السودان: أزمة داخلية تخلق عقدة جيوسياسية إقليمية

Rashad Alkhader

 

نيويورك – رشادالخضر – ألأمم المتحدة

عادت السودان مؤخرا و بقوة إلى واجهة الأخبار الدولية، بعد تقارير متتالية عن اتساع رقعة القتال في الخرطوم ودارفور، وانهيار شبه كامل للخدمات الأساسية، مع تحذيرات أممية من مجاعة تهدد ملايين السودانيين. و تشير آخر التحديثات إلى موجات نزوح جديدة تجاوزت عدة ملايين داخل البلاد وخارجها، كما تراجعت قدرة المنظمات الإنسانية على العمل، في وقت تتحدث فيه تقارير إعلامية غربية وعربية عن دخول أسلحة نوعية جديدة إلى ساحة الصراع، ما يؤكد أن الحرب لم تعد محلية ولا مؤقتة، بل تتجه إلى مرحلة استنزاف طويلة.

وللمتابع يلاحظ انّ أهمية السودان لا تنبع فقط من حجمه الجغرافي أو عدد سكانه، بل من موقعه المفصلي في معادلة الأمن الإقليمي.حيث يطل على البحر الأحمر، ويمثل حلقة وصل بين شمال إفريقيا وشرقها والقرن الإفريقي، ويجاور ٧ دول تعاني أصلًا من هشاشة أمنية أو صراعات داخلية. و أي انفجار طويل الأمد في السودان يعني تدفقات لجوء نحو مصر وتشاد وإثيوبيا وجنوب السودان، وتهديدًا مباشرًا لأمن البحر الأحمر الذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية والطاقة. لهذا السبب، تنظر القوى الإقليمية والدولية إلى السودان ليس كدولة مأزومة فقط، بل كساحة يمكن أن تعيد رسم التوازنات من الخليج إلى القرن الإفريقي.

و تعود جذور التصعيد الحالي إلى الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، صراع بدأ كخلاف على مسار الانتقال السياسي بعد سقوط نظام عمر البشير، ثم تحول إلى تنافس وجودي على السلطة والسلاح والموارد. داخليًا، يرى كل طرف في الحسم العسكري ضمانًا للبقاء، خاصة بعد انهيار الثقة بين المكونات السياسية والعسكرية، وفشل كل محاولات الدمج أو إعادة الهيكلة. ومع طول أمد الحرب، لم يعد الصراع يدور فقط حول الحكم في الخرطوم، بل حول السيطرة على الاقتصاد غير الرسمي، من مناجم الذهب إلى طرق التهريب والجبايات، وهو ما جعل الحرب ذات عائد مالي”لبعض مراكز القوة.

لكن الأخطر هو البعد الخارجي. حيث تشير تقارير وتحليلات متطابقة إلى أن أطرافًا إقليمية تغذي الصراع بشكل مباشر أو غير مباشر، كلٌ وفق مصالحه. هناك من يرى في السودان بوابة نفوذ نحو إفريقيا، وهناك من ينظر إليه كخط دفاع أول عن البحر الأحمر، وهناك من يتعامل معه كساحة لتصفية حسابات إقليمية أوسع. و الدعم لا يأتي دائمًا بشكل معلن، بل عبر شبكات تسليح، أو تمويل، أو غطاء سياسي، أو حتى عبر شراء الموارد السودانية في ظروف حرب وبأسعار متدنية. في المقابل، تقف قوى دولية تراقب بحذر، تحاول منع الانزلاق الكامل، لكنها مترددة في التدخل الحاسم بسبب تشابك المصالح وخشية تكرار سيناريوهات فشل دولي سابقة.

يشبه السودان اليوم مرآة مكبرة لأزمات المنطقة، فهو دولة غنية بالموارد وفقيرة بالاستقرار، له جيش منقسم، و نخب سياسية ضعيفة، واقتصاد يمكن تحويله إلى وقود حرب بدل أن يكون رافعة سلام. ولا يعني استمرار التصعيد فقط تدمير ما تبقى من الدولة السودانية، بل هو فتح للباب أمام واقع جديد قد تتحول فيه البلاد إلى منطقة نفوذ متداخلة تُدار بالأمر الواقع لا بالمؤسسات. والسؤال الذي يفرض نفسه إقليميًا ودوليًا لم يعد: من ينتصر عسكريًا؟ بل: من يملك مصلحة حقيقية في وقف الحرب؟ ومن يستفيد من استمرارها؟ وماذا سيكلّف العالم ترك السودان ينزلق أكثر نحو الفوضى في لحظة عالمية شديدة الهشاشة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى