النفوذ الوقائي يعيد تعريف الأمن القومي

نيويورك – خاص – زينة بلقاسم – عين اليمن الحر
لم يكن المؤتمر الصحفي الذي جمع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ووزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث الأسبوع الماضي، مجرد عرض مواقف آنية، بل كشف بوضوح عن فلسفة متكاملة للإدارة الأميركية الحالية في إدارة التهديدات قبل تحولها إلى أزمات. فلسفة ترى أن الأمن القومي الأميركي لم يعد محصورًا داخل الحدود، ولا مؤجلًا إلى لحظة الصدام، بل يُدار عبر التحكم الاستباقي بمصادر الخطر و تشمل: الطاقة، والجغرافيا، والممرات الاستراتيجية، تحت قيادة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بوصفه صانع القرار الأعلى في هذا المسار.
في ملف فنزويلا، قدّم وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مقاربة من ثلاث مراحل هي: التثبيت، ثم التعافي، ثم الانتقال. و جوهر هذه المقاربة ليس إسقاطًا فوضويًا ولا تدخّلًا عسكريًا مباشرًا، بل استخدام النفوذ الاقتصادي الأميركي بأقصى درجات الدقة. فالعقوبات والحظر البحري لم يعودا مجرد أدوات ضغط، بل تحوّلا إلى وسيلة لإدارة الموارد بما يمنع انهيار الدولة ويجفف مصادر الفساد. الاستحواذ على ما بين ٥٣ مليون برميل من النفط الفنزويلي الخاضع للعقوبات وبيعه بسعر السوق، مع توجيه العائدات تحت رقابة أميركية لضمان وصولها إلى ما يُقدَّم على أنه “مصلحة الشعب الفنزويلي”، يعكس منطق الإدارة: الذي يتمث في حرمان الأنظمة المعادية من الريع دون معاقبة الشعوب أو تحميل دافع الضرائب الأميركي أي كلفة.
وفي الرد على الانتقادات المتعلقة بالكلفة أو “غياب الخطة”، كان الخطاب واضحًا، فما يجري ليس نظرية على الورق، بل إجراءات تُنفذ بالفعل، من مصادرة ناقلات إلى فرض حجر فعلي على حركة النفط غير المصرح بها أو الخاضع للعقوبات. وهنا دخل وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث ليؤكد أن القوات الأميركية لا تتحرك من أجل الاستعراض، بل لأن الولايات المتحدة إدارة فعل لا قول، تُنفذ مصالحها وتردع خصومها وتفرض واقعًا تشغيلًا لا مجرد تصريحات، وأن السؤال عن كلفة الانتشار يُطرح انتقائيًا رغم أن البحرية الأميركية موجودة أصلًا في مسارح متعددة حول العالم. و من منظور الإدارة الحالية، هذه هي القوة الذكية؛ كاستخدام التفوق البحري والقانوني لضبط السلوك الدولي دون حروب مفتوحة، مع إبقاء باب التسوية السياسية مفتوحًا متى التزمت الأطراف بالشروط، تعتبر اولوية قصوى.
و بالانتقال إلى ملف غرينلاند الذي لم يكن خروجًا عن السياق، بل امتدادًا له، حين أكّد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن نية الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن غرينلاند ليست جديدة، وأنها امتداد لنقاشات تاريخية بدأت منذ عهد الرئيس الأميركي الأسبق هاري ترومان، الذي كان يضع المسألة في إطار استمرارية استراتيجية لا نزوة سياسية. ومن منظور الإدارة الحالية، فلا تعتبر غرينلاند قضية عقارية ولا رمزية، بل هي عقدة أمن قومي حقيقية: من حيث موقعها المتقدم للإنذار المبكر، كما انها حلقة مركزية في الدفاع الصاروخي، وبوابة القطب الشمالي الذي يتحول سريعًا إلى مسرح تنافس بين القوى الكبرى مع ذوبان الجليد وفتح الممرات البحرية.
و إبقاء كل الخيارات مطروحة لا يعني وفق المنطق الأميركي نية خرق تحالف أو فرض أمر واقع بالقوة، بل تأكيد مبدأ سيادي راسخ في السياسة الأميركية: كل رئيس يحتفظ بحق استخدام القوة إذا تبيّن أن تهديدًا مباشرًا للأمن القومي يتشكل. وفي الوقت نفسه، شدد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو على أن الدبلوماسية هي المسار المفضل، وأنه سيجتمع مع الطرف الدنماركي قريبًا. هنا تظهر محاولة الموازنة بين الردع والانفتاح مع ترك خيار القوة ضمنيًا كجزء من أي عقيدة أمن قومي، إلى جانب دفع المسار الدبلوماسي إلى الأمام لحماية وحدة الحلفاء.
وفي خلفية هذا الملف، يتمسك الطرف الدنماركي بموقف يعتبر أن تقرير المصير شأن داخلي. حيث أكدت رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن مرارًا أن مستقبل غرينلاند يقرره سكانها، وهو موقف يتقاطع مع ما يقوله مسؤولو غرينلاند أنفسهم بأن الجزيرة ليست معروضة للبيع. لكن إدارة واشنطن ترى أن المشكلة لم تعد فقط في السيادة القانونية، بل في الفراغ الاستراتيجي الذي يمكن أن تستثمره قوى منافسة، خاصة مع صعود التنافس في القطب الشمالي وتداخل أمن الممرات البحرية مع أمن الطاقة والمعادن والتكنولوجيا.
الخيط الناظم بين فنزويلا وغرينلاند هو رؤية تعتبر أن النظام الدولي يعيش مرحلة إعادة ضبط. ففي هذه المرحلة، لا يكفي رد الفعل المتأخر، ولا تنجح الخطابات الأخلاقية وحدها. الإدارة الأميركية الحالية، بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تقدّم نموذجًا براغماتيًا يتمثل في ان النفوذ يُستخدم لمنع الانهيار، وحماية المصالح، وفرض مسارات انتقالية قبل أن تتحول الأزمات إلى حروب. من هذا المنظور، فإن إدارة النفط الفنزويلي ومنع استغلاله ضد الشعب، والنقاش حول غرينلاند كأصل استراتيجي للأمن الأطلسي، ليسا تناقضين، بل وجهين لسياسة واحدة ترى أن الاستقرار العالمي يبدأ حين تتحمل القوة الأكبر مسؤولية المبادرة بدل انتظار الفوضى.
بهذا المعنى، لم يكن مؤتمر السابع من يناير مجرد إحاطة صحفية، بل كان إعلانًا غير مباشر عن مرحلة تُدار فيها السياسة الخارجية الأميركية بمنطق الوقاية والتحكم، وتقديم المصالح القومية بوصفها شرطًا للاستقرار الدولي، لا نقيضًا له، كما حاولت الإدارة أن تُظهر عبر كلمات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ووزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث وتحت سقف القرار السياسي للرئيس الأميركي دونالد ترامب.




