إمبراطورية تزحف بلا ضجيج: كيف تحاول الصين إعادة رسم موازين العالم بهدوء.

ارقام

 

نيويررك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة

في المخيال السياسي القديم كانت الهيمنة تُقاس بعدد الدبابات والأساطيل والقواعد العسكرية، وكانت صورة القوة العظمى ترتبط بالمظلات النووية وتحالفات عسكرية ممتدة عبر القارات. أمّا اليوم، وفي عام ألفين وخمسة وعشرين تحديداً، فيتبدّل المشهد تدريجياً: لا ضجيج مدافع على الحدود بقدر ما هناك مصانع للسيارات الكهربائية والبطاريات، وموانئ تديرها شركات آسيوية، وشبكات ألياف ضوئية، ومراكز بيانات وحواسيب عملاقة للذكاء الاصطناعي تمتد من بكين إلى شنجن، ومن آسيا إلى إفريقيا وأميركا اللاتينية. في هذه الخلفية، تظهر الصين لا بوصفها قوة صاعدة فحسب، بل كمشروع هادئ لإعادة رسم موازين القوة العالمية، مشروع يشق طريقه عبر التجارة والتكنولوجيا والديون والبنى التحتية أكثر مما يشقه عبر الجيوش.

اقتصادياً، تبدو الصورة للوهلة الأولى مزدوجة المعنى. فالمؤسسات الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي، ما زالت تتوقع للصين نمواً يقترب من خمسة في المئة في عام ألفين وخمسة وعشرين، مع مساهمة تُقارِب ثلث النمو العالمي، مستندة إلى قوة الصادرات وبرامج تحفيز مالي واسعة وحجم سوق داخلية هائل. في المقابل، تقديرات مستقلة صادرة عن مراكز بحثية غربية في أواخر العام نفسه قدّرت النمو الفعلي عند حدود تقل عن ذلك بشكل ملحوظ، وأشارت إلى فجوة بين الأرقام الرسمية ومستوى الطلب الحقيقي في الاقتصاد، وإلى سلسلة فصول متتالية من ضغوط انكماشية وركود في الاستثمارات العقارية والصناعية. ومع ذلك، حتى في حال تباطؤ النمو، يبقى الحجم الهائل للاقتصاد الصيني وتشابكه مع سلاسل التوريد العالمية كفيلاً بتحويل كل نقطة نمو أو تراجع إلى موجة ارتجاج تمتد من أسواق السلع في إفريقيا إلى بورصات أوروبا وأميركا.

غير أن “الزحف الصامت” للقوة الصينية يتجلى بوضوح أكبر في ميدان التكنولوجيا والمعرفة. فالمنظمة العالمية للملكية الفكرية تُظهِر في تقاريرها الحديثة أن الصين باتت تستحوذ على ما يقارب نصف طلبات البراءات على مستوى العالم، بعد أن ارتفعت حصة مكتب البراءات الصيني خلال عقد واحد من نحو ثلث الطلبات العالمية إلى ما يناهز نصفها تقريباً في عام ألفين وثلاثة وعشرين، متقدمة بفارق واسع على مكاتب البراءات في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان. وفي مجال الذكاء الاصطناعي تحديداً، تشير دراسات دولية إلى أن الصين تمسك اليوم بنصيب راجح من براءات الاختراع المسجلة في هذا المجال، بحيث يقترب نصيبها من ثلثي البراءات العالمية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة، ما يجعلها قوة أرقام أولى، حتى إن بقيت نوعية الكثير من هذه البراءات موضع نقاش بين المختصين.

تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي العالمي الأخير، إلى جانب تقارير بحثية متخصصة، يلفت إلى أن الولايات المتحدة ما زالت متقدمة في جانبين حاسمين: القدرة الحاسوبية الفائقة، وجودة النماذج والأبحاث ذات التأثير العلمي الأوسع، لكن الصين تتصدر في عناصر أخرى لا تقل أهمية: حجم البيانات المتاحة، وعدد الباحثين، وحجم الأبحاث المنشورة، وانتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي في قطاعات الصناعة والخدمات والحكومة. حتى إن بعض المحللين باتوا يصفون تعامل بكين مع الذكاء الاصطناعي بوصفه “مورد قوة إستراتيجي” لا يقل أهمية عن الطاقة أو التفوق العسكري التقليدي.

وعلى الأرض الصناعية، تشهد الصين طفرة لا تقل دلالة. فقد أصبحت لاعباً مهيّمنًا في السيارات الكهربائية والبطاريات المتقدمة والألواح الشمسية والروبوتات الصناعية، إلى حد أن اقتصاديين أوروبيين يحذرون من “صدمة صينية جديدة”، تشبه الصدمة التي أحدثها دخول الصين إلى منظمة التجارة العالمية في مطلع الألفية الثالثة، ولكن هذه المرة في مجال السلع عالية القيمة والتقنيات الخضراء، لا في مجال السلع الرخيصة وحدها. هذه الموجة من المنتجات المدعومة، ذات الأسعار التنافسية، تضع ضغوطاً شديدة على الصناعات الأوروبية والآسيوية المنافسة، وتفتح في الوقت ذاته أسواقاً جديدة للصين في دول الجنوب التي ترى في هذه السلع فرصة للتحول الطاقي بتكاليف أقل.

على صعيد الجغرافيا الاقتصادية، لا يمكن فهم إستراتيجية الصين في عام ألفين وخمسة وعشرين من دون التوقف عند مبادرة “الحزام والطريق” التي دخلت عقدها الثاني. التقارير المتخصصة تشير إلى أن إجمالي الانخراط المالي الصيني المرتبط بهذه المبادرة منذ إطلاقها بلغ مئات المليارات من الدولارات، بل يتجاوز التريليون بأضعاف إذا احتُسبت الاستثمارات المباشرة والقروض وعقود إنشاء البنى التحتية في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية. وحده النصف الأول من عام ألفين وخمسة وعشرين شهد رقماً قياسياً جديداً في حجم العقود والاستثمارات المعلنة في هذا الإطار، قُدِّر بعشرات المليارات من الدولارات في بضعة أشهر، توزّعت بين مشاريع إنشاء ومشاريع استثمارية في موانئ وطرق وسكك حديد ومحطات طاقة.

الجديد في هذه المرحلة أن بكين لا تكتفي بالبنى التحتية المادية، بل توسع ما تسمّيه “طريق الحرير الرقمي والأخضر والبحري”: مذكرات تفاهم مع عدد كبير من الدول للتعاون في الاقتصاد الرقمي والاقتصاد الأخضر والاقتصاد البحري، وتوسيع شراكات التجارة الإلكترونية العابرة للحدود مع عشرات البلدان. ومعنى ذلك أن الصين لم تعد تبني الميناء أو الطريق فحسب، بل تحاول أيضاً أن تكون جزءاً من المنصة الرقمية والمالية التي تمر عبرها البضائع والخدمات، وأن تشارك في كتابة بعض المعايير التقنية والتنظيمية التي تحكم هذه الشبكات.

في الخلفية المالية، يلفت الانتباه أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة الوافدة إلى الصين شهدت تراجعاً ملحوظاً على أساس سنوي في عام ألفين وخمسة وعشرين، لكن توزيعها الجغرافي يروي قصة أكثر تعقيداً؛ إذ تراجع الاستثمار القادم من بعض الاقتصادات الغربية الكبرى، في حين زاد الاستثمار القادم من دول أخرى مثل سويسرا والإمارات وبريطانيا، بنسبة ملفتة، ما يوحي بأن الصورة ليست انسحاباً شاملاً من السوق الصيني، بل إعادة تموضع نوعي يتراجع فيه بعض المستثمرين ويتقدم آخرون يبحثون عن فرص استراتيجية طويلة الأمد في الصناعات المتقدمة والبنية التحتية الرقمية والطاقة النظيفة.

مع ذلك، فإن هذا الوجه “الزاحف” للقوة لا يخفي وجود هشاشة جدية في الداخل الصيني. تقارير اقتصادية دولية تتحدث بقدر متزايد من الصراحة عن اقتصاد مثقل بالديون، لا سيما ديون الحكومات المحلية، وعن قطاع عقاري متعثر تراجعت فيه الأسعار بقوة وأصبح عبئاً على المصارف والسلطات المحلية، وعن بطالة مرتفعة نسبياً بين الشباب، وعن استثمارات ضخمة تضخ في قطاعات تكنولوجية قد لا ينجح جميعها. إحدى الصحف الاقتصادية الغربية وصفت المشهد بأنه “اقتصاد مليء بالثقوب يحاول سدّها بالتكنولوجيا”، محذرة من أن تركيز بكين على الأمن القومي والاكتفاء الذاتي قد يأتي أحياناً على حساب فعالية السوق وقدرة الاستهلاك المحلي على قيادة النمو.

صندوق النقد الدولي نفسه يدعو الصين منذ سنوات إلى التحول نحو نموذج نمو يقوده الاستهلاك الداخلي، وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي للأسر، وتخفيف الاعتماد على الاستثمار الحكومي والائتمان الرخيص، مع تقليص تدخل الدولة المباشر في توزيع الموارد. ولكن القيادة الصينية تميل إلى إعطاء الأولوية لمفهومَي الأمن والاستقرار طويل الأمد، حتى لو جاء ذلك على حساب المغامرة بإصلاحات بنيوية عميقة وسريعة، وهو ما يفسر جزئياً الجمع بين خطاب “الانفتاح” الاقتصادي من جهة، وتشديد القبضة التنظيمية على شركات التكنولوجيا ورجال الأعمال الكبار من جهة أخرى.

ردود فعل القوى الأخرى تكمل لوحة “الهيمنة الهادئة”. في الولايات المتحدة، تتعامل التقارير الإستراتيجية الرسمية مع الصين بوصفها المنافس الرئيسي في “التقنيات الحرجة والناشئة”، وتقر بأن واشنطن ما زالت في موقع متقدم في مجالات مثل رقائق الحوسبة المتقدمة، والذكاء الاصطناعي الأعلى أداءً، وبعض تقنيات الدفاع، لكنها تحذر من أن الفجوة تضيق بسرعة، وخصوصاً بعد بروز نماذج صينية في الذكاء الاصطناعي التوليدي تُقارِب في قدراتها بعض النماذج الغربية التجارية. سياسات تقييد تصدير الشرائح المتقدمة ومعدات تصنيع أشباه الموصلات إلى الصين، ومحاولات إعادة سلاسل التوريد إلى أراضٍ أميركية أو إلى دول حليفة، ليست سوى وجه واحد من أوجه هذه المواجهة التقنية الممتدة.

في أوروبا، يتحدث عدد متزايد من الاقتصاديين وصناع القرار عن أن القارة تواجه “موجة صينية ثانية” مع تدفق السيارات الكهربائية والمنتجات الخضراء الصينية بأسعار تنافسية تضغط على الصناعات المحلية. الفائض التجاري الصيني المتنامي مع أوروبا يُترجَم إلى عجز متزايد في دول الاتحاد، ما يدفع بروكسل إلى فتح تحقيقات في الدعم الممنوح لبعض القطاعات الصينية وفرض رسوم تعويضية أولية على بعض الواردات، وسط جدل حاد بين من يخشى حرباً تجارية شاملة ومن يرى أن ترك الباب مفتوحاً من دون ضوابط يعني تعريض القاعدة الصناعية الأوروبية للتآكل.

في ضوء كل ما سبق، تبدو سنة ألفين وخمسة وعشرين لحظة مفصلية في فهم “مشروع الصين”. فالصورة أبعد ما تكون عن قوة مكتملة الهيمنة تسير من انتصار إلى آخر؛ ثمة اقتصاد يواجه تباطؤاً واضحاً وسكان يشيخون بسرعة وضغوط اجتماعية داخلية وديون متراكمة واستثمارات خارجية لا تخلو من المخاطر، ومقاومة سياسية متزايدة من شركاء تجاريين كبار. لكن في المقابل، هناك تراكم هادئ لعناصر قوة يصعب تجاهلها: تفوق رقمي في عدد البراءات والتقنيات التطبيقية، شبكة بنى تحتية عالمية تمتد من الموانئ الإفريقية إلى السكك الحديدية في آسيا وأوروبا الشرقية عبر “الحزام والطريق”، حضور ثقيل في الصناعات الخضراء والرقمية، ومحاولات حثيثة للمشاركة في كتابة قواعد اللعبة التكنولوجية والاقتصادية للعقود المقبلة.

السؤال إذن لم يعد ما إذا كانت الصين “تصعد” أم لا؛ فهذا الصعود بأشكاله المختلفة حقيقة رقمية وجيوسياسية. السؤال الأهم هو: إلى أي نموذج عالمي تقود هذه الحركة الصامتة؟ هل نحن أمام قوة تريد استنساخ منطق الهيمنة القديم بأدوات أكثر نعومة، أم أمام لاعب يحاول قبل كل شيء حماية استقراره الداخلي عبر تصدير فوائضه الإنتاجية والمالية إلى العالم، حتى لو أدى ذلك إلى صدامات تجارية وسياسية متكررة؟ المؤكد أن عام ألفين وخمسة وعشرين سجّل خطوة إضافية في انتقال مركز ثقل الاقتصاد والتكنولوجيا شرقاً، وأن العالم ـ من واشنطن إلى بروكسل ومروراً بعواصم الجنوب ـ سيقضي سنوات مقبلة وهو يحاول التكيّف مع إمبراطورية لا تعلن نفسها إمبراطورية، لكنها تبني أسسها لبنة
بعد أخرى… وبهدوء.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى