روسيا وأوكرانيا… أربع سنوات من الحرب ومعادلة السلام المؤجلة

 

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة

مع دخول الحرب الروسية–الأوكرانية عامها الخامس، وبعد مرور أربعة أعوام كاملة منذ الرابع والعشرين من فبراير عام ألفين واثنين وعشرين، لم يعد السؤال الأساسي: من ينتصر؟ بل ماذا يكفي كي تتوقف الحرب؟ ورغم تزايد الحديث عن تسويات محتملة، فإن المسافة إلى معادلة سلام متوازنة ما تزال أبعد مما توحي به التصريحات السياسية.
الذكرى الرابعة للحرب هذا العام لم تكن مجرد محطة رمزية في كييف، بل لحظة سياسية بامتياز. قادة أوروبيون حضروا إلى العاصمة الأوكرانية تأكيداً لاستمرار الدعم، في وقت تتصاعد فيه النقاشات داخل الغرب حول كلفة الاستمرار وحدود الانخراط. غير أن المشهد الرمزي لا يحجب حقيقة الأرقام القاسية على الأرض.
على المستوى الإنساني، وثّقت بعثة الأمم المتحدة لمراقبة حقوق الإنسان في أوكرانيا، في تقريرها الصادر عن شهر ديسمبر من عام ألفين وخمسة وعشرين، مقتل ما لا يقل عن مئة وسبعة وخمسين مدنياً وإصابة ثمانمئة وثمانية وثمانين خلال ذلك الشهر وحده. أما خلال عام ألفين وخمسة وعشرين بأكمله، فقد بلغ عدد القتلى المدنيين ما لا يقل عن ألفين وخمسمئة وأربعة عشر قتيلاً، إضافة إلى اثني عشر ألفاً ومئة واثنين وأربعين جريحاً، في ارتفاع ملحوظ مقارنة بالعامين السابقين، ما يعكس تكثف الهجمات واتساع استخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة بعيدة المدى.
أما على صعيد الاحتياجات الإنسانية، فقد أعلنت منظومة الأمم المتحدة في خطتها لعام ألفين وستة وعشرين أن نحو عشرة ملايين وثمانمئة ألف شخص داخل أوكرانيا سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية، مع استهداف تقديم الدعم المباشر لأربعة ملايين ومئة ألف من الأكثر هشاشة، وبتمويل مطلوب يبلغ مليارين وثلاثمئة مليون دولار. هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن أزمة إنسانية مستمرة، بل عن ضغط سياسي واقتصادي يتراكم مع كل شتاء تتعرض فيه البنية التحتية للطاقة لضربات جديدة.
وعند الحديث عن الكلفة الاستراتيجية طويلة الأمد، فإن التقييم المشترك الذي أصدرته الحكومة الأوكرانية بالتعاون مع البنك الدولي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة قدّر كلفة التعافي وإعادة الإعمار بنحو خمسمئة وأربعة وعشرين مليار دولار على مدى عشر سنوات، حتى الحادي والثلاثين من ديسمبر عام ألفين وأربعة وعشرين. ويعادل هذا الرقم قرابة ضعفين وثمانية أعشار ضعف الناتج المحلي الإجمالي الاسمي المتوقع لأوكرانيا لعام ألفين وأربعة وعشرين، ما يوضح حجم العبء المالي الذي سيبقى ملازماً لأي تسوية مستقبلية.
ميدانياً، لم تعد الحرب تُقاس باختراقات كبرى، بل بحرب استنزاف طويلة. تقارير غربية قدّرت أن المكاسب الروسية خلال عام ألفين وخمسة وعشرين بلغت نحو ألف وثمانمئة وخمسة وستين ميلاً مربعاً، أي ما يعادل أقل من واحد في المئة من مساحة أوكرانيا الإجمالية. تقدم بطيء لكنه تراكمي، في مقابل دفاع أوكراني يعتمد على تحصينات عميقة وضربات بعيدة المدى. هذا النمط من القتال يجعل الحرب مكلفة للطرفين، لكنه لا ينتج حسمًا سريعًا.
سياسياً، تتعقد المعادلة بثلاثة ملفات رئيسية. الأول هو ملف الأرض، حيث تصر موسكو على الاعتراف بالواقع الميداني أو تثبيته ضمن أي اتفاق، بينما ترفض كييف تحويل السيطرة العسكرية إلى شرعية سياسية. الثاني هو ملف الضمانات الأمنية، إذ تطالب أوكرانيا بضمانات واضحة وملزمة تحول دون تكرار الحرب، في حين يتباين الغرب حول شكل هذه الضمانات ومدى إلزاميتها. أما الثالث فهو ملف بنية الأمن الأوروبي وتوسع حلف شمال الأطلسي، الذي تعتبره موسكو جوهر الأزمة، وترى فيه اختباراً لتوازن القوى في القارة.
في هذا السياق، تبدو كلمة “السلام” محمّلة بتعريفين مختلفين. كييف تتحدث عن سلام يحفظ السيادة ووحدة الأراضي ويضمن مستقبلاً أمنياً مستقلاً، بينما تتحدث موسكو عن سلام يعالج “جذور الأزمة” ويأخذ في الاعتبار مخاوفها الأمنية ويكرّس معادلات جديدة في شرق أوروبا. وبين التعريفين فجوة استراتيجية لا تزال واسعة.
أربع سنوات من الحرب لم تحسم الصراع، لكنها غيّرت وجه النظام الدولي. أوروبا دخلت سباق تسلح غير مسبوق منذ نهاية الحرب الباردة، والاقتصاد العالمي تأثر بسلاسل توريد مضطربة وأسواق طاقة متقلبة، فيما تحوّلت أوكرانيا إلى ساحة اختبار لإرادة سياسية واقتصادية وعسكرية ممتدة.
قد يكون التعب عاماً، وقد ترتفع الأصوات الداعية إلى إنهاء القتال، لكن السلام في الحروب الكبرى لا يولد من الإرهاق وحده، بل من توازن دقيق بين الوقائع الميدانية والضمانات السياسية. وحتى الآن، ما تزال هذه المعادلة غير مكتملة، ما يجعل الحرب مستمرة بين ضغط الاستنزاف وأمل التسوية المؤجلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى