أفريقيا… المعركة الصامتة المتداخلة في امكانية حسم مستقبل النفوذ الأميركي

/صورة تعبريه من مركز الدرسات الوحدة العربية
نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة
لم تعد أفريقيا ساحة بعيدة على هامش السياسة الدولية، ولا ملفًا إنسانيًا يُستحضر عند الأزمات ثم يُنسى. ما يجري في القارة اليوم هو سباق نفوذ مكتمل الأركان، تُرسم عبره خرائط الاقتصاد العالمي الجديد: من يملك المعادن الحرجة، من يتحكم في الممرات اللوجستية، ومن يصوغ قواعد الشراكة والاستثمار لعقود مقبلة. وبقدر ما تبدو هذه المعركة صامتة، بقدر ما تحمل آثارًا مباشرة على مستقبل الولايات المتحدة ومكانتها في التنافس العالمي.
أهمية أفريقيا لم تعد تُختزل في احتياطيات النفط والغاز وحدها، بل في ما تملكه من معادن أصبحت قلب التحول الاقتصادي العالمي: النحاس والكوبالت والليثيوم والنيكل والمنغنيز… وهي عناصر تدخل في صناعة البطاريات والسيارات الكهربائية وشبكات الطاقة المتجددة، وتصل إلى صناعات التكنولوجيا المتقدمة. ومن هنا، تصبح أفريقيا في السنوات المقبلة “بوابة” حاسمة لأمن سلاسل الإمداد العالمية، أي أن السيطرة على هذه الموارد لم تعد مسألة تجارة، بل مسألة نفوذ استراتيجي.
في هذا السياق، يبرز نموذج الصين بوصفه الأكثر حضورًا وتماسكًا. بكين لم تدخل أفريقيا عبر خطابات سياسية أو “نوايا طيبة”، بل عبر معادلة عملية: بنية تحتية وتمويل سريع مقابل نفوذ طويل الأمد. الطرق والموانئ والسكك الحديدية ومحطات الطاقة ليست مجرد مشاريع تنموية، بل أدوات لإدارة التدفقات التجارية وربط الموارد بالمنافذ التي تضمن للصين استمرار التوريد. الفكرة الجوهرية ليست امتلاك المنجم فقط، بل امتلاك “الممر” الذي ينقل ثروات المنجم إلى العالم. ولهذا أصبح النفوذ الصيني مرتبطًا بواقع الاعتماد: دول كثيرة تحتاج التمويل والبنية التحتية سريعًا، فتقبل صفقات تُغلق لاحقًا هامش المناورة أمام شركاء آخرين.
أما روسيا، فتتقدم بنموذج مختلف وأكثر خطورة، قائم على “الأمن مقابل الموارد”. في الدول الهشة أو التي تعاني صراعات داخلية، تتحول الحماية الأمنية إلى بوابة اقتصادية، ويصبح الذهب والماس وغيرهما جزءًا من معادلة النفوذ. هذا النمط لا يخلق نموًا بقدر ما يُكرس بيئة غير مستقرة تُضعف فرص الاستثمار الغربي، وتفتح المجال لشبكات غير رسمية واقتصادات ظلّية، مع ما يعنيه ذلك من انعكاسات أمنية وإقليمية تتجاوز حدود الدولة الواحدة.
وسط هذا كله، تبدو الولايات المتحدة أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع العودة إلى أفريقيا بوصفها شريكًا اقتصاديًا طويل الأمد، لا مجرد لاعب يستيقظ متأخرًا عندما تتغير موازين القوى؟ الإجابة لا تكمن في التصريحات، بل في أدوات ملموسة: تمويل مرن، مشاريع بنية تحتية ذات أثر اقتصادي فعلي، والأهم—الانتقال من نموذج “استخراج الخام وتصديره” إلى نموذج “المعالجة والتصنيع محليًا”. فالفارق بين شراكة تربح ثقة المجتمعات، ونفوذ يواجه رفضًا سياسيًا، هو مقدار ما تتركه الاستثمارات من وظائف ومعرفة وقيمة مضافة داخل الدول المضيفة.
فرص الاستثمار موجودة وتزداد وضوحًا. حزام النحاس في زامبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية يظل أحد أهم مفاتيح معادن الطاقة النظيفة عالميًا، وشرق أفريقيا يحمل إمكانات معتبرة في الغاز الطبيعي، فيما يفتح التحول الرقمي وموجة التكنولوجيا المالية أبوابًا لابتكارات تتجاوز نماذج البنوك التقليدية. كذلك فإن الزراعة وسلاسل الغذاء—في زمن تتزايد فيه حساسية الأمن الغذائي—تمثل مساحة واعدة للاستثمار في الري والتخزين وسلاسل التبريد والنقل.
لكن المنافسون لا يراهنون فقط على الموارد، بل على “الثغرات”: فجوة التمويل، استعجال البنية التحتية، ضعف التصنيع المحلي، هشاشة الأمن، والبيروقراطية والحوكمة. هذه هي الأبواب التي يدخل منها النفوذ، وهذه هي النقاط التي تحتاج واشنطن أن تنافس فيها بذكاء: أن تقدم بدائل قابلة للتنفيذ، سريعة بما يكفي، وشفافة بما يمنحها شرعية طويلة الأمد.
وبالتالي يمكن استخلاص، ليست القضية أن أفريقيا “قارة واعدة” وحسب، بل أنها أصبحت قلبًا نابضًا في معادلة النفوذ العالمي. ومن يقرأ أفريقيا جيدًا سيقرأ مستقبل الاقتصاد العالمي من الآن، لأن ما يحدث هناك سيحدد من يملك المواد الخام، ومن يتحكم في خطوط التجارة، ومن يضع قواعد اللعبة في عصر التحول الطاقي والتكنولوجي. أفريقيا لم تعد الهامش… إنها العنوان القادم.




