الدين الأميركي: من رقمٍ إلى عبء… هل يصمد اختبار الثقة العالم؟

Chon Kit Leong / Legion-Media

 

 

نيويورك –  خاص – زينة بلقاسم

على امتداد التاريخ الحديث، لم يكن الدين العام الأميركي ظاهرة طارئة أو استثناءً عابرًا. بعد الحرب العالمية الثانية، تجاوز الدين الأميركي حجم الناتج المحلي الإجمالي، ومع ذلك دخلت الولايات المتحدة واحدة من أطول فترات النمو الاقتصادي في تاريخها. في تلك المرحلة، كان الاقتصاد يتوسع بسرعة، والإنتاجية ترتفع، والسكان في سنّ العمل يزدادون، ما جعل عبء الدين قابلًا للاحتواء. لم يكن الخطر في حجم الدين بقدر ما كان في قدرة الاقتصاد على تجاوزه.

لكن هذا التوازن بدأ يتغير تدريجيًا مع نهاية القرن العشرين. في ثمانينيات القرن الماضي، اتسعت العجوزات المالية بفعل خفض الضرائب وارتفاع الإنفاق الدفاعي. ورغم ذلك، ظل الدين تحت السيطرة نسبيًا بفضل انخفاض أسعار الفائدة وارتفاع الطلب العالمي على سندات الخزانة الأميركية. التحول الحقيقي جاء مع بداية الألفية الجديدة، حين دخل الاقتصاد الأميركي سلسلة من الصدمات المتلاحقة: انفجار فقاعة التكنولوجيا، ثم هجمات الحادي عشر من سبتمبر، فالحروب الخارجية، وصولًا إلى الأزمة المالية العالمية في عام ألفين وثمانية. في كل مرة، كان الحل واحدًا: المزيد من الاقتراض لتفادي الانهيار.

مع دخول عقد العشرينيات من هذا القرن، بلغ الدين الأميركي مستويات تاريخية غير مسبوقة خارج سياق الحروب الكبرى. ثم جاءت جائحة كورونا لتُسرّع المسار بشكل حاد. حزم تحفيز ضخمة ضُخت في الاقتصاد لمنع الانكماش، فارتفع الدين إلى ما يتجاوز ثلاثين تريليون دولار. في تلك اللحظة، بدت الكلفة محدودة لأن أسعار الفائدة كانت قريبة من الصفر، ما خلق انطباعًا واسعًا بأن الدين لم يعد مشكلة ملحّة.

غير أن المشهد تغيّر جذريًا مع عودة التضخم. حين اضطُر الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة بشكل متسارع، تحوّل الدين من رقمٍ نظري إلى عبء فعلي. كل ارتفاع في الفائدة يعني عشرات المليارات الإضافية من مدفوعات الفوائد سنويًا. ومع الوقت، بدأت كلفة خدمة الدين تنافس بنودًا أساسية في الميزانية مثل الدفاع والرعاية الصحية، ما قلّص هامش المناورة أمام صانع القرار المالي.

في المقابل، كانت الأسواق المالية تسير في اتجاه مغاير. القيمة السوقية للأسهم ارتفعت بقوة، مدفوعة بتفاؤل واسع حول الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة. بدا وكأن الثروة الورقية تتوسع أسرع من الدين، ما أعطى انطباعًا بأن الأسواق قادرة على امتصاص المخاطر المالية. لكن التاريخ يذكّرنا بأن الأسواق ليست ضمانة دائمة، بل تعبير عن توقعات. وعندما تتغير التوقعات، يمكن أن تتراجع القيم السوقية بسرعة تفوق قدرة الحكومات على التكيّف.

الفرق الجوهري بين الأسواق والدين هو أن الأسواق يمكن أن تصحّح، أما الدين فلا. عند حدوث تباطؤ اقتصادي أو تصحيح حاد في البورصات، تنخفض الإيرادات الضريبية، ويزداد الإنفاق الاجتماعي، في الوقت الذي تبقى فيه التزامات الدين ثابتة أو متزايدة. هنا تتشكل حلقة خطرة: ارتفاع الفوائد يزيد العجز، والعجز يزيد الاقتراض، والاقتراض يرفع كلفة الفوائد مستقبلًا.

ثقة العالم في الولايات المتحدة لا تزال مرتفعة، وسندات الخزانة الأميركية ما زالت حجر الأساس في النظام المالي العالمي. لكنها ثقة مشروطة بالاستدامة. أي اهتزاز مفاجئ في هذه الثقة، أو ارتفاع حاد في العائدات، قد ينعكس على تكلفة الاقتراض ليس فقط في الولايات المتحدة، بل عالميًا. فارتفاع العوائد الأميركية يسحب السيولة من الأسواق الناشئة، ويضغط على عملاتها، ويزيد أعباء ديونها، ما يجعل أزمة الدين الأميركي عاملًا مؤثرًا في الاستقرار المالي الدولي.

بالنظر إلى المستقبل القريب، تتعدد السيناريوهات. إذا استقر التضخم وتراجعت أسعار الفائدة تدريجيًا، قد تنجح واشنطن في كسب الوقت وإدارة الدين دون صدمة. أما إذا عادت الضغوط التضخمية أو تراجعت الثقة في الأسواق، فقد تتعرض المالية العامة لاختبار صعب في لحظة حساسة. وفي حال ترافق ذلك مع تصحيح في الأسواق بعد فترة من التقييمات المرتفعة، قد يواجه الاقتصاد الأميركي ضغطًا مزدوجًا: تباطؤ النمو وارتفاع كلفة التمويل.

الخلاصة أن اتساع الأسواق المالية لا يلغي قوانين الحساب. الدين يمكن إدارته، لكن لا يمكن تجاهله إلى ما لا نهاية. والتاريخ يُظهر أن القوى الكبرى لا تسقط بضربة واحدة، بل تضعف حين تتراكم الاختلالات دون معالجة جذرية. السنوات المقبلة لن تحسم مصير الاقتصاد الأميركي، لكنها ستحدد ما إذا كان يسير نحو توازن مستدام، أم يؤجل المواجهة مع واقع مالي يزداد تعقيدًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى