الحرب الروسية الاوكرانية – عامها الثالث اوشك على الانتهاء ونارها لا زالت مستعرة

 

أ د / دحان النجار

يشد العام ٢٠٢٥م رحاله من كوكبنا وتقترب الحرب الروسية الاوكرانية من دخول عامها الرابع دون تحقيق وقفها و فرض السلام حسبما كان متوقعا لكنه ترك الابواب مفتوحةً امام تحقيق وقفها وتنفيذ خطة الرئيس الاميركي دونالد ترامب الخاصة بهذا النزاع الذي أرق اوروبا والعالم ايضا.

تراوحت التوقعات حول وقف هذه الحرب استنادا الى مبادرة الرئيس ترامب بين المتفائلة والمتشائمة ، والمتفائلة كانت ولا زالت الأكثر ترجيحا بسبب اصراره على تنفيذها وشعور طرفيها بتعقيداتها والحالة الاستنزافية التي تسببت بها، صحيح ان المقاومة الأوروبية والأوكرانية شديدة وتعمل على تعديلها وتضمينها افضل الشروط لصالح أوكرانيا من حيث الضمانات الامنية وتبادل الاراضي واعادة البناء وغيرها.
ومع نهاية العام الميلادي الحالي ٢٠٢٥ م لا زال طرفي الحرب يشدان الحبل بكامل قواهما من حيث الضغط الدبلوماسي وتشديد الهجمات العسكرية المتبادلة والتي اصبحت اكثر تدميرا وإيلاما من ذي قبل من اجل تحقيق اكبر قدر من المكاسب على الصعيدين الدبلوماسي والميداني ،فعلى الصعيد الدبلوماسي كان ابرز الاحداث لقاء الرئيسين ترامب وزيلنسكي في فلوريدا وبالذات في منتجع الرئيس ترامب في ٢٨ ديسمبر الحالي والذي صرح الرئيس ترامب بعد لقائهما بان الطرفين ” اقرب من اي وقت مضى” لاتفاق سلام لكنه حذر من أن المفاوضات قد تنهار بسبب قضايا شائكة، ومصطلح “اقرب من اي وقت مضى” تكرر استخدامه كثيرا في الفترات الماضية بعد كل محادثات دبلوماسية ثنائية او متعددة الأطراف وهو يعبر عن عمق الخلافات حول اهم القضايا بين الأطراف المعنية والضغوط التي تتعرض لها من اجل الوصول إلى اتفاق يحقق خطة الرئيس ترامب الذي يعاني هو الآخر من ضغطا اوكرانيا و اوروبيا وضغطا من قبل الدولة العميقة في بلاده.
زيلنسكي قدم مسودة خطة السلام الاوكرانية التي تتطابق مع خطة الرئيس ترامب من حيث عدد البنود (٢٠) بندا لكنها تختلف في بعضها من حيث الجوهر ، حيث تتضمن سحب القوات من شرق أوكرانيا وإنشاء منطقة منزوعة السلاح بشرط انسحاب روسي مماثل، وتشكيل قوة عسكرية أوكرانية قوامها ٨٠٠ الف جندي في وقت السلم مع ان المقترحات السابقة كانت تنص على ٦٠٠ الف جندي وتحفظت عليها روسيا، وطالبت الخطة الاوكرانية بمدة ضمانات امنية أمريكية تصل إلى ٥٠ عاما لضمان عدم تكرار الغزو الروسي تعديلا على المقترح الأمريكي الذي حددها ب١٥ عاما ، وكذلك حاول الجانب الاوكراني إغراء الولايات المتحدة من خلال مقترحه بتحويل منطقة الدنباس إلى منطقة اقتصادية حرة عالمية مدغدغا بذلك مشاعر الرئيس ترامب التوسعية الاقتصادية.
وعلى الصعيد الميداني ، شددت أوكرانيا من هجماتها ضد روسيا حيث طالت منشطات اقتصادية حساسة في العمق الروسي وفي اهم الموانىء على البحر الأسود وفي بحر قزوين وباستهداف مقر اقامة الرئيس بوتين في مقاطعت ” نوفغورود” حسب ادعاء الجانب الروسي باستخدام عشرات المسيرات الامر الذي نفته أوكرانيا واعتبره الجانب الروسي تحدٍ غير مسبوق وسببا لتشديد موقفه التفاوضي، وشهدت اللحظات الاخيرة من العام ٢٠٢٥ قصفا روسيا عنيفا بالصواريخ الأكثر قدرة تدميرية ودقة في الإصابات والمسيرات المتطورة استهدف البنية التحتية للطاقة في كييف واوديساء وبعض المقاطعات الأخرى مما ادى الى انقطاعات واسعة في التيار الكهربائي تزامنا مع درجات حرارة منخفضة تحت الصفر.
تمكنت روسيا في الاسبوع الاخير من العام ٢٠٢٥ م من السيطرة على عدد من البلدات الاوكرانية مثل ” ميرنوهراد” في الدونباس و” هوليوبولي ” في زاباروجيه مؤكدةً استمرار الزحف و القرب من السيطرة على بلدات اخرى على طول جبهات القتال، بينما يؤكد الجانب الاوكراني استمرار العمليات الدفاعية المتينة، وعلى ما يبدو بان كلا الجانبين يشدّدان من الهجمات النوعية من اجل تحقيق مكاسب تفاوضية افضل ومن اجل الضغط على الطرف الاخر وجعله يذعن للشروط التفاوضية وهذه حالة معروفة في كل الحروب قبيل توقيع اي اتفاق لوقف اطلاق النار .
وكانت قد حدثت اختراقات امنية نوعية داخل روسيا وبالذات في موسكو حيث تم استهداف سيارات تابعة لمسؤلين عسكريين بالجيش الروسي والشرطة الروسية أدت الى مقتل قادة عسكريين وأمنيين اُتهمت بها اجهزة استخبارات اجنبية تحاول زعزعة الوضع الروسي من الداخل .
الوضع بين روسيا واوروبا يزداد تعقيدا حيث ان الدول الأوروبية تمانع ممانعة شديدة تجاه تقديم تنازلات جوهرية لروسيا حسب خطة الرئيس الاميركي دونالد ترامب وتحاول إقناعه بعدم مكافأة المعتدي الذي قد تتفتح شهيته لمواصلة اعتداءاته على دول القارة التي تتهم روسيا باستفزازها لها من خلال اختراق المسيرات الروسية لمجالها الجوي الاقليمي حيث قام البعض منها برفع حالة التأهب و باغلاق بعض المطارات القريبة من الحدود الاوكرانية كما هو الحال مع بولندا.
الجدير بالذكر ان الاتحاد الأوروبي يتبنى موقفاً يتسم بالدعم الحذر والمشاركة النشطة في صياغة “خطة السلام المعدلة” التي يقودها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وبينما يرحب القادة الأوروبيون بالتقدم المحرز، إلا أن لديهم “خطوطاً حمراء” ومطالب محددة لضمان ألا يكون الاتفاق مجرد استراحة لروسيا قبل هجوم جديد.
أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية، “أورسولا فون دير لاين” ، بعد مشاورات مكثفة مع ترامب وزيلينسكي في الأيام الماضية، أن الأولوية القصوى لأوروبا” ضمانات امنية حديدية” لأوكرانيا تبدأ من اليوم الأول لوقف إطلاق النار. ويرى الاتحاد الأوروبي أن أي خطة لا تتضمن التزامات دفاعية واضحة (شبيهة بالمادة الخامسة لحلف الناتو) ستكون غير مقبولة.
ساهمت القوى الأوروبية وبالذات المانيا والمملكة المتحدة وفرنسا في تعديل النسخة الاولى من خطة الرئيس ترامب التي تكونت من ٢٨ بندا واعتبروها منحازة لموسكو لتتعدلها الى ٢٠ نقطة ومن ابرز التعديلات الأوروبية للتذكير:
1. احتفاظ أوكرانيا بقوة عسكرية قوامها ٨٠٠ الف جندي.
2. تحويل المناطق المتنازع عليها في الدونباس إلى. مناطق اقتصادية حرة تحت اشراف دولي .
3. ادراج بنود صارمة حول تبادل الاسرى ” الكل مقابل الكل” واعادة الاطفال الأوكرانيين المختطفين.
4. يشدد الأوروبيون على ضرورة عدم ارغام أوكرانيا على التنازل “قانونيا” عن أراضيها ويمكن تجميد الصراع او الادارة الدولية المؤقتة.
وخلاصة القول، العام ٢٠٢٥ م انقضى دون وقف الحرب وتحقيق السلام بين روسيا واوكرانيا برغم الضغوط الشديدة من قبل الرئيس الاميركي دونالد ترامب الذي يعمل جاهدا على وقفها إلا ان مشكلة كهذه تمس اكثر من طرف دولي مؤثر في العلاقات الدولية السياسية والاقتصاد ليس من السهل تمرير اي مقترح للسلام دون المرور بمخاض عسير يعكس ذلك التأثير ، والحقيقة ان أوكرانيا في حال الدفاع المستمر وروسيا عالقة في حرب لا تستطيع حسمها على الاقل في القريب العاجل ولا تستطيع الخروج منها بسهولة..
فبينما يضغط البيت الأبيض لإنهاء الحرب في يناير 2026 قبل الذكرى الرابعة للغزو، لا تزال الفجوة واسعة بين مطالب بوتين (السيطرة الكاملة على المناطق الأربع) وشروط زيلينسكي (الانسحاب المتبادل والضمانات الأمنية)، وأعتقد أن الرئيس ترامب سوف يضاعف جهوده من اجل الفوز بشرف وقف هذه الحرب الاستنزافية الخطيرة والتي ان استمرت قد تتحول إلى حرب تدميرية في القارة الأوروبية وسيعاني العالم اجمع من تبعاتها.
د/دحان النجار مدينة شيفيلد البريطانية ٣١ ديسمبر ٢٠٢٥

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى