حرب السودان: اتساع بلا سقف

علم السودان

 

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة

لا يحتاج المرء إلى مبالغة كي يصف ما يجري في السودان بأنه حربٌ خرجت من إطار صراع على السلطة إلى منطق تفكيك الدولة نفسها، لأن المؤشرات الأكثر قسوة لم تعد تُقاس بحركة الجبهات فقط، بل بنوعية الأهداف المتمثلة في مدارس تحولت إلى ملاجئ للنازحين ثم صارت مسرحًا للهجوم، ومراكز إيواء تُضرب في الليل فتختلط صرخة الطفل بصرخة الأم في مساحة لا تملك حتى ترف الإسعاف. هذا بالضبط ما جعل أخبار اعتداءات قوات الدعم السريع على مخيمات ومواضع نزوح، وبينها منشآت تعليمية تُستخدم كإيواء، تبدو كأنها عنوانٌ ثابت لا استثناء، من دارفور إلى كردفان، في بلدٍ تُجمع منظمات دولية على أنه يعيش إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. 

لفهم كيف وصل السودان إلى هنا حتى اليوم، لا بد من استعادة نقطة الانفجار: الحرب التي اندلعت في ١٥ أبريل ٢٠٢٣ بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، والتي تحولت سريعًا إلى حرب مدنٍ وساحات نفوذٍ وطرق إمداد، ثم إلى حرب على السكان أنفسهم حين صار النزوح الجماعي أداةَ واقعٍ لا مجرد نتيجة. تُقدّر مؤسسات الرصد الإنساني أن هذا الصراع أنتج أكبر أزمة نزوح في العالم، مع ملايين اقتُلعوا من ديارهم داخليًا وخارجيًا، وبلدٍ تتآكل فيه الخدمات الأساسية تحت ضغط القتال وانهيار الاقتصاد وشلل الدولة. 

في هذا السياق، يصبح استهداف المدارس بوصفها آخر ما تبقى من مؤسسة مدنية في أحياء منهكة هو إشارة على انتقال الحرب إلى مرحلة أشد خطورة، مرحلة يصبح فيها المدنيون جزءًا من معادلة الردع، ويغدو النزوح نفسه فضاءً مكشوفًا للموت. وثّقت تقارير حقوقية دولية نمطًا متكررًا في هجمات قوات الدعم السريع على مواقع مدنية في دارفور شمل تدمير مدارس وعيادات ومرافق مجتمعية ضمن هجمات واسعة على مخيم زمزم وغيره، وتحدثت عن قتل متعمد وأعمال نهب واحتجاز، ما يجعل حكاية المدرسة هنا لا تمثّل تفصيلًا إنسانيًا فحسب، بل علامة على تفكك قواعد الحرب التقليدية. 

وإذا كان دارفور يمثل الوجه الأقدم والأقسى لانهيار الحماية المدنية، فإن كردفان في الأسابيع الأخيرة قدمت وجهًا آخر للفكرة نفسها: استهداف عائلات نازحة وهي على الطرقات. تقارير إخبارية حديثة تحدثت عن هجوم بطائرة مسيّرة نُسب إلى قوات الدعم السريع أدى إلى مقتل ٢٤ شخصًا بينهم ٠٨ أطفال أثناء فرار عائلات نازحة، في دلالة على أن خطوط الخروج لم تعد آمنة، وأن النزوح لم يعد انتقالًا من الخطر إلى الأمان بل انتقالًا بين دوائر الخطر. وفي الوقت ذاته، تتقاطع هذه الهجمات مع تحذيرات أشد قتامة عن اقتراب المجاعة من مناطق إضافية في دارفور، و مع تعطل الإمداد وتكرار الهجمات وتوسع دوائر العوز، ما يعني أن الحرب لم تعد تقتل بالسلاح فقط، بل بالجوع أيضًا. 

من زاوية القراءة الاستراتيجية، لا يمكن فصل هذا المسار عن عاملين يفسران لماذا تبدو الحرب عصية على الكبح. الأول هو اقتصاد الحرب، فتعدد مصادر التمويل غير الرسمية، وتحوّل السيطرة على طرق التجارة والذهب والتهريب إلى هدفٍ بذاته، بحيث يصبح استمرار القتال مربحًا لشبكات القوة أكثر من كونه مجرد وسيلة سياسية. الثاني هو تداخل الخارج بالداخل، سواء عبر اتهامات متبادلة بتدفق السلاح والمقاتلين أو عبر اصطفافات إقليمية مضطربة. فخلال الأيام الماضية، برزت تصريحات وإدانات تتحدث عن تدخل خارجي وتدفق أسلحة ومقاتلين يطيل أمد الحرب ويضاعف كلفتها. وفي ظل هذا التشابك، تصبح محاولات الوساطة أو وقف إطلاق النار كمن يحاول إطفاء حريق بينما تُفتح له من الخلف نوافذ هواء جديدة.

ومع اتساع الفجوة الإنسانية، تتحرك الاستجابة الدولية بمنطق إدارة الكارثة لا إنهاء الحرب. إطلاق صندوق إنساني بقيمة ٧٠٠ مليون دولار بقيادة الأمم المتحدة والولايات المتحدة، مع تعهدات كبيرة، هو اعتراف ضمني بأن الأزمة تجاوزت قدرة الإغاثة التقليدية، لكنه في الوقت نفسه يفضح حدود السياسة الدولية: حيث الأموال قد تُخفف بعض الألم، لكنها لا توقف المدفع ولا تمنع المسيّرة ولا تعيد الطفل إلى مدرسته. ولهذا، يتكرر في تقارير الميدان سؤال مؤلم: كيف تُحمى المساعدات نفسها في بلدٍ صار استهداف القوافل والبنى المدنية جزءًا من ديناميات الحرب؟ 

أما ما يجعل خبر الهجوم على مدارس وقتل نازحين يحمل معنى أكبر من فاجعته المباشرة، فهو أنه يعيد تعريف نهاية الحرب المحتملة: إذا ترسخت مناطق سيطرة مغلقة تُدار بقوة السلاح وباقتصاد الحرب، وإذا استمرت الهجمات على مراكز الإيواء والمدنيين، فإن الخطر لا يصبح فقط استمرار القتال، بل احتمال تشكل واقع تقسيم فعلي أو كيانات أمر واقع تُدار بمنطق الميليشيا. و بعض الشهادات الميدانية التي نقلتها تغطيات دولية تصف ما يشبه حكمًا قسريًا في مناطق نفوذ الدعم السريع، بما يحول الصراع من معركة على الخرطوم إلى سؤال عن مستقبل السودان كوحدة سياسية قابلة للحياة. 

الخلاصة أن السودان يقف اليوم أمام مفترق لا تحسمه البيانات ولا المؤتمرات: إما كسر حلقة اقتصاد الحرب والتدخلات والتهجير عبر وقف إطلاق نار قابل للرقابة وحماية المدنيين ومسارات محاسبة، أو استمرار الانحدار إلى حربٍ تُنتج مجاعة ونزوحًا دائمًا وتُطبع استهداف المدارس ومراكز الإيواء كخبرٍ يومي. وفي بلدٍ يتناقص فيه معنى المدرسة باعتبارها مستقبلًا، يصبح السؤال الاستراتيجي الأخطر: هل ما يزال هناك وقت لإنقاذ الدولة قبل أن يتحول الخراب إلى نظام؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى