عُدّت من الأضعف في تاريخه الحديث.

لكن مع مطلع الألفية الجديدة، تغيّر المشهد مرة أخرى. فقد تتابعت الأزمات بوتيرة متسارعة، بدءًا من الهجمات الإرهابية في الولايات المتحدة، مرورًا بالحروب الممتدة، ثم الأزمة المالية العالمية. ومع كل صدمة، كانت الثقة تتآكل، وكانت السياسات النقدية تتجه نحو التيسير وضخ السيولة. وفي هذا السياق، دخل الذهب موجة صعود كبرى استمرت لسنوات، وبلغت ذروتها مع أزمة البنوك العالمية وأزمة الديون السيادية في أوروبا، حيث عاد الخوف من انهيار النظام المالي نفسه، لا مجرد ركود عابر.

وبعد أن هدأت تلك المخاوف تدريجيًا، ومع بدء الحديث عن سحب التحفيز النقدي ورفع الفائدة، دخل الذهب مرحلة تصحيح وهبوط ملحوظ بين منتصف العقد الثاني من الألفية. تحسنت شهية المخاطرة، وخرج جزء من الاستثمارات من صناديق الذهب، وعادت قوة الدولار لتضغط على الأسعار. إلا أن هذا الهدوء لم يدم طويلًا.

فمع جائحة كورونا، تلقى الاقتصاد العالمي صدمة غير مسبوقة. توقفت الأنشطة، تعطلت سلاسل الإمداد، وضُخّت سيولة هائلة في الأسواق. في تلك اللحظة، عاد الذهب بقوة، مسجّلًا قفزات كبيرة، إذ وجد المستثمرون أنفسهم مجددًا أمام عالم يفتقر إلى اليقين. ومع أن الأسعار شهدت تذبذبًا لاحقًا، فإن المعدن الأصفر أكد مرة أخرى دوره التاريخي كملاذ في أوقات الخطر.

ثم جاءت السنوات الأخيرة محمّلة بعوامل إضافية متمثلة في الحروب، و التوترات الجيوسياسية، إلى جانب عودة التضخم، واضطرابات في أسواق الطاقة. تزامن ذلك مع شراء مكثف من البنوك المركزية، وسعي دول عدة إلى التحوط ضد العقوبات وتسييس الاحتياطيات. وفي ظل هذا المناخ، بدأ الذهب ما يمكن وصفه بمرحلة الذهب الجيوسياسي، حيث لم يعد الطلب عليه نابعًا فقط من الخوف الاقتصادي، بل من اعتبارات سيادية واستراتيجية.

وفي هذا السياق المتراكم، لم يكن مفاجئًا أن يسجّل الذهب قممًا قياسية جديدة، وصولًا إلى اختراق حاجز ٣ آلاف دولار للأونصة في مرحلة سابقة، قبل أن يقفز اليوم إلى ما فوق ٥ آلاف دولار، في مشهد يعكس اجتماع المخاطر الجيوسياسية، والقلق الاقتصادي، وتذبذب العملات، وعودة قوية لطلب الملاذ الآمن.

وهكذا، تكشف قراءة تاريخ الذهب عن مجموعة قواعد تتكرر عبر الزمن: فالحروب ترفع علاوة الخوف، والتضخم يدفع للبحث عن مخزن للقيمة، والفائدة الحقيقية تلعب الدور الحاسم في تحديد الاتجاه، بينما يظل الدولار عاملًا مؤثرًا لكنه ليس حاسمًا دائمًا في لحظات القلق الشديد. وفي المحصلة، لا يسير الذهب في خط صاعد دائم، بل في موجات، تعلو مع الذعر وتنخفض مع استعادة الثقة.

من هنا، فإن القفزة التاريخية الحالية ليست استثناءً، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة تؤكد أن الذهب، كلما ظن العالم أنه تجاوز الحاجة إليه، يعود ليذكّر بدوره القديم المتمثل في كونه ملاذًا أخيرًا في زمن الأزمات.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى