أفول النظام الإيراني أم تجدد قبضته؟ حصيلة ٢٠٢٥ بين الشارع والعقوبات وتبدل التحالفات

بدأ تجّار في طهران حركة الاحتجاج
نيويورك – زينة بلقاسم –
منذ انتصار الثورة الإيرانية في فبراير عام ١٩٧٩، بَنى النظام الجديد شرعيته على معادلة مزدوجة: تعبئة داخلية باسم الثورة والهوية، وردع خارجي عبر “تصدير النفوذ” وبناء أدوات ضغط إقليمية. لعقودٍ طويلة بدا أن هذه المعادلة تعمل، ولو بثمنٍ باهظ: اقتصاد يعيش تحت دورات متتالية من العقوبات، ومجتمع يتأرجح بين الانضباط والخوف والانفجار، ودولة تتوسع في الإقليم لتصنع عمقًا دفاعيًا لكنها تفتح على نفسها جبهات دائمة. غير أن نهاية عام ألفين وخمسة وعشرين أعادت سؤال البقاء إلى الواجهة، ليس لأن النظام انهار، بل لأن مؤشرات الإنهاك تزامنت في وقت واحد: احتجاجات واسعة تُختم بها السنة، عملة تتهاوى، تضخم مرتفع، ضغوط أمريكية وأوروبية تتجدد، وتحالفات تتغير على وقع حرب أوكرانيا وأزمات الشرق الأوسط وتوازنات الصين وروسيا.
جاءت الشرارة الأحدث من الداخل، لا من ملف نووي ولا من ضربة خارجية. و منذ أواخر ديسمبر ٢٠٢٥، شهدت و تشهد إيران موجة احتجاجات وصفتها صحيفة الغارديان بأنها الأوسع منذ ثلاث سنوات، اندلعت على خلفية تدهور سعر العملة وارتفاع تكاليف المعيشة وإغلاق متاجر في مدن رئيسية مثل طهران وأصفهان وشيراز ومشهد، مع استخدام قوات الأمن الغاز المسيل للدموع ووقوع اشتباكات متفرقة و ضحايا بدايتها مع عنصر من قوات الباسيج. وأشارت التغطية إلى أن الرئيس مسعود بزشكيان تحدث عن “مشروعية مطالب المحتجين” ودعا إلى الحوار، في محاولة لامتصاص الغضب بدل كسره بالكامل. و أبرزت في اليوم نفسه، صحيفة واشنطن بوست دلالة أكثر حساسية و هي انضمام شرائح من “البازار” إلى الاحتجاجات، وهي شريحة طالما اعتُبرت أقرب إلى الاستقرار والمحافظة، ما جعل الاحتجاج الاقتصادي يتحول سريعًا إلى شعارات سياسية أوسع في عدد من المدن.  وعلى مستوى الأرقام التي تُعطي الأزمة وزنها، نقلت قناة “العربية” الإخبارية أن سعر الدولار في السوق الحرة تجاوز “١٤٤ ألف تومان”، وأن مركز الإحصاء الإيراني أعلن أن معدل التضخم السنوي لشهر ديسمبر تجاوز “٥٢٪ في المئة”، وهي مؤشرات تجعل الاحتجاج مفهومًا حتى قبل أن يصبح سياسيًا. 
هذه النهاية الساخنة لعام ٢٠٢٥ لا تُقرأ بمعزل عن ذاكرة قريبة ما زالت مفتوحة منذ احتجاجات ٢٠٢٢ بعد وفاة مهسا أميني في الحجز، حين تشكلت موجة احتجاجية واسعة واجهتها السلطات بتشدد أمني كبير، وتركت أثرًا طويلًا على صورة الدولة داخل المجتمع. لذلك تبدو موجة ديسمبر ٢٠٢٥ امتدادًا لتراكم اجتماعي واقتصادي، لكنها تحمل اختلافًا مهمًا حيث انها خرجت من قلب الضائقة المعيشية ومن طبقات تجارية ومهنية إلى جانب الشباب والطلاب والعمال والمتقاعدين، ما يجعلها أوسع تمثيلًا وأشد إرباكًا لخطاب الدولة الذي اعتاد تصوير الاحتجاج كحالة هامشية. 
في الوقت ذاته، كان الخارج يضغط من زاويتين: العقوبات والاصطفافات. ففي يوليو ٢٠٢٥، ذكرت “سي إن إن الاقتصادية” أن وزارة الخزانة الأمريكية فرضت ما وُصف بأنه أكبر حزمة عقوبات على إيران منذ عام ألفين وثمانية عشر، مستهدفة “شبكة شحن نفطية” تضم أكثر من “مئة وخمسة عشر” فردًا وكيانًا وسفينة. وتناولت “قناة العربية الإخبارية” في التاريخ نفسه مضمون الحزمة مع تأكيد واشنطن أن شراء النفط الإيراني يعرّض الأفراد والدول لخطر العقوبات، في رسالة تعني عمليًا تشديد الخناق على منافذ التمويل في لحظة حساسة داخليًا. وعلى الجبهة الأوروبية، أوردت “قناة الجزيرة” نقلًا عن وكالة رويترز أن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي أقروا في أبريل ٢٠٢٥ عقوبات على “سبعة أفراد” و“كيانين” إيرانيين بسبب احتجاز رعايا غربيين، في ملف تصفه بروكسل بسياسة “احتجاز رهائن”. أما في الملف النووي، فقد أشارت “شبكة العربية” في مارس ٢٠٢٥، نقلًا عن وكالة رويترز، إلى جلسة مغلقة لمجلس الأمن حول ارتفاع مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، وإلى حديث أوروبي عن احتمال إعادة تفعيل مسار العقوبات الدولية قبل نهاية نافذة آلية إعادة العقوبات في أكتوبر. 
لكن ضغط العقوبات وحده لا يفسر ما يحدث؛ فالتحالفات نفسها باتت أكثر سيولة. إيران تحاول منذ سنوات توسيع هامشها عبر روسيا والصين ومنظمة شنغهاي للتعاون، وتحديدًا في لحظات العزلة الغربية. وفي يوليو ٢٠٢٥، نقل موقع “سويس إنفو” الناطق بالعربية عن وكالة رويترز أن إيران ستجري محادثات مع روسيا والصين على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون، في وقت تتطلع فيه طهران إلى دعم بعد حرب جوية استمرت “اثني عشر يومًا” مع إسرائيل في الشهر السابق، وهو تفصيل يكشف كيف تتشابك الحسابات الأمنية مع الحاجة إلى مظلة سياسية واقتصادية. وفي قراءة موازية لطبيعة هذا التقارب، ناقشت “الجزيرة” في يونيو عام ألفين وخمسة وعشرين أن العلاقة بين إيران وروسيا والصين ليست دائمًا تحالفًا صلبًا بقدر ما هي شبكة مصالح، تشمل الطاقة والخصومات النفطية وتقاطعات العقوبات، حيث تعتمد الصين على النفط الإيراني بخصومات كبيرة، بينما ترى روسيا إيران منافسًا محتملًا في أسواق الطاقة الآسيوية. 
هنا يتضح المعنى السياسي الأعمق لنهاية عام ألفين وخمسة وعشرين: إيران محاصرة اقتصاديًا لكنها ليست معزولة بالكامل، وتمتلك أدوات نفوذ إقليمية لكنها تدفع ثمنها داخليًا، وتحاول التحرك شرقًا لكنها لا تملك ضمانة أن الشرق سيحمل عنها كلفة الغرب. وحتى الاحتجاجات نفسها تُظهر هذا التناقض: كثير من الشعارات، كما لاحظت تغطيات غربية، لم تعد تكتفي بالاقتصاد، بل تمس أولويات السياسة الخارجية وتطالب بإعادة توجيه الموارد إلى الداخل بدل الاستنزاف الخارجي، وهو ما يجعل ملف “النفوذ” يتحول من ورقة قوة إلى سبب غضب. 
فهل يعني ذلك أن أفول النظام بدأ؟ الأدق أن نقول إن سنة ٢٠٢٥ جعلت “سؤال الأفول” أكثر واقعية، لكنها لم تمنح إجابة نهائية. فالنظام ما زال يملك أجهزة أمنية قادرة على الاحتواء والتفكيك والاعتقال، وما زال يملك أدوات ضبط إعلامي ورقمي، وما زال قادرًا على تحويل التهديد الخارجي إلى خطاب تعبئة. وفي المقابل، ما ظهر بوضوح هو أن المجتمع بات يعيش ضغطًا مركبًا: تضخم يتجاوز نصف القاعدة السنوية في بعض المؤشرات الرسمية، عملة تتدهور إلى مستويات قياسية، وشرائح كانت تُعدّ أقرب للاستقرار بدأت تدخل دائرة الاحتجاج. 
في المحصلة، بدت نهاية ٢٠٢٥ كمرآة لتاريخ النظام الإيراني كله: كلما اشتد الضغط الخارجي لجأ إلى تثبيت الداخل بالقوة أو بالوعود، وكلما ضاقت المعيشة انفجرت موجات احتجاج تُخمد لكنها تترك جذورًا. لكن الجديد هذه المرة أن الضغوط جاءت متزامنة وبزخم مرتفع: حيث عقوبات أمريكية واسعة في منتصف العام، و عقوبات أوروبية مرتبطة بملفات حقوقية واحتجاز رعايا، إلى جانب توتر نووي يقترب من مواعيد حساسة، وتحالفات شرقية تتسع لكنها ليست ضمانة إنقاذ، ثم احتجاجات اقتصادية سياسية تُختم بها السنة وتكشف أن الخوف لم يعد كافيًا وحده لضبط المزاج العام.




