الحرب الروسية الاوكرانية – امريكاء تتبنى عقيدة أمنية جديدة وأوروبا تقاوم خطة ترامب بشدة
أ د / دحان النجار
قبل الدخول في تفاصيل المقاومة الأوروبية للخطة الأمريكية دعونا نعرج قليلا على اسباب التناقضات الأمريكية الأوروبية في ظل النهج الأمريكي الجديد تجاه أوروبا خصيصا.
تغييرات جذرية في العقيدة الامنية الأمريكية.
في وثيقة الامن القومي الأمريكي ٢٠٢٥ هناك رؤية بان الخطر على امريكا ياتي من اوروبا التي تتآكل فيها الهوية الوطنية لصالح المهاجرين وخاصة المهاجرين الملونين من بلدان ذات أغلبية إسلامية على وجه التحديد وان القادة الأوروبيين لا يسيرون بالاتجاه الصحيح في هذا الجانب وان سياساتهم الحالية تمثل خطرا على المجتمعات الأوروبية والغربية الأصلية من خلال فتح ابواب الهجرة للمهاجرين غير الأوروبيين ، أضف إلى ذلك سياسة تحديد النسل للسكان البيض التي ستقود إلى تشكل خطر وجودي ديموغرافي يهدد الحضارة الغربية عموما وامريكا خصوصا.
استمرارتدفق المهاجرين الملونين من غير البلدان الأوروبية سيجعل من بعض دول الناتو الأوروبية في العقود القادمة دولا غير أوروبية من حيث تركيبتها السكانية والثقافية وان الولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن لها ان تتحالف مع قارة تغير جلدتها بهذه السرعة وخاصة إذا ما استمر حكم الأحزاب الليبرالية المنفتحة على التعدد الثقافي والاجتماعي .
ومع ذلك رؤية الرئيس ترامب السلبية للقارة الأوروبية انطلاقا من وثيقة الامن القومي ٢٠٢٥ لم تفقد الامل تماما في دولها وتعمل على تقديم حلول لهذه المشكلة تتمثل بدعم الأحزاب الوطنية اليمينية المتشددة في الوصول إلى السلطة وأخذ زمام المبادرة في تحصينها من المهاجرين الملونين والثقافات التي يحملونها، لأن هذه الأحزاب تعادي سياسة الاتحاد الأوروبي المنفتحة وتطالب بوقف الهجرة فورا، ومن وجهة نظر ادارة ترامب هذه الأحزاب لا زالت تمثل سبباً للتفاؤل الكبير بتصحيح اوضاع بلدان الأتحاد والحفاظ على هويتها وحضارتها إذا توقفت دول الاتحاد عن قمعها وتقويض حرياتها السياسية.
نتيجة لهذا التوجه الأمريكي المغاير لسياسات الاتحاد الأوروبي المنفتحة تجاه الهجرة والتنوع الثقافي وجد الاتحاد نفسه في علاقاته مع الولايات المتحدة بموقع العدو وليس بموقع الحليف وترى نخبه الحاكمة حاليا بانها وجهة لها طعنة من الخلف تمثلت بهذا التغيير المنهاجي في السياسة الأمريكية تجاهه.
الرئيس ترامب يطالب أوروبا بتحمل تكلفة الدفاع عن نفسها وانه إن لم يقوم بتفكيك حلف الناتو الذي لم يعد مهمًا كما كان سابقا من وجهة نظره واصبح عبئًا على بلاده، فانه على الاقل سيعمل على تقييد توسعه وتمدده بشكل نهائي الامر الذي يجعل من أوكرانيا ليست أولوية في سياسة الولايات المتحدة ولم تعد روسيا الخطر الأكبر ، بل الخطر الأكبر هو المهاجر الذي يعيش في ضواحي المدن الاوروبية ويغير من هويتها الثقافية والحضارية.
هذا التحول الاستراتيجي يطلق يد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوكرانيا الذي يرى في هذه الوثيقة الامنية الأمريكية هدية إلهية، فأوروبا امام مازق سياسي حقيقي فإما أن تتخلى عن قيمها الديمقراطية المنفتحة تجاه التنوع الثقافي والاجتماعي او تتبع اراء الرئيس ترامب وتوصد ابوابها أمام المهاجرين بل وتعمل على إعادة تقييم سياساتها تجاه الأقليات المهاجرة فيها.
أوروبا إن سمحت بصعود الأحزاب اليمينية والترحيل للمهاجرين كما يطلب منها الرئيس الامريكي ترامب بإعتبار ذلك الخلاص لها من ما يراه مأزقا وجوديا فقد يقود إلى تفجير الوضع الداخلي لمجتمعاتها اي صراع بين الليبرالية والقومية المتشددة الذي قد يشكل نهاية لكيانها .
الولايات المتحدة الأمريكية في سياساتها ” امريكا اولا” تعني التخلي عن الحلفاء والتركيز على الامن الداخلي الذي يرى الخطر المحدق به قادما من اوروبا المهاجرة، وانطلاقا من هذه الخلافات الجوهرية المتباينة بين الولايات المتحدة وحلفائها الاوروبيين يمكن فهم المواقف المتباينة بينهم حول القضية الاوكرانية وسبل مواجهة روسيا ، فالأوروبيون يرون ان مساندة أوكرانيا وهزيمة روسيا تمثل دفاعا قويا عن بلدانهم المتوجسة من الانتصار الروسي والذي قد يصل إلى مختلف بلدان القارة بينما الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة الرئيس ترامب قد وجهة بوصلتها تجاه الخطر القادم من أوروبا الحليفة نفسها.
محاولات لابد منها .
الأوروبيون امام خياران احلاهما “مر” فاما القبول بالخطة الأمريكية للسلام في أوكرانيا وإهدا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نصرا مؤزرا والاستعداد للقادم تجاه بلدانهم وهو امراً مخيف جدًا بالنسبة لهم والحفاظ على ما تبقى من اواصر التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية في اطار ” الناتو” الذي يمثل مظلة حماية مصيرية بالنسبة لهم أو رفض الخطة والاستعداد للصدام مع الولايات المتحدة الأمريكية والتي لا يستبعد رفع يدها عن هذه المظلة الدفاعية المهمة-الناتو وتجد نفسها أمام أعباء دفاعية مكلفة قد تقود إلى انهيار اقتصادياتها وبالتالي زوال كياناتها.
امام هذا الوضع المعقد والخيارات الصعبة قرر الأوروبيون عدم الاصطدام مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وخطته للسلام في أوكرانيا مع التركيز على اتجاهين :
الاول، محاولة تعديل بنود الخطة بالتشاور مع الادارة الأمريكية واستخدام كل وسائل الضغط الممكنة بما فيها الدولة العميقة في واشنطن نفسها، والثاني توجيه مزيد من الدعم العسكري والمادي والاستخباراتي والمعنوي لأوكرانيا كي تحقق اختراقات مهمة في ميدان المعركة تمكنها من انزال ضربات مؤلمة في الجانب الروسي ودفعه الى تليين موقفه والقبول بشروط اقل ثقلا على أوكرانيا وأوروبا من خلفها.
في الاتجاه الاول كثفت الدول الأوروبية من اللقاءات والمشاورات الاوروبية-الأوروبية والأوروبية الاوكرانية والأوكرانية الأوروبية الامريكية من اجل تدارس التعديلات المطلوبة في خطة الرئيس ترامب واقناع ادارته بقبولها وخاصة ما يتعلق بالتنازل عن الأراضي التي ضمتها روسيا اليها وكذلك الضمانات الامنية لأوكرانيا وما يتعلق بها من تفاصيل حساسة قد لا يقبلها الجانب الروسي ولكن الاهم من قبوله هو قبول الادارة الأمريكية بها ، ومن الواضح ان هناك مخاض عسير فرمل اندفاع الرئيس ترامب تجاه فرض خطته على الجانب الاوكراني والخروج من هذه الحرب بزمن قياسي ، ولذلك تم تعديل الخطة عدت مرات في السابق والى الان لم يتم تنفيذها بالرغم من الضغوطات على الجانب الاوكراني لان الرئيس ترامب يعاني من معارضة ليست فقط أوروبية اوكرانية بل داخلية قوية متمثلة بالدولة العميقة في بلاده في كل الاجهزة والمستويات التي تصنع القرارات الاستراتيجية المصيرية للدولة.
اما في الاتجاه الثاني فقد سعت الدول الأوروبية الى مساندة أوكرانيا بكل ما لديها من امكانيات تقنية وعسكرية ومالية واستخباراتية ، فمن الناحية المالية سعت المانيا وبريطانيا وهولندا مثلا إلى استصدار قوانين باستخدام الاموال الروسية المجمدة في بنوكها وبنوك الاتحاد الاوروبي لصالح اعادة إعمار أوكرانيا كتعويضات وسعت لاقناع الولايات المتحدة الأمريكية لاتخاذ نفس الخطوة إلا ان خطوة كهذه لا قت معارضة بعض الدول الأوروبية وكذلك رد فعل قوي من قبل روسيا ، وايضا قدمت الدول الأوروبية وبالذات المانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا دعما ماليا سخيا لأوكرانيا إلا ان كل ذلك الدعم لا يعوض الدعم المالي الأمريكي السخي ، وفي الجانب العسكري والتقني قدمت اسلحة نوعية جديدة متطورة لأوكرانيا ودفعت ثمن اسلحة امريكية متطورة بل وقدمت خبرات نوعية لتطوير الصناعات الدفاعية الاوكرانية الحساسة في المجال الصاروخي والدرونز الجوي والبحري التي يصل مداها إلى مئات بل وآلاف الكيلومترات والدفاعات الجوية الأمر الذي مكن أوكرانيا من تحقيق اختراقات ليست بالبسيطة ومنها ضرب المنشاءات النفطية في مختلف مناطق روسيا بما فيها تدمير عدد من الموانىء ، واصبح ماثلا للعيان فعالية الهجمات الاوكرانية الأخيرة في العمق الروسي ومنها العمليات الاستخباراتية في اغتيال الجنرال الروسي “سارفاروف” رئيس قسم التدريب العملياتي في هيئة الأركان للجيش الروسي في احدى ضواحي موسكو في ٢٢ ديسمبر وتلاه اغتيال ثلاثة من جنود حركة السير اليوم ٢٣ ديسمبر بعبوات ناسفة في نفس المكان ومن المعروف ان عمليات دقيقة من هذا النوع قد تكون ورائها المخابرات الفرنسية او البريطانية وتنفيذ أيادي أوكرانية وهي عمليات قد لا تقود إلى هزيمة روسيا بل إلى كسر غرورها وتقريبها للمفاوضات مع تقديم تنازلات .
ومع احتمال تضاعف عدد الضربات الاوكرانية النوعية في العمق الروسي كوسيلة ضغط تفاوضية المعركة في خطوط التماس تسير لصالح الجانب الروسي حتى لو كانت بطيئة لكن استمرار الحرب بدون الدعم الأمريكي والعجز الجزئي الأوروبي قد يقود الى إنهيار الجبهات لصالح روسيا وهو الأمر الذي قد يقود الى حرب أوروبية شاملة.
هيئة الأركان العامة للجيش الأوكراني تقر بانسحاب قواتها
يوم امس ٢٤ ديسمبر من مدينة سيفيرسك في دونيتسك وسط الضغط العسكري الروسي المتواصل على محور شمال دونباس. ”
ويرى المراقبون العسكريون ان انسحاب القوات الأوكرانية من سيفيرسك سيضعف الدفاعات شمال دونباس ويفتح المجال أمام تقدّم روسي باتجاه سلافيانسك وكراماتورسك الهدف الروسي الاهم من اجل اكمال السيطرة على اقليم الدونباس.
الرواتب والفساد يُسقطون الجبهات من الداخل.
وضع الجيش الاوكراني ينذر بكارثة محققة ان لم يتم تلافيها من الحلفاء ، فالـجنود والقادة العسكريون الأوكرانيون يفرّون من ارض المعركة بحثًا عن لقمة العيش،ولم تعد ساحة المعركة وحدها ما يرهق الجيش الأوكراني، فالأزمة هذه المرة تضرب من الداخل حيث ان هناك تقارير إعلامية أوكرانية كشفت أن تدني الأجور وتأخر صرف الرواتب دفعا جنودًا، بل وقادة ميدانيين، إلى ترك مواقعهم العسكرية والفرار من الخدمة بحثًا عن أعمال غير رسمية يكسبون منها القليل لإعالة أسرهم.
وبحسب المصادر، بات العامل الاقتصادي السبب الأبرز لحالات الفرار، متقدمًا على الخوف من المواجهات العسكرية، فالجنود يعيشون حالة استياء متصاعدة بسبب الرواتب الضئيلة، التي لا تكفي لتغطية أبسط الاحتياجات، ما زجّ بالكثيرين في دوامة الديون والعجز المعيشي.
أحد العسكريين عبّر بمرارة عن شعور زملائه المحبط قائلاً “إن السلطات قادرة على زيادة رواتب النواب، لكنها تعجز عن دفع مستحقات الجنود في وقتها، الأمر الذي جعل إعالة العائلات شبه مستحيلة، ودفع الكثيرين إلى الهروب من الخدمة والبحث عن مصادر دخل بديلة” حسبما تناولته بعض الوسائل الإعلامية.
الأخطر من ذلك كما ورد في بعض المصادر الإعلامية ، أن بعض القادة المباشرين لا يكتفون بتفهم أوضاع الجنود، بل يختارون الفرار معهم، في مشهد يعكس حجم التصدع داخل المؤسسة العسكرية، وفي السياق نفسه، أقرت مفوضة حقوق العسكريين في أوكرانيا سابقًا بأن عددًا من الجنود يفضلون السجن بتهمة ترك الخدمة على الموت في الجبهات.
أزمة الرواتب تحوّلت من مشكلة إدارية إلى عامل يهدد تماسك الجيش من أساسه، ويكشف جانبًا خفيًا من معاناة الجنود بعيدًا عن ضجيج المعارك.
حرفيا”نظام زلنسكي يقف عاجزا عن إستعادت الاراضي بل حتى انه عجز على الثبات في المواقع التي مازالت تحت سيطرته ولهذا يهرب نظام كييف الى القيام بعمليات هامشيه مثل استهداف اسطول الظل الروسي او تنفيذ عمليات تفجير في العمق واستهداف جنرالات وقادة رووس أو استهداف منشاءات اقتصادية وطرق إمداد وجسور وماشابه ذلك ، والهدف من هذه العمليات ايضا هو ايصال رساله إلى المواطنين الاوروبين بان الجيش الاوكراني مازال قادرًا على فعل شي ضد روسيا في الميدان وانه ليس فقط في موقع دفاعي بل وهجومي وبذلك يستمر تدفق الاموال للخزانه الاوكرانيه التي يعتريها الفساد بشكل مخيف.
القيادة الاوكرانية ومعها الأوروبية تعي بان الاستمرار في القتال بدون الدعم الأمريكي سيكون صعباً ان لم يكن مستحيلاً ولذلك لابد من التجاوب مع الخطة الامريكية مع محاولة تعديلها قدر الامكان أو تفخيخها من الداخل ما يجعل الادارة الأمريكية إما أن تتراجع عنها وتعود إلى تبني الموقف الأوروبي وهذا امراً مستبعداً من وجهة نظري أو أنها تقبل بتعديلات جوهرية وتفرضها على الجانب الروسي.
هناك مؤشرات بان التعديلات سيتم التعامل معها وخاصة فيما يخص الأراضي التي ضمتها روسيا اليها المتمثلة بمقاطعات لوغانسك ودونيتسك وزاباروجيه وخيرسون ومن قبلها القرم حيث صرح الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلنسكي بانه “يجب على روسيا على الأقل العودة إلى حدود ما قبل الحرب (2022) وان هذه ستكون نقطة انطلاق عادلة للحوار” ،وربما في الايام القادمة نشهد المزيد من الإشارات نحو تقديم التنازلات في النقاط الجوهرية المختلف عليها على شكل جرعات متدرجة حفاظا على معنويات الجيش والشعب الاوكراني وربما وهذا احتمال كبير جداً ان تقوم أوكرانيا بإجراء انتخابات رئاسية تفضي إلى وصول قيادة جديدة الى كرسي الرئاسة تقبل بالخطة الممكنة لوقف الحرب من اجل الخروج من هذا الانسداد المخيف في التفاهمات داخل حلف الناتو والوضع المنهار نسبيا في جبهات القتال واصرار الادارة الأمريكية على ضرورة وقف الحرب وتوجيه المعركة الفعلية باتجاه الحفاظ الوجودي على أوروبا وامريكاء من خطر التغيير الديمغرافي والحضاري القادم، ومع ذلك يظل احتمال تباعد المواقف الأوروبية والأمريكية قائما ًفي الفترة القادمة حتى يتم الوصول الى صيغة مقبولة.
د/ دحان النجار ميشجان ٢٤ ديسمبر ٢٠٢٥م.




