الإمارات وسويسرا تعيدان رسم خريطة الثروة العالمية

علم سويسر والامارات

 

نيويورك – زينة بلقاسم –

كان المشهد في البداية يبدو كحركة طبيعية لرأس المال، ثم بدأ يتكشّف تدريجيًا كتحوّل أعمق في بنية الاقتصاد العالمي. أموال تنتقل بهدوء، مديرون يعيدون ترتيب إقاماتهم، وشركات مالية كبرى تعيد رسم خرائط مكاتبها بعيدًا عن مراكز أوروبية تقليدية لطالما احتكرت القرار المالي. لم تعد لندن وباريس وحدهما مرادفتي الثقل المالي كما كانتا، ليس لأنهما فقدتا التاريخ أو الخبرة، بل لأن مراكز أخرى باتت تعرض ما يبحث عنه المال حين يشتد عليه الضغط: وضوح القواعد، كلفة أقل، واستقرار يسمح بالتخطيط طويل الأمد. في هذا السياق، برزت الإمارات وسويسرا كوجهتين تتقدّمان بثبات، لا عبر شعار واحد، بل عبر منظومة متكاملة تجعل الانتقال قرارًا منطقيًا لا مغامرة.

داخل هذا التحوّل، يتضح أن خريطة المال العالمية لم تعد تقوم على مركز واحد يبتلع كل شيء، بل على شبكة مراكز تتقاسم الأدوار. أولًا، لأن العمل المالي الحديث أصبح أقل ارتباطًا بالمكان وأكثر ارتباطًا بالبنية القانونية وسرعة التنفيذ، ما سمح بإدارة أصول ضخمة من مدن لم تكن في السابق على رأس القائمة. ثانيًا، لأن المؤسسات الكبرى لم تعد تراهن على موقع واحد؛ توزيع المخاطر صار قاعدة، وبناء حضور في أكثر من مركز يوفر مرونة أمام تغيّر القوانين أو تصاعد التوترات السياسية. ثالثًا، لأن التنافس لم يعد بين من يملك التاريخ الأطول، بل بين من يقدّم البيئة الأكثر كفاءة ووضوحًا، وهو ما أتاح للمراكز الصاعدة اقتطاع دور متزايد من السوق العالمي.

ومع اتساع هذا الانتقال، برزت أسباب مغادرة أوروبا لدى شريحة من الأثرياء والمواهب باعتبارها نتيجة تراكمات طويلة. أولًا، لأن تباطؤ النمو في عدد من الاقتصادات الأوروبية جعل البيئة أقل جذبًا لرأس المال الباحث عن فرص توسّع حقيقية. ثانيًا، لأن موجات التضخم وارتفاع تكاليف الطاقة في فترات متقاربة ضغطت على الشركات والأفراد وخلقت شعورًا بأن كلفة البقاء قد تستمر في الارتفاع دون أفق واضح. ثالثًا، لأن التحديات الديموغرافية، وعلى رأسها شيخوخة السكان ونقص العمالة الماهرة، انعكست على الإنتاجية وعلى قدرة الاقتصادات على استعادة زخمها. رابعًا، لأن التوترات الجيوسياسية وما يتبعها من اضطراب تجاري وتمويلي رفعت مستوى عدم اليقين، وهو العامل الأكثر إزعاجًا لأي قرار استثماري طويل الأمد.

وفي قلب هذا السرد يبرز العامل الضريبي كأحد أكثر المحرّكات حساسية في حركة المال. أولًا، لأن رفع الضرائب على الدخل أو الأرباح الرأسمالية أو الثروات لا يُقرأ كإجراء مؤقت فحسب، بل كإشارة إلى اتجاه سياسي قد يتوسع مستقبلًا. ثانيًا، لأن تغيّر السياسات الضريبية بوتيرة متسارعة يخلق حالة من عدم الاستقرار تجعل التخطيط طويل الأمد أكثر صعوبة. ثالثًا، لأن الحديث المتكرر عن ضرائب استثنائية أو إجراءات لسد العجز المالي يدفع أصحاب الثروات إلى تقليل تعرّضهم للمفاجآت، فيتحول نقل الإقامة أو النشاط إلى خطوة وقائية. في هذا السياق، تصبح الإمارات بغياب ضريبة الدخل الشخصي نموذجًا جاذبًا، وتصبح سويسرا بخياراتها الضريبية المتنوعة بين الكانتونات ملاذًا يوازن بين أوروبا والميزة التنافسية.

ومع انتقال رأس المال، لا تظهر الإمارات كوجهة عابرة، بل كبيئة جرى تصميمها لاستقطاب المال لا لمجرد استضافته. أولًا، لأن وجود مراكز مالية ذات أطر تنظيمية مستقلة ومعايير عالمية يمنح الشركات ثقة عالية في القواعد التي تعمل ضمنها. ثانيًا، لأن البنية التحتية المتقدمة والخدمات الحكومية السريعة تقلّص الزمن بين الفكرة والتنفيذ، فتتحول السرعة إلى عنصر تنافسي حاسم. ثالثًا، لأن الموقع الجغرافي والتوقيت بين أوروبا وآسيا يوفران ميزة تشغيلية يومية تسمح بإدارة أعمال تمتد عبر قارات متعددة. رابعًا، لأن الإقامات طويلة الأمد وما يصاحبها من استقرار اجتماعي يحوّلان قرار الانتقال من خطوة مؤقتة إلى إعادة تموضع فعلي للعائلات والمواهب.

وفي المقابل، تستعيد سويسرا دورها التقليدي كملاذ مالي يزداد بريقه حين تشتد الضغوط العالمية. أولًا، لأن الاستقرار السياسي والمؤسسي يمنح أصحاب الثروات شعورًا بأن قواعد اللعبة لن تتغير بشكل مفاجئ. ثانيًا، لأن عمق القطاع المصرفي والخدمات المالية، إلى جانب السمعة الطويلة في إدارة الثروات، يعززان الثقة في النظام ككل. ثالثًا، لأن بعض الكانتونات تقدم ترتيبات ضريبية تنافسية وحوافز مصممة لتناسب أصحاب الثروات العالية. رابعًا، لأن مدنًا مثل جنيف وزوغ توفر بيئة هادئة ومركزة تناسب من يفضل حماية الثروة بقدر تنميتها.

ولا تتطابق دوافع الانتقال بين جميع المستثمرين، إذ يتحدد الاختيار بين الإمارات وسويسرا وفق طبيعة النشاط ونمط الحياة المرغوب. أولًا، يميل من يبحث عن نمو سريع واتصال مباشر بالأسواق الناشئة إلى الإمارات حيث الزخم الإقليمي والتوسع السريع. ثانيًا، يفضل من يسعى إلى البقاء داخل الإطار الأوروبي مع أعلى درجات الاستقرار المؤسسي النموذج السويسري. ثالثًا، تلعب طبيعة العملاء والشركاء دورًا حاسمًا في ترجيح الكفة بين الوجهتين. رابعًا، حتى الاعتبارات الشخصية ونمط المعيشة تصبح جزءًا من المعادلة، بين مدينة عالمية نابضة بالحركة وبيئة أكثر هدوءًا وثباتًا.

وبينما تتسارع هذه التحولات، لا يقتصر أثرها على انتقال الأفراد والشركات فحسب، بل يمتد ليصيب النظم الاقتصادية التي تفقدهم. أولًا، تخسر الاقتصادات الأوروبية جزءًا من إيراداتها المباشرة وغير المباشرة، إلى جانب استثمارات وفرص عمل مرتبطة بالقطاع المالي. ثانيًا، يتأثر النظام البيئي المحيط بالمال، من خدمات قانونية واستشارية وتقنية، حين ينتقل مركز الثقل إلى خارج حدوده. ثالثًا، يؤدي خروج المواهب العليا إلى إضعاف نقل المعرفة والابتكار داخل السوق المحلي. رابعًا، تتأثر السمعة الاقتصادية للمدن المالية التقليدية حين تتكرر قصص الانتقال دون استجابة إصلاحية كافية.

ومع تكرار هذه المؤشرات، يصبح من الصعب النظر إلى ما يحدث كموجة مؤقتة. أولًا، لأن التحديات التي دفعت رأس المال إلى البحث عن بدائل ذات طبيعة هيكلية وتحتاج وقتًا طويلًا لمعالجتها. ثانيًا، لأن المراكز الصاعدة تواصل الاستثمار في تحسين تشريعاتها وبنيتها التحتية بدل الاكتفاء بالمكاسب الحالية. ثالثًا، لأن انتقال المؤسسات الكبرى يخلق أثرًا تراكميًا يدفع أطرافًا أخرى إلى اللحاق بها. رابعًا، لأن إعادة التمركز حين تتحول إلى واقع تشغيلي يصعب التراجع عنها بسهولة.

في المحصلة، يكشف هذا التحول أن المال لا يهاجر بدافع العاطفة، بل يتحرك حيث يجد وضوحًا في القواعد، واستقرارًا في القرار، وكلفة أقل للاحتكاك مع الدولة. أولًا، لأن الوضوح التشريعي يمنح الثروة قدرة على التخطيط بثقة. ثانيًا، لأن الاستقرار السياسي والمالي يحمي القرارات من الصدمات المفاجئة. ثالثًا، لأن السياسات الضريبية التنافسية تخلق مساحة للنمو بدل الاستنزاف. رابعًا، لأن جودة الحياة تجعل الانتقال خيارًا قابلًا للاستمرار لا مجرد محطة عابرة. وبينما تستمر هذه المعادلة في العمل، يبدو أن الإمارات وسويسرا لا تكتفيان باستقبال المال، بل تشاركان في إعادة تعريف المكان الذي يريد أن يكون فيه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى