تصدّع و انشقاقات علنية تعيد خلط أوراق الحرب في السودان

 

نيويورك – زينة بلقاسم –

لم تعد الخلافات داخل قوات الدعم السريع همساً في الغرف المغلقة، بل خرجت إلى العلن بإشارات واضحة على انشقاقات وتململ ميداني يهدد بتفكيك البنية التي قامت عليها هذه القوة منذ اندلاع الحرب. في شمال كردفان، سلّم عدد من عناصر الدعم السريع أنفسهم للجيش السوداني، في مشهد حمل رمزية ثقيلة: مقاتلون يبدّلون مواقعهم من خنادق الأمس إلى صفوف الخصم، رافعين السلاح الذي كانوا يقاتلون به قبل أيام.

هذه الخطوة لم تأتِ من فراغ. فشكاوى تتصاعد من قادة ميدانيين حول قلة الإمداد والدعم اللوجستي، وتهميش في توزيع المال والسلاح، وإقصاء من دوائر القرار. كلمات مثل “الظلم” و“التهميش” لم تعد تتداول في نطاق ضيق، بل باتت تُقال علناً، في تسجيلات وتصريحات تعكس غضباً يتجاوز الانضباط العسكري إلى أزمة ثقة داخلية. وعندما يتحول السخط إلى إعلان موقف، يصبح الانشقاق احتمالاً واقعياً لا مجرد تكهن.

في دارفور، أضافت اتهامات زعيم قبيلة المحاميد موسى هلال لنائب قائد الدعم السريع عبد الرحيم دقلو طبقة أخرى من التوتر، بعدما تحدث عن “زرع الفتنة” داخل الحاضنة القبلية عبر توزيع المال والسلاح على أطراف دون أخرى. هنا لا يتعلق الأمر بخلاف عسكري فحسب، بل بصراع نفوذ داخل شبكة الولاءات الاجتماعية التي شكلت العمود الفقري للدعم السريع. وإذا اهتزت هذه الشبكة، اهتزت معها قدرة القيادة على ضبط الإيقاع.

الانقسامات الحالية تأتي في لحظة حساسة من الحرب، حيث تتقاطع الضغوط العسكرية مع الضغوط الاقتصادية. فكل هزيمة ميدانية تفتح باب الأسئلة داخل صفوف المقاتلين: لماذا نقاتل؟ ولصالح من؟ وعندما تغيب الإجابات المقنعة، يبدأ البحث عن مخرج. تسليم السلاح يصبح، في بعض الحالات، خياراً أقل كلفة من الاستمرار في معركة تتآكل فيها الموارد وتتضخم الخسائر.

انعكاس هذه التطورات على الأرض لا يمكن التقليل من شأنه. فالتفكك الداخلي يعني تراجع القدرة على التنسيق، وارتفاع احتمالات القرارات الفردية، وربما اندلاع صراعات جانبية داخل مناطق السيطرة نفسها. كما أن انضمام شخصيات ذات ثقل قبلي أو ميداني إلى معسكر الجيش يرسل رسائل ضمنية إلى آخرين مفادها أن باب التحول مفتوح، وأن ميزان القوة ليس ثابتاً.

لكن الصورة ليست أحادية الاتجاه. فالتاريخ القريب للصراعات المسلحة يُظهر أن الانشقاقات قد تولّد أيضاً موجات عنف انتقامي، في محاولة لردع المزيد من التمرد الداخلي. وبالتالي، فإن تصدّع البنية قد يعني في المدى القصير تصعيداً، قبل أن يتحول إلى إعادة تشكيل أوسع للخريطة العسكرية.

في المحصلة، ما يجري داخل الدعم السريع ليس تفصيلاً هامشياً، بل مؤشر على تحوّل عميق في مسار الحرب. فإذا كانت القوة التي شكّلت أحد قطبي الصراع تدخل مرحلة إعادة تعريف ذاتها تحت ضغط الانقسامات، فإن الحرب نفسها قد تكون على أعتاب فصل جديد. السؤال الآن ليس فقط من يتقدم ميدانياً، بل من يحافظ على تماسكه الداخلي في معركة باتت تُحسم بقدر ما تُحسم بالسلاح، بقدر ما تُحسم بالولاءات والثقة والانضباط

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى