اين اختفى ” عيدروس الزبيدي؟”

صورة أرشيفية

 

نيويورك – زينة بلقاسم –

يقول مثلٌ يمني دارج: “إذا تفرّق الحُماة… دخل اللصّ من الباب الكبير”. وفي السياسة، لا يأتي “اللص” دائمًا بوجهٍ واحد؛ قد يأتي على هيئة انقسامٍ داخليّ، أو على هيئة شكٍّ بين الحلفاء، أو على هيئة قرارٍ يتأخر ساعاتٍ قليلة ثم يغيّر مصير مدينةٍ كاملة. لهذا تبدو اليمن في مطلع كانون يناير من ٢٠٢٦ كأنها سفينةٌ لا تغرق بموجةٍ واحدة، بل بثقوبٍ صغيرة تتسع مع كل لحظة ارتباك.

و اليوم، السابع من يناير، لم يعد المشهد اليمني قابلاً للاختصار في جبهةٍ واحدة ضد الحوثيين، لأن النار صارت طبقاتٍ فوق نار: نارُ خصومةٍ قديمة لم تُغلق صفحاتها، ونارُ جنوبٍ يتصارع على الشرعية والسلاح داخل المعسكر نفسه الذي يفترض أنه “مناهض للحوثيين”، ونارُ علاقةٍ إقليمية تتوتر بين الحلفاء على الأرض اليمنية، ثم نارُ يومٍ معيشيّ يدفع الناس ثمنه بصمت. 

على السطح، أخذت الأزمة شكلًا سياسيًا صادمًا حين أعلن مجلس القيادة الرئاسي طرد عيدروس الزُبيدي (رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي) من المجلس وإحالته بتهمٍ تصل إلى الخيانة. ليست الخطوة مجرد تغييرٍ في الأسماء؛ بل هي إعلانٌ بأن “جبهة الشرعية” لم تعد تستطيع إخفاء شرخها بورق البيانات. 

لكن ما جعل اللحظة أثقل هو سرد اللحظات الأخيرة الذي بثته وسائل الإعلام في تقارير تقول إن التحالف أبلغ الزُبيدي بالقدوم إلى السعودية للجلوس مع رئيس مجلس القيادة رشاد العليمي، وأنه مُنح ثمانٍ وأربعين ساعة للقدوم والوقوف على أسباب التصعيد، وفق ما نُسب إلى بيان التحالف. ثم تقول إن الزُبيدي أبلغ التحالف بوصوله يوم السادس من كانون الثاني/يناير، وإن وفدَه اتجه بالفعل إلى مطار عدن في الليلة المحددة، قبل أن تتأخر الرحلة ثلاث ساعات. وفي تلك الفجوة الزمنية، ظهرت معلومات للحكومة والتحالف بأن الزُبيدي حرّك قواتٍ وأسلحةً وعرباتٍ قتالية من معسكري حديد والصلبان باتجاه الضالع، ثم اختفى في مكانٍ غير معلوم، دون إبلاغ قياداتٍ وأعضاء في المجلس الانتقالي، وبالتوازي جرى الحديث عن توزيع أسلحة وذخائر داخل عدن لعشرات العناصر.

وفي الروايات المتقاطعة التي خرجت في الإعلام الدولي في اليومين الأخيرين، يظهر “المعنى” خلف التفاصيل: إذ تقول تقارير إن تحركات الزُبيدي كانت تصعيدًا وتهديدًا للاستقرار، وإن الضربات التي نُفذت كانت استباقية لتعطيل قوات تحركت قرب الضالع. أما المجلس الانتقالي، فيقدّم صورةً معاكسة إذ يتحدث عن استهدافٍ لمعسكراته، وعن وفدٍ يقول إنه فقد التواصل بعد وصوله إلى الرياض، ويصف ما جرى بأنه اعتداءٌ غير مبرر. وبين هاتين الروايتين، يقف اليمني في الوسط، حيث يصبح من يملك السردية هو من يتواجد على ارض المعركة مثل من يملك الأرض.

ولأن السياسة في اليمن لا تتحرك منفصلةً عن الجغرافيا، جاءت حضرموت لتُكمل الصورة. ففي الثالث من يناير قالت الحكومة اليمنية وفق وكالة “رويترز” و “فايننشال تايمز”، إنها استعادت السيطرة على المكلا عاصمة حضرموت بعد أن كانت قد وقعت بيد قواتٍ مرتبطة بالمجلس الانتقالي. وهنا ليست المكلا مجرد مدينة؛ إنها عقدةُ نفوذٍ على الساحل والموارد والطرق، وكل تبدلٍ في السيطرة عليها يعني أن الصراع ليس فقط على “الجنوب” كفكرة، بل على مفاتيح الدولة اليومية حيث الميناء، والأمن، والإيرادات، والسلطة الفعلية. 

ومع اتساع الصورة، لم يعد الخلاف “يمنيًا داخليًا” فحسب، لأن التقارير ربطت التصعيد بصدعٍ أكبر بين الداعمين الإقليميين. تحدثت “أسوشيتد برس” و“فايننشال تايمز” عن أن الانقسام بين القوى المناهضة للحوثيين يُظهر توترًا متصاعدًا بين السعودية والإمارات، حيث يرتبط المجلس الانتقالي تقليديًا بدعمٍ إماراتي، فيما تقف الرياض أقرب إلى الحكومة المعترف بها دوليًا، ما يجعل اليمن ساحةً تُترجم فيها الخلافات الإقليمية إلى تحركاتٍ على الأرض. 

ثم تأتي لحظة المآل، فيُطرح السؤال ماذا يعني أن يُطرد الزُبيدي من المجلس، وأن تدور روايات عن إنذارٍ ب٤٨ ساعة، وأن تتحدث تقارير عن ضرباتٍ في الضالع وتوترٍ في عدن، في وقتٍ لا تزال صنعاء تحت سيطرة الحوثيين؟ يعني ببساطة أن المعسكر الذي يفترض أنه يواجه الحوثيين بات يستهلك جزءًا من طاقته في مواجهة نفسه، وأن المستقبل السياسي الذي كان يُفترض أن يُبنى فوق تفاهمات داخلية صار يتشقق تحت أقدام اللاعبين أنفسهم. 

و بالتالي لا يعود السؤال في اليمن: أين ذهب الزُبيدي؟ ولا من ربحُ ساعات التأخير الثلاث؟ بل: هل تستطيع البلاد أن تمنع الانقسام من أن يصبح بابًا واسعًا يدخل منه المزيد من الفوضى؟ لأن المثل اليمني القديم لا يرحم: إذا تفرّق الحُماة، لا يحتاج اللصّ إلى الحفر… يكفيه أن يجد الباب مفتوحًا.
المقال ٧٤

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى