ميزان القوة بين في الدول العربية الأقوى من منظور الغرب

 

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة

في مراكز التفكير الغربية، لا يُنظر إلى الشرق الأوسط كساحة نزاعات معلنة بقدر ما يُنظر إليه كنظام توازنات حساس، تتحرك فيه القدرات العسكرية بسرعة أحياناً أسرع من السياسة نفسها. لهذا السبب، عندما تتطور جيوش محورية مثل مصر والسعودية والجزائر، فإن التحليل لا يركّز على سؤال “من الأقوى عدداً؟” بل على سؤال أكثر عمقاً: كيف يتغير شكل الردع؟ وهل يتحول من ردع تقليدي قائم على الكتلة إلى ردع شبكي قائم على السرعة والتكامل؟

البداية من مصر، لأنها تمثل الكتلة العسكرية العربية الأكبر من حيث الحجم البشري والانتشار الجغرافي. في تصنيف “غلوبال فاير باور” لهذه السنة ٢٠٢٦، جاءت مصر في المرتبة ١٩ عالمياً، مع نحو ٤٣٨ ألفاً ٥٠٠ جندي فاعل، ونحو ٤٧٦ ألف احتياط، إضافة إلى أكثر من ١٠٠٠ طائرة عسكرية ومئات القطع البحرية وآلاف الدبابات وفق بيانات المؤشر ذاته.

غير أن القراءة الغربية لا تقف عند الأرقام. ف أهمية مصر تكمن في موقعها الذي يربط شرق المتوسط بالبحر الأحمر عبر قناة السويس، وفي قدرتها على التحرك المتزامن بين مسارح متعددة. كما أن سياسة تنويع مصادر التسليح وتطوير البنية التحتية ومحاور الانتشار قلّصت زمن الحركة بين الجبهات، ما يعزز مرونتها العملياتية. بعبارة أخرى، مصر لا تمثل قوة عددية فقط، بل قوة زمن أيضاً، أي قدرة على تقليص المسافة بين القرار والتنفيذ.

ومن هذه النقطة ينتقل التحليل إلى السعودية، التي تمثل نموذجاً مختلفاً في بنية القوة. فإذا كانت مصر قوة كتلة بشرية وموقع استراتيجي، فإن السعودية قوة إنفاق وتكنولوجيا. في تصنيف “غلوبال فاير باور” لعام ٢٠٢٦ جاءت في المرتبة ٢٥ عالمياً.

وعلى مستوى الإنفاق، تشير تقديرات مستندة إلى بيانات “سيبري” إلى أن السعودية كانت أكبر منفق عسكري في الشرق الأوسط في ٢٠٢٤، بإنفاق يقدّر بنحو ٨٠،٣ مليار دولار.

ولا يعني هذا الإنفاق تضخماً عددياً بقدر ما يعكس تركيزاً على التفوق الجوي والدفاع الجوي وحماية البنية التحتية للطاقة والموانئ. لذلك تُقرأ السعودية غربياً كقوة تقنية عالية الاعتماد على الشراكات الصناعية، قادرة على ترقية قدراتها بسرعة إذا تطلبت البيئة الإقليمية ذلك.

أما الجزائر فتضيف بعداً ثالثاً إلى المعادلة. فهي تمثل نموذج العمق الجغرافي والجاهزية البرية. في تصنيف “غلوبال فاير باور” لعام ٢٠٢٦، إذ جاءت في المرتبة ٢٧ عالمياً.

وتشير بيانات البنك الدولي في ٢٠٢٤ إلى إنفاق عسكري يقارب ٢١،٨٠٠ مليار دولار.

و تركّز الجزائر تقليدياً على الدفاع الجوي والقوات البرية، وتستفيد من مساحة واسعة تمنحها مرونة استراتيجية، كما أن موقعها في غرب المتوسط يجعلها عنصراً مهماً في حسابات أمن أوروبا الجنوبية.

وعند جمع هذه النماذج الثلاثة معاً، تتضح الصورة الكلية: الشرق الأوسط لم يعد ساحة أحادية التوازن، بل منظومة متعددة الأقطاب داخل الإطار العربي نفسه. ف مصر توفر الكتلة والمرونة الزمنية، و السعودية توفر الإنفاق والتقنية العالية، والجزائر توفر العمق الجغرافي والجاهزية البرية. كل دولة تمثل شكلاً مختلفاً من القوة، ما يجعل التوازن الإقليمي أكثر تعقيداً من مجرد مقارنة رقمية.

غير أن العامل الحاسم الذي يجمع بين هذه المسارات هو التحول نحو البعد الرقمي. فكلما انتقلت الجيوش من اقتناء المنصات إلى دمج الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات وشبكات القيادة والسيطرة المتقدمة، تقلّص زمن القرار. وهنا يكمن جوهر الحساسية الغربية: السرعة العالية تقلل هامش احتواء سوء الفهم أثناء الأزمات. ولذلك يتحدث الاستراتيجيون عن مفهوم “الردع داخل السلام”، أي الحفاظ على الاستقرار مع إدراك أن التوازن لم يعد ثابتاً بل ديناميكياً.

بهذا المعنى، لا يُنظر إلى تطور الجيوش العربية الكبرى بوصفه مقدمة لصراع، بل كتحول في طبيعة الردع نفسه. مع الأخذ بعين الاعتبار أن الاستقرار في العقد القادم لن يُقاس بغياب الحرب فقط، بل بقدرة القوى الكبرى في المنطقة على إدارة سرعتها العسكرية، وضبط إيقاع التحديث، والحفاظ على قنوات اتصال تمنع تحول التوازن إلى سوء تقدير.

وفي نهاية المطاف، يبقى الشرق الأوسط منطقة لا تتحمل أخطاء الحسابات. وكلما تعاظمت القدرات، أصبح ضبط الإيقاع أهم من امتلاك القوة نفسها.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى